تدوينة

ترينسبوتنج: ما حاجتنا للهيروين ما دمنا عربًا؟

الخميس 23 تشرين الثاني 2017

ترجمة عمر فارس

ملاحظة المترجم: عنوان التدوينة أخذ من عنوان فيلم مبني على رواية إرفاين ويلش التي تحمل الاسم نفسه، إنتاج بريطاني عام 1996. والجزء الثاني من العنوان هو تغيير لاقتباس من الفيلم يرد على لسان البطل: «من يحتاج تفسيرات في ظل وجود الهيروين؟». ربما يمكن الحديث عن الفيلم، باختصار مُخلّ، أنه يحاول تبيان أن حياة المرء هي ليست سوى  سلسلة من الإدمانات: كحول، جنس، تدخين، رياضة، نجاح في العمل وبالامتثال للصورة المرسومة لحياتك من قبل المجتمع، السعي وراء «الحياة الطبيعية»، وغيرها. ليس فقط الإدمان على ما ارتبطتْ به تلك الكلمة: المخدّرات.

ــــــــــــــــــــــــــ

كان أبو شريك (كاتب هذه التدوينة) ينتظر دخول المعلّم التالي عندما سمع طنينًا غريبًا في الصف من حيث لا يدري. في ذلك الوقت، العديد من الناس كانوا يحملون راديوهات نقّالة أينما ذهبوا. لحظة أنْ أكّد معلِّمٌ بديل الخبر، خرج أبو شريك راكضًا. اقتحمَ بوّابة المدرسة نحو الشارع. كلُّ ما شغلَ عقله لحظتها ومضاتٌ من الأحلام الاعتيادية لفتىً في الثانية عشرة من عمره: النصر، الوحدة العربية، اندحار شيوخ النفط، وتحرير فلسطين. اقتحمَ بوابة مدرسة البنات نحو الممرات الزرقاء. مسح العيون الرقراقة، دخل غرفة الصف، وبنبرةٍ حِداديّة، أعلن: «انسحب صدّام من الكويت». أمه، التي لم تستلطف مقاطعة حصّتها، وبَّختْه برفقٍ لمغادرة مدرسته وأمرَتْه بالعودة حالًا إلى الصف.

قيل لأبو شريك، لاحقًا، أن دوره في هذه المرحلة هو التمسّك بدورِهِ: طالب مدرسة. «التعليم مهم جدًا». «التعليم هو السلاح الذي سيمكّننا من الظفر بالمعارك الأهم». «هُزمنا بسبب الجهل». وكل تلك الكليشيهات التي تُستخدم عادةً لتحفيز طالب في الصف السابع لحفظ قصيدة من ثلاثين بيتًا.

بعدها، ستمرّ سنين كثيرة قبل أن يختبر شعورًا مماثلًا. بينما كان لا يزال يلبّي واجباته ويصبّ تركيزه على تعليمه (الذي يبدو لا نهائيًا)، أُثيرتْ مجدّدًا مشاعر الغضب والعجز واليأس [لديه] عند اغتيال أبو علي مصطفى، الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. لم يصدّق أبو شريك إمكانية اغتيال زعيم حركة ثورية رائدة كتلك التي كانت تُنزل الرعب في قلوب الأعداء، بكل هدوء وبلا مجهود يُذكر. بعد مضيّ عشر سنوات، ظل يتلقى الأجوبة نفسها: «انتقمْ له بالتعليم». «انتبهْ لمدرستك حتى تصبح بوضعٍ أفضل للمساهمة». «هل رأيت مدى دقة الصاروخ؟ إنه نتاج العقول المتعلّمة».

وأخيرًا، وضمن فترة انتقالية أخرى، يُعملُ أبو شريك تفكيره بإعادة ترتيب الأولويات. يعاين الخيارات «العملية» للمستقبل القريب، ويجدها محدودةً: آمال بدخل ثابت، منزل وسيارة. عفش وعطلة. مهنة ومساهمة في مجال العمل. ربما حتى زوجة ناقمة جميلة، وثلاثة أولاد مميزين وعاقّين!

