لماذا تخاف الدولة الأردنية «السوشيال ميديا»

الإثنين 09 كانون الثاني 2017

تعتزم الحكومة الأردنية تشريع قانون ينظم مواقع التواصل الاجتماعي، بحجة مكافحة التطرف، والعنصرية، وخطاب الكراهية. تبدو الفكرة نبيلة بالطبع، فمكافحة التطرف، والكراهية، والعنصرية، من واجبات الدولة، كما هي حماية حقوق الإنسان وحرياته. لكن بهذا الغطاء تمرر الحكومة مشروع القانون، دون ضجيج الشارع، وبقليل من انتقادات المنظمات الحقوقية، وبلا امتعاض من الأقلية البرلمانية المعارضة.

إن تمرير مشروع القانون «المنظم» لمواقع التواصل الاجتماعي ما هو إلا حلقة من حلقات سابقة؛ لإغلاق ما تبقى من الفضاء السياسي العام. فبعد أن استجمع مصنع القرار قوته بُعيد الربيع العربي، حلّل وناقش أدوات مكافحة أي حراك شعبي مستقبلًا، قد يُجبر السلطة على إجراء إصلاح جذري وحقيقي، فكان لا بد من إجراءات تتضمن تشريع ترسانة من القوانين تحاصر أدوات المطالبة بالتغيير، والإصلاح.

بدأت الحكومة بتعديل قانون المطبوعات النشر، سيء الصيت، والمشوب بشبهة عدم الدستورية، بحجة تنظيم القطاع الصحفي، وحماية المهنة، فأغلقت عام ٢٠١٣، بموجبه قرابة ٢٩٠ موقعًا إلكترونيًا، بعضها كشف شبهات فساد تطارد نخبة من علية القوم، ساهمت في خروج الناس إلى الشوارع للمطالبة بمكافحة الفساد، وإجراء إصلاح حقيقي، يرقى لطموح الناس. أغلب شبهات الفساد التي نظرها مجلس النواب السادس عشر (٢٠١٠-٢٠١٢)، كانت مواقع إخبارية قد نشرت عنها سابقًا، كصفقة بيع الفوسفات لشركة كاميل هولدنجز ليمتد، والتي تورط فيها وليد الكردي المقرب من القصر، وقضية جر مياه الديسي وعمولة مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة والتي تورط فيهما مدير صندوق دعم المشاريع التنموية والاستثمارية الخاصة بالقوات المسلحة والأجهزة الأمنية أكرم أبو حمدان، وقضية سكن كريم، وغيرها.

وفي خضم الردة على الإصلاح، عدّلت الحكومة عام ٢٠١٤ في ظل وجود مجلس نواب مُطاوع، قانون منع الإرهاب، بحجة مكافحته، وهو ما ساهم بتوسيع قاعدة التجريم، بحيث يشمل صاحب منشور على الفيسبوك. وعليه، قضت محكمة أمن الدولة بوضع زكي بني ارشيد، نائب المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين، بالأشغال الشاقة المؤقتة لمدة ثلاث سنوات، قبل تخفيضها إلى النصف، بسبب منشور انتقد فيه دولة الإمارات. العشرات غير بني إرشيد صدرت بحقهم أحكام مشابهة وفق هذا القانون بمجرد نشر عبارات على الفيسبوك، رأت فيها المحكمة عملًا يدخل في باب الإرهاب.

استمر مسلسل تضيق السلطة على حريات الناس، مستغلًا التوترات الإقليمية، والحوادث الأمنية الداخلية، فسُنّ قانون الجرائم الإلكترونية في عام ٢٠١٥، الذي يكبّل حرية الرأي والتعبير على الشبكة العنكبوتية. وبمجرد سريان القانون الوليد، أصدرت المحاكم الأردنية عشرات الأحكام القضائية سندًا للمادة ١١ من القانون؛ فقضت بحبس متهمين لمدة لا تقل عن ثلاثة أشهر، وبغرامة لا تقل عن ١٠٠ دينار، بمجرد كتابتهم على موقع الفيسبوك عبارات رأت فيها المحكمة تجاوزًا للقانون.

يُظهر هذا السجل هاجس الدولة وخوفها من ازدياد منسوب حرية الرأي والتعبير، والصحافة والنشر، بوصفهما المدخل الإجباري لتفعيل الحقوق الأخرى، فعمدت إلى إصدار أكثر من ١٥ تعميمًا لمنع النشر من قبل هيئة الإعلام منذ بداية ٢٠١٤ وحتى آب ٢٠١٦.

وخلال هذه المدة منعت أجهزة الدولة وخاصة الأمنية منها، إقامة عشرات الفعاليات، من مناظرات، ومسيرات، ومهرجانات انتخابية، وأمسيات ثقافية وفنية، واحتجاجات كما حدث في ذيبان إذ فضت خيمة المتعطلين عن العمل بالقوة، ضاربة بقانون الاجتماعات العامة عرض الحائط.

