رأي

لماذا احتفى الكثيرون بـ«المجرم/البطل»؟

الخميس 25 كانون الثاني 2018

سيطرت عمليتا السطو المسلح اللتان حدثتا هذا الأسبوع على جزء كبير من النقاش العام بين الأردنيين على تنوعهم. لم يدم فرار المشتبه به في عملية السطو الأول على أحد فروع بنك الاتحاد في عبدون أكثر من ساعة، إلا أن الأجهزة الأمنية لم تلقِ القبض على أي مشتبه به في العملية الثانية التي لحقتها بعد يومين في بنك سوسيته جنرال في الوحدات (حتى لحظة كتابة هذا السطور). ليس ذلك التفاعل مفاجئًا، فحدث مثل هذا سيجلب بالتأكيد نقاشًا واسعًا، سواء في الدوائر الرسمية، أم في جلسات الشدّة أو فناجين القهوة على البرندة، ومن المتوقع تمامًا أن يسود الترقب مشهدًا كهذا على المستوى الشعبي. لكن ما بدا واضحًا في الأيام الأخيرة هو أن هذا الترقب لم يكن مدفوعًا بالخوف بل بشيء يشبه النشوة.

بالطبع، يحدث بعد أي جريمة ما أن يشعر الناس بشيء من القلق. فالقانون يكون في أفضل أحواله حين يكون منسيًا في الخلفية، ولا يعود للواجهة إلا حين يُخرق. وحين يحدث ذلك، من الطبيعي أن تخرج أسئلة أو استنكارات تشكك بمتانة الأمن وتطالب بكفاءة أفضل، أو تدعو للتعاون من أجل استعادة تلك المتانة في أسرع وقت، حتى يعود القانون منسيًا مرة أخرى. حدث ذلك بدرجة ما خلال الأسبوع الحالي. لكن ما من شك في أن الجزء الأكبر من المتفاعلين مع العمليتين وضع نفسه في صف السارق، ولو بشكل غير مباشر.

كان هذا التعاطف الشعبي واضحًا للحد الذي استدعى استنكار الأجهزة الأمنية له والتهديد بأن «إظهار المجرم كبطل» في المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي يعد تحريضًا على الجريمة سترصده الأجهزة الأمنية «وسيتم اتخاذ إجراء قانوني ضده». بل أن خرق القانون نفسه كان مبررًا في هذا الإطار، فالمشتبه به أصبح مدانًا قبل المحاكمة ونشرت صورته واسمه الكامل «لتكون رادعًا لمن تسول له نفسه بالتفكير بارتكاب جريمة السطو» -ردعٌ لم يدم ٢٤ ساعة قبل أن تحدث السرقة الثانية- وأحيل لمحكمة أمن الدولة، دون أن نعرف كيف تم تكييف هذه الجريمة بوصفها خاضعة لصلاحيات هذه المحكمة الخاصة بدلًا من القضاء النظامي.

كيف إذن نفهم هذا التعاطف؟

أثارت أخبار العمليتين تعليقات تبرر السرقة بوصفها نتيجة للإفقار الممنهج الذي تعرضت له شرائح في المجتمع الأردني في السنوات الأخيرة. بدا خرق القانون للكثيرين امتدادًا طبيعيًا لقرارات اقتصادية اتُخذت في السنتين الأخيرتين، على رأسها رفع الضرائب غير المباشرة (كضريبة المبيعات التي تؤثر على الأقل دخلًا أكثر من غيرهم كونها تشكل نسبة أكبر من مداخيلهم)، وإلغاء الدعم عن الخبز ومواد أساسية أخرى، ثم توجيه الدعم «لمستحقيه» عبر آلية ما زالت كفاءتها مثار شك. كما أن الدفاع عن السارقَين كان مقرونًا في الكثير من ردود الفعل بهجوم على الفاسدين بوصفهم «اللصوص الحقيقيين». حتى التعليقات التي كانت واضحة في تجريمها للسرقة، ألقت مسؤولية هذا «الانحدار الأخلاقي» على السلطة التي دفعت الناس إلى هذا الحد، وليس على السارقين أنفسهم. وحين لام الناس المشتبه به في سطو بنك الاتحاد، كان ذلك بشكل أساسي تعليقًا على انعدام كفاءته اللصوصية.

