من «الفوضى» إلى «التقييد»: مواقع «الرصد الجوي» تلحق بالمواقع الإخبارية

الخميس 10 آذار 2016
طقس

محمد زهدي

إلى بضعة سنوات خلت، لم تكن أخبار الطقس تثير كل هذا الاهتمام والمتابعة، وكانت «النشرة الجوية» التي يبثها التلفزيون الأردني بعد نشرة أخبار الثامنة، وتعتمد على مصدر واحد هو «دائرة الأرصاد الجوية»، تمر بدون ضجيج وكثير انتباه.

لكن هذا الوضع بدأ يتغير منذ العام 2007، أو منذ بدأ موقع «عمون» بتقديم «الهاوي محمد الشاكر ليصبح مصدرًا لمعرفة أحوال الطقس» بحسب تقرير لوكالة «بترا». لكن الشاكر لن يبقى «هاويًا» ولن يبقى وحيدا لفترة طويلة، إذ سيؤسس موقعًا للطقس سيحقق شعبية كبيرة بين الجمهور استنادا إما إلى «دقة» بعض توقعاته أو إلى الطريقة الجديدة في تقديم النشرة الجوية، وهذه الشعبية سوف تشجع رجال أعمال رواد على الاستثمار في موقع «الشاكر» ليتحول إلى شركة إقليمية توظف عددا من الشباب، وتعنى بطقس المنطقة.

ويبدو أن هذا النجاح دفع عددًا غير معروف من الشبان إلى إطلاق مواقع «رصد جوي»، أو الاكتفاء بصفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وخاصة فيسبوك، وباتوا يطلقون على أنفسهم صفات «متنبئ جوي» أو «راصد جوي».

بفضل شبكة الإنترنت، والتطورات التي شهدتها الشبكة اعتبارًا منذ عام 2006، شهدنا تغيرات عميقة وربما جذرية في عدة جوانب من الحياة، ومنها صفات الكثير من المهن. فكما أدت هذه التغيرات إلى تحول عميق في مهنة الصحافة، وإلى انفجار أو انتشار المواقع الإلكترونية الإخبارية، أدت إلى انتشار في مواقع الرصد الجوي، ولم تعد مهنة الراصد الجوي حكرًا على فئة معينة من الناس. وصار بإمكان أي فرد يتمتع ببعض المواصفات أن يشترك بمواقع رصد عالمية أو يقوم بترجمة ما تنشره هذه المواقع ليتحول إلى «راصد».

وعلى أي حال، فإن هذه الظاهرة ليست محصورة في الأردن، بل أصبحت عالمية، ومؤخرًا وخلال العاصفة الثلجية التي شهدتها الولايات المتحدة، شنّت مؤسسات الرصد الجوي التقليدية والصحافة حملة انتقادات على «راصدي شبكات التواصل»، مستخدمة نفس الحجج والمفردات التي تستخدم عندنا من قِبل منتقدي ظاهرة «الراصد الجوي الجديد» أو «راصد شبكات التواصل» أو «المواطن الراصد» على غرار «المواطن الصحفي».

فعلى ضوء عدم دقة أو تشوّش وتضارب توقعات هؤلاء الراصدين للمنخفض الجوي الأخير، وعدم تطابق هذه التوقعات والحالة الجوية، بدأت جهات وشخصيات رسمية ووسائل إعلام ما يشبه «حملة إعلامية» ضد ما بات يوصف بـ«فوضى التنبؤات الجوية»، وهذا التعبير استخدم كعنوان موحّد لعدد من التقارير والمقالات، منها على سبيل المثال: مقال على موقع «جراسا» بعنوان «فوضى التنبؤات الجوية»، ومقال آخر على صحيفة «الدستور» بنفس العنوان، وتقرير على صحيفة «الغد» بعنوان: «فوضى التنبؤات الجوية»: إرباك للمواطنين والمؤسسات العامة»، وتقرير على موقع «عمان1» بعنوان: «فوضى التنبؤات الجوية بالأردن .. إرتباك لحالة الطقس والناس»، وعلى صحيفة «الرأي»: «التنبؤ الجوي من خدمة المواطن إلى الإرباك والفوضى»، وهي العبارات والمفردات التي سبق أن استخدمت لوصف «فوضى» المواقع الإخبارية الإلكترونية.