حالما بدأتَ بتحصيل أي من تلك الأشياء يصير الأمر مختلفًا وكلفة المخاطرة أكبر. سيكون مفهومًا ضمنيًّا أن الوقت قد حان «لضخّ المال» في هذا الاستثمار والحفاظ على «المكتسبات». تصير «مرتبطًا بأشياء لستَ مستعدًّا للتخلي عنها في غضون ثلاثين ثانية إن شعرتَ بخطرٍ مُحدق».

يصير الأمر سعيًا وراء حلمٍ «مُستعار» (ليس لك ولا ينبغي أن يكون كذلك)، [سعيٌ] يهمل مدى سخافة ذلك الحلم مقارنة بالتحدي الحقيقي. سعي لا نهائي وراء القبول من أشخاصٍ مدَّعين بشكل بائس، ومنعزلين بنفس القَدْر. سعي لا نهائي وراء معايير «نجاح» مفروضة اجتماعيًا. ينتهي الأمر بالتعليم ليصير أداة تخوّلك للانخراط بالسيستم المعوجّ، لا أداةً لتدوسه وتتجاوزه.

لكن، ما هو البديل لعناء أبديّ لا ينتج أكثر من التقدير الذاتي ورموز المكانة الاجتماعية؟

الحل: تغيير جمعيّ لمعايير «الإنجاز»، أن نفهم أن مشاكل شعبنا تذهب أبعد بكثير من إحساس الفرد بالتقدير الذاتي والرضا عن النفس. سواء نظرنا إلى جامعي الثروة (الأوغاد في أعلى الهرم الاجتماعي)، أو العاملين المخلصين في المجالات المهنية أو العمّالية (مع شكواهم التي لا تنتهي) أو للعلماء المتميّزين (الذين عادةً ما يكتفون بنمط حياة أقل تحديًا خارج البلاد)، يبدو من الواضح أن النسخة الغربية من النجاح المادي (ليس بالضرورة أن يقوده المال) لا تساهم في نهضة المجتمعات العربية. بل، على العكس، إنها تصير جزءًا مهمًّا من الوضع الراهن. سلوك جمعي يتبجّح [بالقول]: «إنني محظوظ لأنني عربي. على الأقل، أعرف أن عندي هدفًا محددًا للحياة ومغزىً لها» بدلًا من: «لقد عملتُ بجدّ من أجل ذلك، إنني أستحق حياة «طبيعية»».

دون الخوض في تفسيرات فلسفية عقيمة للحياة، والسعادة والرضا، يجب أن يكون هناك شيء أكثر استحقاقًا لنؤمن به. لا بد من وجود أمر متفق أكثر مع أحلام الطفولة. لا بد من وجود أمر خارج الترقّب اللاعقلاني لتجاوز قطار الحضارة لنا. أمرٌ، على الصعيد الجماعي، أهم من كتاب منشور، أو درجة جامعية أو حتى NGO. (لا داعي لذِكر إعجاب العقول السطحية بمنتجات استهلاكية تافهة).

آثر أبو شريك، بمثالية، القضية الأكبر. لكنّ أبو شريك، أيضًا، واقعي وبراجماتي، ولا مبالي (Apathist). طالما من الواضح أن كل تلك الخيارات [سابقة الذكر] مستبعَدَة، وطالما أن تبنّي عادة تعاطي المخدرات غير مجدٍ ماديًا ويحمل بعض «المخاطر» (ولو أن خطورتها لا تضاهي خطورة تحدي السيستم)، فهو يأمل فقط ألا ينتهي به الحال متطلعًا لـ: «الوظيفة، العائلة، التلفاز الكبير، الغسّالة، السيارة، محرّك السيديّات، فتاحّة العلب الآلية، الصحة الجيدة، [معدل] الكولسترول المنخفض، تأمين الأسنان، الرهن عقاري، أول منزل، ملابس مريحة، أمتعة، طقم كنبايات، الاعتماد على النفس (DIY)، برامج مسابقات، وجبات سريعة، أطفال، مشاوير في الحديقة، [العمل] من التاسعة إلى الخامسة، [أن تكون] بارعا في الغولف، غَسْل السيارة، اختيار إحدى السترات، كريسماس مع العائلة، معاشٌ متزايد، إعفاء ضريبيّ، تنظيف البلاعات، [أن] تنجو، [أن] تتطلّع للمستقبل، إلى يوم موتك».

«ليتني أعلم ما دخلت [هذه الحياة] من أجله، لكنّه ليس كلّ ذلك».