حتى الصحافة «المهنية والمستقلة» استكانت بفعل فاعل، وانتشرت وسائل إعلام احترفت تبجيل السلطة، والسير في حذائها، ونقل صوتها؛ متجاهلة صوت الناس وهمومهم. كل ذلك ساهم في تعدي مواقع التواصل الاجتماعي لغاية وجودها، لتصبح منصات يمارس النشطاء على صفحاتها حقهم في الرأي والتعبير إزاء القضايا العامة.

لم تكتفِ أجهزة الدولة بخنق أدوات التغيير السابقة؛ فقد حاصرت الحياة الحزبية، بقوانين وأنظمة وإجراءات شملت حتى بعض الأحزاب السياسية التي تربّت وترعرعت في حديقتها الخلفية، فلم تسلم بعضها من إغلاق مقراتها، واستدعاء منتسبيها للأجهزة الأمنية، ومنع إقامة نشاطاتها الحزبية، علاوة على عزم الحكومة تعديل نظام الدعم المالي للأحزاب، بحيث يقضي بتخفيض المبالغ المخصصة لها. كما كانت بصمات السلطة واضحة كعامل في تفتت وتشرذم جماعة الإخوان المسلمين كعنوان كبير للمعارضة.

منظمات المجتمع المدني، المعنية في بث خطاب الديمقراطية وحقوق الإنسان، تم التضييق عليها أيضًا، عبر التحكم في مصادر تمويلها، فاشترطت وجود موافقات من الوزارات السيادية والأجهزة الأمنية، بحيث يتم تسهيل تمويل المنظمات الصديقة للسلطة، وتضييق الخناق على المنظمات المستقلة ذات السيادة.

ولا ننسى أن التعديلات الدستورية في عامي ٢٠١٤ و٢٠١٦، «لحست» كل وعود الفصل بين السلطات، وممارسة الحكومة لكامل صلاحياتها بالولاية العامة، ووسعت صلاحيات الملك، التي كان يطالب قطاع عريض من الحراك الشعبي بتقليصها لصالح السلطات الثلاث.

إزاء كل ذلك، بقيت المساهمة الصغيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، تشكل نقطة جذب، ومتنفسًا لكل المخالفين والغاضبين والمعارضين للسياسات الرسمية، وبدأت تلعب أدوارًا كبيرة. ففي أحداث الكرك على سبيل المثال، نشر النشطاء صورًا حية لما حدث بالتفصيل، والتي كشفت ضعف جاهزية الأجهزة الأمنية في بداية المواجهات. وفي أحداث الركبان، كَذّبت الصور الحية المسربة، المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي رواية الدولة، عندما ادعت تصديها للهجوم.

وفي ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية، وتزايد رقعة الفقر، والبطالة، وغياب الديمقراطية، والحرية، يزداد السجال والنقاش على مواقع التواصل الاجتماعي، ويقرع كل يوم أبوابًا مغلقة، لا تريد الدولة لأحد الاقتراب منها. وهذا ما يفسر نية الدولة محاصرة مواقع التواصل الاجتماعي كأداة تساهم بإحداث التغيير، بحجة مكافحة التطرف والعنصرية.

لقد قررت الدولة، أن لا رجعة لأيام الربيع العربي والمطالبة بالإصلاح، ولهذا فهي تعمل على تكسير كل الأدوات التي تنتج هكذا حالة، بحجة مكافحة التطرف والعنصرية وخطاب الكراهية.

وإذا صدقت الحكومة بالأسباب الموجبة لسن تشريع خاص بمواقع التواصل الاجتماعي، فإنها تظهر عدم قدرتها على الإبداع، واجتراح الحلول، لأن ترسانة القوانين السارية تعالج التطرف والعنصرية وخطاب الكراهية قضائيًا، كما في قوانين العقوبات، والاتصالات، ومنع الإرهاب، والجرائم الإلكترونية، والتي ساهمت بعض نصوصها أيضًا في التعدي على الحقوق الدستورية، علاوة على سماحها بمحاكمة المدنيين أمام محكمة أمن الدولة المثيرة للجدل. إضافة إلى أن علاج الداء الحقيقي يكون اجتماعيًا واقتصاديًا، وسياسيًا، وثقافيًا.

إصرار الحكومة وأجهزتها، على تشريع قانون ينتهك حرية الرأي والتعبير، ما هو إلا دليل خوف وقلق من الرأي المخالف، وقول الناس لكلمتها الصريحة. فمكافحة الرأي المتطرف لا تكون بقانون متطرف، يأخذ «الصالح» بجريرة «الطالح».