ساهمت وسائل إعلام عدة في تبني لغة ومفردات الراصدين الجدد، التي غالبًا ما تحاول إضفاء الإثارة إلى نشراتهم الجوية.

وواقع الأمر أن الصحافة أو بعض وسائل الإعلام، تتحمل إلى حد كبير مسؤولية ما تصفه الآن بـ«الفوضى»، ذلك أن وسائل إعلام مثل موقع «عمون» وقناة «رؤيا» وصحيفة «الغد» وبعض المواقع اعتمدت في تغطيتها للنشرات الجوية على مصدر واحد هو محمد الشاكر وموقعه طقس العرب دون التدقيق مع جهات أخرى مثل دائرة الأرصاد الجوية، بمعنى كان مصدر النشرة واحدًا، فيما تعدد المصادر هو ما تتبعه وسائل الإعلام العالمية حاليا مع انتشار هذه الظاهرة ومع حدة المتغيرات أو التقلبات المناخية. وبالطبع فهناك وسائل إعلام أخرى اعتمدت دائرة الأرصاد كمصدر وحيد كصحيفة «الرأي».

كما ساهمت وسائل إعلام عدة في تبني لغة ومفردات الراصدين الجدد، التي غالبًا ما تحاول إضفاء الإثارة إلى نشراتهم الجوية، مثل تسمية المنخفضات الجوية وهو تقليد جديد ليس على المنطقة وحسب بل وفي العالم أيضًا، إذ أن إعطاء المنخفضات أسماءً، أسوة بالأعاصير والعواصف الدورية، أضفى على هذه المنخفضات صفات أكثر تطرفًا أو غرابة، الأمر الذي ضاعف من اهتمام الناس بالنشرات الجوية، وحقق مبتغاه في جذب انتباه مستخدمي السوشيال ميديا بما في ذلك الفئات التي لم تكن تعنى بالأحوال الجوية سابقًا.

إذا كانت تسمية المنخفضات بأسماء بشرية، أصبح تقليدًا عالميًا جديدًا، فإن إطلاق أسماء أنثوية على هذه المنخفضات كـ«هدى» و«بشرى» وغيرها، بقي تقليدًا عند الراصدين والإعلاميين الأردنيين والفلسطينيين فقط. إذ يبدو أن الإعلام والراصدين في مناطق أخرى من العالم، مثل لبنان، عمدوا إلى تنويع التسميات، كإطلاق اسم «فلاديمير» على إحدى العواصف وذلك تجنبًا للوقوع في الصور النمطية عن المرأة التي قد تسببها التسميات الأنثوية للمنخفضات والعواصف.

من المعروف أن تسمية الأعاصير بأسماء أنثوية، كان تقليدًا بدأه عالم المناخ الأسترالي جورج كلمنت نهاية القرن التاسع عشر، وقد أطلق على الأعاصير أسماء النساء اللواتي كان يكرههن، تشبيها لهن بالأعاصير المدمرة والمتقلبة، وهو تقليد بقي حتى نهاية خمسينيات القرن الماضي عندما صار يُعتمد أسماء ذكور وإناث للأعاصير تجبنا لتنميط صورة المرأة في الإعلام.

وعلى كل فإن وسائل الإعلام مثلها مثل الراصدين الجدد، ساهمت من خلال تبني هذه التسميات والمفردات في إضفاء إثارة على أخبار المنخفضات وجذب اهتمام الناس بل وتضخيمها.

إضافة إلى هذا فقد ساهمت وسائل إعلام عديدة في تهويل التوقعات الجوية، سواء عبر تبني كل ما يقال من قبل هؤلاء الراصدين أو عبر تغطية مكثفة للاستعدادات التي تتخذها الجهات الرسمية أو المواطنون للمنخفضات الجوية، إذ باتت تغطية توقع منخفض جوي كتغطية شأن حربي.

