رولا قواس: صانعة الحب «دون خوف أو قيد»

الأحد 30 تموز 2017
الصورة من موقع hybrismedia.com وأعيد استخدامها بإذن منه

«أن تكون ما أنت عليه، وأن تصبح ما تستطيع أن تكونه، هي غاية الحياة الوحيدة».1

«في كل مجتمع، هنالك عمل يجب إتمامه.
في كل أمة، هنالك جراح يجب أن تبرأ.
في كل قلب، هنالك القوة التي تستطيع فعل ذلك».2

بهذه الاقتباسات المُحفّزة على تحقيق الذات وحب الآخر، كانت الأستاذة رولا قواس تُذيّل رسائلها الإلكترونية. لم تكن قواس كأي أكاديمية حصلت على الدكتوراة وانخرطت في التعليم الجامعي، بل كانت مفكرة فذّة ومعلمة وشخصية مؤثرة وصاحبة مشروع إنساني كبير. كتبت لي قواس في رسالة نصيّة قبل فترة قريبة من رحيلها:  «Inspire, and be inspired»  لتذكّرني بأن الإلهام مولّدٌ للإبداع والعزيمة. كما كانت تحدّثنا دائمًا بلغة أدبية جميلة مفعمة بالإيجابية والحب، لإدراكها أن طاقة الحب هي المحرك الأقوى في هذا العالم. 

«كيف للطالب أن يصل إلى هذا العمق دون توجيهه إلى تلك الأعمال الأدبية؟»

عَرفتُ الأستاذة الدكتورة رولا قواس كمدرّسة لمادة النسوية وكعضو في اللجنة التي ناقشت رسالتي في مرحلة الدكتوراة، ثم تواصلت معها كزميلة وصديقة، فكنت محظوظة بأن أتيحت لي الفرصة لأنهل من علمها وأستمع إلى بعض تجاربها والتحديات التي تخطتها.  فقواس الحاصلة على الدكتوراة في الأدب الأمريكي من جامعة نورث تكساس في أمريكا عام 1995، هي أول من أدخل مساق النسوية إلى قسم اللغة الإنجليزية وآدابها في الجامعة الأردنية برغم الصعوبات التي واجهتها حينئذ، بل وظلت تواجهها بسبب معاداة المجتمع للنسوية والفهم الخاطئ لمبادئها وأسباب نشوئها.أخبرتني ذات يوم كم كان طريقها شاقًا عندما بدأت العمل في الجامعة الأردنية، وقررت تدريس بعض الأعمال الأدبية التي لم تكن مطروحة للنقاش حينئذ إذ أنها تتناول جوانب نفسية من حياة المرأة تُلقي الضوء على مأزقها الاجتماعي. ومثال على تلك الأعمال رواية «اليقظة» لكايت شوبن، وهي من الروايات المفضلة لدى قواس، وتروي قصة تلك الأم التي قررت الانعتاق من قيود مجتمعها وماتت منتحرةً بعد أن أغرقَت نفسها. بالرغم من أن طرح تلك الرواية كان مفاجئًا في البداية، صار اسم «إدنا»، بطلة الرواية، معروفًا لدى طلاب اللغة الانجليزية في الجامعة الأردنية ويذكّرهم بالدكتورة رولا ومادة الأدب الأمريكي. قوّاس أخبرتني أن طاقة الحب التي امتلكتها خلقت لديها القوة للاستمرار في تعريف طلابها على هذه الروايات لإيمانها بأن الأدب يمكنه تغيير العالم لأنه يحفز الإنسان على التفكير وسبر غياهب النفس البشرية. «كيف للطالب أن يصل إلى هذا العمق دون توجيهه إلى تلك الأعمال الأدبية؟» تساءلت قواس في لقاء لي في مكتبها، وأخذت توضح أهمية دورنا كأكاديميين في تغيير العقلية المبنية على الحفظ وتكرار الأفكار الموجودة، والعمل بدلاً من ذلك على بناء عقل يحلل ويفكر وينتقد.

عَرَفَت رولا قواس الناشطة اجتماعيًا حقوقها كأكاديمية مما مكّنها من الاستمرار رغم المكائد التي حاكها البعض ممن كرهوا تغيير المجتمع، وفضلوا الاستمرار بتجهيل المرأة لتسهُل السيطرة عليها. فكافحت قواس من أجل الفيلم الذي أنتجته طالباتها «هذه خصوصيتي» عام 2012 والذي هوجم من قبل الكثيرين بمن فيهم أكاديميون. ودافعت قواس حينذاك عن حريتها الأكاديمية المصانة قانونيًا باختيار المادة الأكاديمية الملائمة، وفي سياق هذا الحدث، قالت قواس في إحدى المقابلات أنها تقرأ أكثر من ثلاثين رواية لتقرر على أي منها سيقع الاختيار أخيرًا ، مما يوحي بمدى تفانيها في عملها.

نشَرَت قواس العديد من المقالات والكتب في الأدب الأمريكي والنسوية، .ومنها مقال «الانتهاك والتمرد الفردي: إدنا بونتيلر، حياة من الالتزام بالخدمة في رواية كايت شوبن (اليقظة)»، والمنشور في مجلة دراسات عام 2009.  كما شاركت في تأليف العديد من الكتب الجامعية ومنها كتاب مهارات الاتصال باللغة الإنجليزية الذي يُدَرّس في الجامعة الأردنية. كما عملت في مجالس تحرير العديد من المجلات المحكمة، وكانت عضوًا فاعلًا في لجان تعنى بتطوير وضع المرأة، حيث قامت بإنشاء مركز دراسات المرأة في الجامعة الأردنية وترأسته لمدة عامين من ٢٠٠٦ ولغاية ٢٠٠٨، ووحدة الإنتاج المعرفي في اللجنة الأردنية الوطنية لشؤون المرأة، كما حصلت على العديد من الجوائز المحلية والعالمية.