بالنسبة للمتضررين من كل هذه السياسات الاقتصادية، كانت الجريمة ردًا على نفي هاني الملقي لوجود «مسخمين أردنيين»، ليس لأنه ما من فقراء في الأردن، بحسبه، بل لأن الأردنيين جميعًا يعيشون بكرامة. فالكرامة في تصوره، على ما يبدو، تنبع من الداخل ويمكن صيانتها بعزيمة صلبة تحفز أصحابها على الاستمرار في الكد وتمنعهم من اختيار «الطريق السهل»؛ طريق السرقة. يستطيع الملقي طبعًا تبني هذا التصور المثالي عن الكرامة والأخلاق بمعزل عن أي ظرف موضوعي، وبوسع الأجهزة الأمنية التلميح أو التصريح بهشاشة أخلاق من يدافعون عن السارق. لكن ما يعلمه هؤلاء المدافعون تمامًا هو أن هذه القدرة على التعالي الأخلاقي هي وليدة الأمان الاجتماعي والاقتصادي، وأنه من السهل جدًا على من هو محمي من تبعات قراراته الاقتصادية أن يرى الأخلاق خيارًا متوفرًا على الدوام.

الأمان الاقتصادي ليس عكس الفقر، بل عكس الهشاشة، أو الترقب الدائم لما هو أسوأ.

أضاءت عمليتا السطو بوضوح شديد على هذه الفجوة. هي ليست فجوة بين أغنياء وفقراء فحسب، فالأمان الاقتصادي ليس عكس الفقر، بل عكس الهشاشة، أو الترقب الدائم لما هو أسوأ. قد لا تكون النسبة الأكبر من الأردنيين في فقر مدقع، إلا أنها مهددة به، في ظل مسار اقتصادي باتت مآلاته مرئية. لعل ما يصطلح على تسميته شعبيًا براحة البال هو أفضل محدد لهذا الفجوة بين من هو مرتاح ومن هو غير مرتاح، وهذه الفئة الأخيرة في تزايد مستمر. حين نقرأ عن خلفية المشتبه به في سرقة بنك الاتحاد، في تقرير لدانة جبريل، نسمع شهادات تعبر عن صدمة واضحة. فالشاب «ما عليه اشي»، و«منيح، ما إله على المشاكل»، حتى أن وضعه المادي كان جيدًا و«مش ناقصه إشي»، وهو الذي كان يعمل بالمياومة في قسم المشتريات في أحد البنوك، «بس مخه مش مريّحه»، كما يقول شقيقه.

لعل العمل بالمياومة أوضح أشكال هذه الهشاشة وانعدام الأمان الاقتصادي، حتى وإن لم يكن المردود المالي بالضرورة ضئيلًا. وقد يُستنتَج رابط ما بين عمل المشتبه به في بنك وجريمته (إن ثبتت). لكن المهم في هذا المقام ليس التكهن بدافع السرقة في ذهن السارق بعينه، وهو ما قد لا يكون ممكنًا بأي حال، وإنما فهم تعاطف الناس معه. فالمشتبه به هنا شخص اجتماعي، يقضي وقتًا مع أصدقائه في الأسواق، يمر على محل للحلويات «من فترة لفترة بوخذله صحن كنافة»، انقطع عن التعليم ثم تنقل بين عدد كبير من الأعمال و«ما خلّا إشي يعتب عليه». إنه شخص «عادي جدًا»، وعاديّته تعني أنه كان من الممكن أن يكون «واحدًا منا». ومقابل الاغتراب الذي يشعر به الأردنيون «غير المرتاحون» أمام الآمنين اقتصادًيا واجتماعيًا الواثقين من صلابة أخلاقهم، يجدون في هذا المجرم/البطل تجسيدًا جليًا للتناقضات التي يعيشونها ولتوترهم الدائم مما سيحمله المستقبل، أو مما سيحملهم على فعله.