وأخيرًا، قامت مواقع عديدة بإضفاء مزيد من الإثارة على أخبارها واعتمدت على أخبار وتوقعات ومواقع غير مؤكدة وغير موثوقة في تحرير نشرات إخبارية بعناوين لافتة مثل هذا التقرير على موقع «جراءة نيوز»: «عاصفة ثلجية عنيفة تضرب الأردن .. هي الأقوى منذ 80 عام !!»، أو مثل تقرير آخر على الموقع العربي «رأي اليوم»، بعنوان: «عاصفة ثلجية متوقعة تحبس أنفاس الأردنيين»، وكتقرير على صحيفة «السبيل» بعنوان: «تضارب التقارير حول قدوم عاصفة الثلجية «الأضخم منذ 80 عامًا».

وبالطبع فقد زاد «راصدو مواقع التواصل» من حجم توقعاتهم، وأضفوا مزيدًا من الإثارة إليها، سعيا للشهرة و«اللايكات»، وصارت توقعاتهم تتداول بشكل كثيف من قبل مستخدمي الشبكات، وتحولت في غضون ساعات إلى «ترندات» على «توتير» و«فيسبوك».

النشرة الجوية في التلفزيون

تُظهِر المقارنة بين تقديم النشرة الجوية لدى التلفزيون الرسمي من جهة، والفضائيات والمواقع الإلكترونية الخاصة من جهة أخرى، المدى الذي وصل إليه التنافس في استقطاب أو حتى خلق جمهور لنشرة ما كانت تحظى سابقا بما تحظى به اليوم.

محمد الشاكر يتحدث عن منخفض«رأس السنة» في 30-12-2015

عند النظر إلى طريقة تقديم «الراصدين الجدد» للنشرات الجوية، سنشاهد لغة جديدة حافلة بالإثارة، من خلال التهويل وإثارة الفضول وربما أحيانا إثارة مخاوف الجمهور من الحالة الجوية. إلى ذلك، فإن النشرة الجوية التي ما كانت تتعدى الدقيقة صارت اليوم أكثر طولا، وتمتد أحيانًا على مدار النهار من خلال عرض الأحوال الجوية في المدن الأردنية ساعة بساعة.

وفيما كان المواطن الأردني لا يكاد يعرف أسماء مقدمي النشرات الجوية سابقا، صنع الإعلام، كعادته مع شؤون الحياة الأخرى، من الراصدين الجويين «نجومًا» لامعة تنافس أحيانًا نجوم الغناء.

الجديد الذي قدمه «الراصدون الجدد» في طريقة إعداد وتقديم النشرات، دفع التلفزيون الرسمي إلى محاولة المنافسة من خلال «تنويع» مقدمي النشرات وإدخال العنصر النسائي أو الشبابي في تقديم النشرة، على غرار فضائيات لبنانية أو عالمية يتم فيها الاعتماد على نساء «جميلات» في تقديم النشرات ليس لهن علاقة بالمهنة، إنما يقتصر دورهن على قراءة المعروض أمامهن.

النشرة الجوية في نشرة أخبار التلفزيون الأردني 30-12-2015

وهكذا يبدو أن ما استجد على طريقة عرض النشرات الجوية، خلق الطلب على مشاهدة وأحيانا الاهتمام المفرط بها.

وأمام حالة «الفوضى» و«الإرباك» هذه، بحسب وصف الصحافة لها، سارعت الحكومة إلى سن مشروع قانون «ينظم» عملية الأرصاد الجوية، على غرار التشريع الذي «نظّم» عمل المواقع الإخبارية الإلكترونية، مستفيدة من الحملة الإعلامية ومن استياء الجمهور من التوقعات الجوية التي خيبت آمالهم.

لكن بعيدًا عن القانون ومدى قدرته على ضبط هذه الظاهرة ومدى ضرورته، يبقى أن على الصحافة المحلية أن تجد أسلوبها الخاص في تغطية عملية الرصد الجوي، على غرار ما تفعله الآن وسائل إعلام عالمية، وقد يكون من المفيد مثلا أن تبدأ وسائل الإعلام بالتعامل جديا مع النشرة الجوية من خلال إعداد نشرة متكاملة متعددة المصادر مصاغة بلغة علمية موضوعية بعيدة عن اليقينيات والجزم والإثارة وعدم الإكتفاء بقص ولصق ما ينشر أو ما يصدر عن جهات الرصد.