ماذا لو صرنا نباتيين؟

الأحد 02 كانون الأول 2018
الصورة لجيتي إميجيز

تشهد مدينة فاس اليوم، الثاني من كانون الأول/ديسمبر، النسخة المغربية الأولى من المهرجان النباتي العالمي (vegfest)، والذي ينظم عادة في المملكة المتحدة، وهذه النسخة المغربية هي أول نسخة من المهرجان تشهدها منطقة شمال أفريقيا. من الفعاليات التي يضمها المهرجان: محاضرات حول كيفية إعداد أطعمة نباتية، وعروض لمنتجات نباتية. 

يمكن اعتبار هذا النوع من المهرجانات وسيلة للترويج والدعاية لهذا النظام الغذائي، وتستند الدعاية له على أنه نظام صحي وخالٍ من القسوة التي تصاحب نظامًا غذائيًا متصالحًا مع تناول اللحوم. لكن ما مدى صحة هذه الدعاية؟

تشير دراسة صادرة عن المكتبة الأمريكية العامة للعلوم أن النباتيين يضرون البيئة أكثر من آكلي اللحوم، عن طريق هدرهم، في الولايات المتحدة على الأقل، كميات كبيرة من الخضروات والفواكه التي يتم شراؤها ومن ثم إتلافها بسبب التأخر في تناولها.

إلى جانب الحجج التقليدية في النقاش بين النباتيين وآكلي اللحوم المتعلّقة بأي النظامين أكثر صحية وأيهما أرحم بالحيوانات، هناك حجج تستحق التأمل أثارها مقال نشره موقع كوارتز يناقش طرح الأمريكية سارة تابر وهي عالمة زراعية ومستشارة في مجال تربية الأحياء المائية وسلامة الأغذية الدفيئة (المسببة للاحتباس الحراري).

النظام النباتي الاستعماري

تشير تابر في طرحها إلى أن العديد من الحضارات القديمة، ومن بينها أوروبا، قد قامت على أنظمة غذائية فيها القليل جدًا من اللحوم، أو حتى من دونها، لكن الأمر المشترك بين تلك الحضارات هو امتلاكها مصادر مائية كبيرة. وبناء على هذا تقول تابر أن النظرة المتفائلة للنظام الغذائي النباتي نابعة من منظور متمحور حول أوروبا، فهي رؤية مناسبة للأراضي الزراعية المحدودة في أوروبا والمياه الفائضة نسبيًا والتقدم التكنولوجي الذي يسمح بزيادة إنتاجية الأراضي للمحاصيل الغذائية (الحبوب) مقابل تقليل المساحات الشاسعة من الأراضي المناسبة لرعي الأبقار.

وهذا المنظور الأوروبي يتجاهل وضع شعوب أخرى ملكت نظامًا غذائيًا مختلفًا، ويتكون في معظمه أو حتى كله من اللحوم، مثل البدو والمغول وشعب الماساي والإسكيمو وغيرهم. فهي شعوب أراضيها ومناخاتها جافة جدًا أو باردة جدًا، والنباتات التي تنمو هناك ضئيلة جدًا وقاسية على معدة الإنسان أو قد لا توجد نباتات على الإطلاق. وفرض أو ترويج مثل هذه الثقافة النباتية في هذه البلدان يفتح الباب لفكرة الاستهلاك الذي يصب في مصلحة أوروبا لترويج بضائعها داخليًا وخارجيًا.

أما بالنسبة لوحشية عمليات ذبح الحيوانات، فإنه لولا وجود حيوانات مثل الأبقار والماعز والثيران في المناطق الصحراوية وغيرها من المناطق المتمتعة بمناخ قاسٍ، لمات الناس جوعًا. فهم حافظوا على بقائهم وشيدوا حضارات ومجتمعات عبر الاستناد على الحيوانات التي يمكنها هضم النباتات القاسية التي تنمو في هذه المناطق. وهذا يظهر بوضوح مع شعوب جبال الهملايا، فهم لا يستطيعون أكل ما يخرج من أرض الجبل عكس حيواناتهم التي مدتهم بالغذاء من لحم ولبن.

لهذا تنظر تابر إلى الفكر المروج إلى أن النظام الغذائي المنخفض/ الخالي من اللحوم باعتباره الطريقة الوحيدة الصحيحة للغذاء خطابًا فيه شيء من بقايا الاستعمار، حيث أن هذا الخطاب يرتكز على وجود طريقة زراعة جيدة في شمال غرب أوروبا، وبالتالي ضرورة تعميمها على مستوى العالم ومحاولة تطبيقها في الأماكن التي لا تناسبها بتاتًا.

ماذا لو تحوّل كل البشر إلى النباتية؟

لمعرفة أضرار الترويج للنظام النباتي على أنه النظام الواجب اتباعه اليوم، فلنتخيل تحول كل البشر إلى نباتيين ونحاول استكشاف ما يعنيه هذا.

من بين الأضرار المباشرة التي ستحصل لو استيقظنا صباحًا وقرّرنا الانتقال إلى النظام النباتي أن الجزارين سيفقدون وظائفهم، كما ستتوقف مصانع اللحوم وسنشهد بطالة أكبر. بطالة سيدفع ثمنها العمال، وبالتالي سنشهد زيادة في معدلات الفقر وتدهور صحة العمال وعائلاتهم نتيجة فقدانهم لوظائفهم ولدخولهم. كما ستواجه المجتمعات الريفية التي اعتادت على أن تزود المدن بالحليب والبيض واللحوم مشكلة بطالة كبيرة. كما ستواجه الدول النامية كارثة اقتصادية، وسيعاني قرابة الملياري إنسان فيها من نقص حاد في الغذاء.

أخيرًا

لا يعني طرح رأي باتر، وتدعيمه بآراء اقتصادية أخرى الهجوم على النظام النباتي وشيطنته، فالنظام النباتي له العديد من المزايا، ومن بينها الجانب الصحي، حيث ترى دراسات أن النظام النباتي يصحبه عادة مستوى كوليسترول أكثر صحية، ووزنًا أقل، وتقل معه احتمالات الإصابة بالسرطان. 

ومع أن كل المعطيات التي تشير إلى صحة تبني مثل هذا النظام الغذائي على المستوى الفردي، وهو نظام سبق أن اتبعه مثقفون كبار مثل أبو العلاء المعري وغاندي وتولستوي وغيرهم، إلّا أن قرار الامتناع عن تعاطي اللحوم يظل قرارًا شخصيًا تعمل كل بيئة اجتماعية بما تملك من إمكانيات اقتصادية في النهاية بتشكيله، وهذا ما يجعل باتر ومن يفكر مثلها من زوايا مختلفة يشير إلى أن أي محاولة للتبشير بنظام غذائي نباتي عالمي قد تفشل، لذا تعد محاولة طرح آراء بديلة مهمة من أجل إعادة صياغة التوجه النباتي بشكل مقبول وعملي، ومقاومة تحوله إلى موضة استهلاكية يستغلها البعض للتسويق لأغذية بأسعار مضاعفة.