التعاطف الواسع مع السارقين مربوط كذلك بكونهم سطوا على بنوك بالذات. لم يسرقوا سيارة ولا بيتًا ولا بقالة ولا حتى شركة، بل سرقوا ذاك المكان الذي تولّد فيه الأموال أموالًا

من جهة أخرى، فإن التعاطف الواسع مع السارقين مربوط كذلك بكونهم سطوا على بنوك بالذات. لم يسرقوا سيارة ولا بيتًا ولا بقالة ولا حتى شركة، بل سرقوا ذاك المكان الذي تولّد فيه الأموال أموالًا، المكان الذي يكافئك على امتلاكك قدرًا وافيًا من المال بمنحك الفرصة لاقتراض المزيد منه، المكان الذي تصبح فيه الثقة بك وبالتزامك بوعودك محط شك إن لم تظهر رصيدًا كافيًا. بالطبع، اعترض البعض على ذلك أيضًا على اعتبار أن الأموال المودعة في البنوك «لها أصحاب». لكن معظم ردود الفعل فرّقت بوضوح بين سرقة البنوك وغيرها من السرقات.

لعل ذلك التفريق يمثل نتيجة معاشة للتجريد المتزايد الذي شهده القطاع المالي حول العالم منذ عقود، مع «أمولة» الاقتصاد في ظل السياسات النيوليبرالية، أي تزايد الاعتماد على القطاع المصرفي كمحرك رئيس للاقتصاد العالمي، قادر على خلق نمو متعاظم دون أن يعكس هذا النمو بالضرورة زيادة في الإنتاج. لقد أنتج «تحرير» القطاع المصرفي من الكثير من الضوابط في بعض أجزاء العالم «منطقًا دائريًا» يحكم هذا القطاع، يصبح بموجبه القطاع نفسه قادرًا على اصطناع النمو اللامحدود من خلال عمليات هندسة مالية تزداد تعقيدًا وتجريدًا لتنفصل بشكل شبه كلي عن أي منبع للقيمة على المستوى الاجتماعي. فالنقود لم تعد تستمد قيمتها من المعدن الذي تصنع منه ولا من ارتباطها بكم معين من السلع أو الخدمات التي ينتجها اقتصاد ما. هي وليدة علاقة اجتماعية بين الأطراف التي تتبادله، علاقة قائمة على الثقة بالاعتراف المتبادل بقيمة محددة للمال، تضمنها الدولة بتنظيمها للأسعار وتحكمها بالنقد (وحتى هذه الضمانة باتت محط شك مع بروز العملات الافتراضية). وإذا اهتزت هذه الثقة بين الأطراف أو الثقة في قدرة الدولة على ضمان العملية، فإن العملة تتأثر بشكل مباشر.

باختصار، في ظل التعقيد والتجريد المتزايدين في القطاع المصرفي، يصبح من المنطقي أن تبدو الأموال المودعة في البنوك أموالًا بلا أصحاب وبلا قيمة فعلية، بل أنها تكتسب قيمتها حين تُسرق وتعود لـ«الحياة الحقيقية» في شكل تغيير ملموس على نوعية حياة اللص. والنظرة للبنك بصفته مؤسسة «غريبة» يتم التعامل معها بدرجة من العدائية ليست تعبيرًا عن فجوة طبقية فحسب (فسرقة البنك تظل أقل سوءًا من سرقة فرد ثري، مثلًا)، وإنما هي أيضًا تعبير عن سحب الاعتراف بـ«قيمة» الأموال المراكمة في البنوك. بالتالي، لا تعود السرقة من البنك في هذا التصور سرقة تمامًا، ولا تستحق تبعًا لذلك الكثير من الشجب، إن لم تستحق الإشادة.

  • لا أخفي بأني احتفيت بالمُجرم/ البطل، لكن لا يُمكنني إخفاء انزعاجي من غباءه، كان يُمكن أن تكون عمليته هذه أكثر اتقانًا لو انتبه للتفاصيل. على كلٍّ تحول تعاطفي بمُرور الوقت إلى مقولة المثل الشعبي “ناب كلب بجلد خنزير” … المصارف تستحق أن يُسطى عليها أكثر من ذلك، وأعتبر أن المصارف وخصوصًا في الأردن هي وريثة المُرابين “أبناء الأفاعي” الذين تحدث عنهم السيد المسيح عليه السلام.