تجلى حلم قواس بالأخذ بيد المرأة العربية لتحقيق ذاتها وتعزيز حضورها الاجتماعي والسياسي والإنساني وتوعيتها تجاه قضاياها. ولطالما سعت إلى هذا الهدف بطرق فاعلة وغير تقليدية، فظلت تلتقي النساء في المناطق الأقل حظًا وتستمع لهمومهن وتطرح التحديات التي يواجهنها؛ فبالنسبة لها لم تكن النسوية يومًا للنخبة، بل آمنت إيمانًا عميقًا بأن لكل امرأة مهما كان وضعها الاجتماعي أو دينها أو عرقها حقوقًا عليها أن تعيها، و أن لها صوتًا على العالم أن يسمعه.

أفكارها المبتكرة برزت من خلال أعمالها، ومنها كتاب «The Voice of Being Enough: Young Jordanian Women Break Through Without Breaking Down» الصادر عام 2016، والذي أعطت فيه قواس مساحة لنساء أردنيات للحديث عن تجاربهن كنساء في مجتمع ما زال أمامه طريق طويل للاعتراف بالتكافؤ بين الجنسين والتخلص من رواسب المغالطات التي قامت عليها العلاقة بين الرجل والمرأة لفترة طويلة. وهكذا كانت كل النساء اللاتي تمت مقابلتهن كاتبةً تسرد لنا قصتها من وجهة نظرها هي، لا من وجهة نظر الآخر الذي يدّعي قدرته على تمثيلها.  أيضًا، عملت قواس على تحرير كتابها الأخير الذي نُشر إلكترونيًا مؤخرًا، ومن المتوقع صدوره ورقيًا في أيلول الحالي،  ويحمل عنوان: «Bad Girls of the Arab World» مع ناديا يعقوب، حيث يتناول الكتاب تجارب العديد من النساء العربيات على اختلاف أطيافهن،  ويعكس معاناة المرأة الناتجة عن سيطرة السلطات على دورها الجندري في القرن العشرين. ويتبع تلك القصص المُلهِمة مقالات فكرية كتبتها الروائيتان ليلى الأطرش وميرال الطحاوي عن مواضيع اجتماعية وفلسفية ذات علاقة بقضايا المرأة.

كانت تذكرنا قبل كل ورقة بحثية بأن نكتب آراءنا دون خوف، لأن الاختلاف يضفي جمالًا إلى عالمٍ صار الاختلاف فيه مصدرًا للعنف والتفرقة.

ربما لا يتسع أي فضاء للحديث عن فضائل قواس، ولكنني أذكر مثلًا كيف كانت تختار محتوى الخطة الأكاديمية بحيث تلائم رسالتها الإنسانية، وتنمي مهارات التفكير والنقد لدى الطلاب؛ فلم تستخدم يومًا نمط الامتحان التقليدي بل كانت تحث الطلبة على الكتابة والبحث والقيام بالمشاريع المختلفة. كذلك واكبت كل ما هو حديث وملائم للمادة الأكاديمية وطرحته في محاضرتها التي كانت قائمة على الحوار لا على التلقين.  تَعلّمنا منها أن علينا أن نعبر عن أنفسنا دون قيود، فكانت تذكرنا قبل كل ورقة بحثية بأن نكتب آراءنا دون خوف، لأن الاختلاف يضفي جمالًا إلى عالمٍ صار الاختلاف فيه مصدرًا للعنف والتفرقة. هكذا  عكست قواس الشخصية التي يجب أن يكون عليها الأكاديمي، فجمعت بين العلم الغزير والعطاء والإخلاص  في العمل إلى جانب التواضع، وبقيت قريبة من طلابها تستمع إليهم وتحفزهم، كما أنها مثال الإنسانة الراقية التي تترك الأثر الجميل في القلوب. لن أنسى مثلًا حين طلبت من كل الطلبة في نهاية الفصل الدراسي الوقوف في حلقة وذكّرتنا بأن الإيمان بالذات وحب النفس دون إسراف هو خير ما يقوم به المرء لنفسه ولمجتمعه.

ها هي رولا قواس تودعنا، ولا زال حلمها يحلّق في قلب كل امرأة عربية تعتد بنفسها وتؤمن بكامل إنسانيتها وحريتها.  بعد رحيلها المفجع، سيمُر هذا الضوء المنبعث من شعلة أوقدتها امرأة نَفتخر بإنسانيتها، ليعانق الجميع، ويُكوّن أطيافًا تنسجم في مشهد خلاب تأملت قواس أن تراه في مجتمعاتنا، وهي موقنة تمامًا أن هذه الأوركسترا الاجتماعية لن تتجانس دون تمكين المرأة، لذا كان إهداؤها في كتابها الأخير بمثابة نداء وأمنية وحلم ربما يكون حقيقةً يومًا ما:

«إلى كل نساء العالم: فليكبرن ويترعرعن دون خوف أو قيد».


روبرت لويس ستيفنسون

مريان ويليامسون