هل الأردن مستعد للتخلي عن القضاء العشائري؟

هل الأردن مستعد للتخلي عن القضاء العشائري؟

الثلاثاء 14 حزيران 2016

في أيار عام 2013، وقف وزير الداخلية الأسبق حسين هزاع المجالي يجيب على أسئلة الصحفيين عقب وفاة أربعة أشخاص بمشاجرة داخل جامعة الحسين بن طلال، «الجميع يحتكم للقانون. (…) سيتم جلب كلّ من خالف القانون وسيتم إيداعه للقضاء».

بموازاة حديثه عن فرض للقانون، كان المجالي يجري لقاءات في الجنوب مع الأطراف العشائرية المتنازعة باحثًا عن «العقلاء ليهدئوا النفوس»، مشيرًا بأن ذلك تزامن مع عملٍ لقوات الأمن على ضبط الأحداث ومنع قطع الطرق.

لكن «الاحتكام للقانون» بحسب المجالي لم ينهِ الأحداث المتلاحقة في تلك القضية، ولم تنهها تحقيقات الادعاء العام أو بدء المحاكمة، بل انتهت فقط في نهاية 2015 بعد توجيهات مستشارية العشائر في الديوان الملكي بإجراء تحكيم عشائري في القضية، وهو ما انعكس على القضية المنظورة أمام القضاء لاحقًا، حيث تنازل جميع الأطراف عن حقوقهم الشخصية وأغلق الملف.

هذه «الكفاءة» العشائرية في إنهاء ملفات حاولت الدولة البت فيها ومعالجتها عبر القضاء والأجهزة الأمنية تفتح الباب أمام السؤال حول الأسباب التي تدفع البعض بعيدًا عن القضاء النظامي، وحول مدى مساهمة الحكومة والديوان الملكي من عدمها في تكريس القضاء العشائري كخيار لحل النزاعات الناتجة عن جرائم، رغم وجود تساؤلات حول ضوابط عدالة المحاكمات العشائرية وآلية عملها.

لمَ الذهاب للقضاء العشائري؟

بحسب قضاة عشائريين تحدثت معهم حبر، فإن دور القضاء العشائري يبدأ بإحالة المحافظ أو الحاكم الإداري للقضية إلى القاضي العشائري، لأن الحاكم الإداري هو «الجهة المسؤولة عن تنفيذ الحكم الصادر لاحقًا»، بحسبهم.

يوضح محافظ العقبة حاكم المحاميد أنه أحال العديد من القضايا لقضاة عشائريين للنظر بها، بناء على طلب من الأطراف المتنازعة بذلك، حيث يطلب المحافظ من كل طرف اختيار قاضٍ ويختار هو قاضيًا ثالثًا، لتُشكل لجنة عشائرية للنظر في القضية، وفي بعض الأحيان تطلب الأطراف قاضيًا واحدًا.

«القضاء العشائري أسرع في التقاضي وله أحكام قوية والقضاة يتمتعون بكفاءة عالية»، يختصر المحاميد أسباب إحالته لبعض القضايا للقضاء العشائري.

في قضية شغلت الإعلام قبل عدة أشهر، حكم الشيخ أمجد الفرجات، الذي يُلجأ له في قضايا عشائرية، بقطع لسان شاب تحرش لفظيًا بفتاة في العقبة، قبل أن يتم تثمين لسان الشاب ودفع المبلغ وعقد صلح بعد ذلك.

يوضح الفرجات أن الطرفين المتخاصمين لجآ إليه للنظر في القضية بعد أن تطور الخلاف بينهما واستخدمت الأسلحة، فأصدر حكمه بقطع لسان الشاب، وهو ما تم تثمينه لاحقًا بنحو أربعين ألف دينار دفعتها عائلة المتحرش وانتهت القضية.

يوضح الفرجات بأن المشكلة نشأت في يوم خميس، أي قبل عطلة نهاية الأسبوع، «يعني حتى تلجأ العائلة للقضاء المدني كان لازم تستنى للأحد، وحتى ذلك الحين كان ممكن يصير قضايا دم وقتل وثأر، لكن لما لجأت العشيرتين للقاضي العشائري، ضبط [القاضي] الأمور».

ليست الإشكالية في الإجراءات فقط بحسب الفرجات، إنما بمضمون التشريعات الناظمة أيضًا. «يعني لو تم اللجوء للقانون كان الشاب رح ينحكم عدة أشهر وتستبدل بغرامة، وهذا شيء ما بيرضي أهل الفتاة»، يقول الفرجات، مضيفًا أن «الحكم العشائري أصدر حكمًا تأديبيًا يمنع أيًا كان أن يسلك ذات السلوك».

يسهب الشيخ طلال الماضي، الذي يُلجأ له عشائريًا في قضايا القتل، في توضيح المآخذ على التشريعات المدنية التي تجعل البعض يلجأ للعشائرية بحسبه، قائلًا: «القضاء المدني يستمد نصوصه من المشرع الفرنسي والمصري والبريطاني، هذه بنية قوانينا ودساتيرنا، لكن هل ثقافتهم زي ثقافتي؟ بينما لما يكون نص صادر من ثقافتي ومن مجتمعي أعتقد بده يكون مُرضي لثقافتي وطموحي».

أمّا الشيخ مطلق العجارمة فيذهب لطول أمد التقاضي كسبب رئيس في اللجوء للقضاء العشائري. «في قضايا ظلت لسنين واقفة على شاهد، وبالنهاية طلع المتهم بريء ومظلوم وهذه حصلت كثير. بالقضاء العشائري ما في هيك، بتنتهي بسرعة والكل بوخذ حقه»، يقول العجارمة.

يتفق أستاذ القانون الدستوري ليث نصراوين مع واقعية المبررات السابقة، بالأخص فيما يتعلق بسرعة القضاء العشائري مقارنة القضاء النظامي وسرعة الإجراءات، مضيفًا أن الثقة بالقاضي العشائري بشكل عام تفوق الثقة بالقاضي النظامي. ويذهب نصراوين إلى ضعف التشريعات والنصوص القانونية التي تسمح بالالتفاف على عدالة المحاكمات، كما في قضايا الاعتداء والمشاجرات. «يأخذ المشتكي والمشتكى عليه تقارير طبية أمام القضاء النظامي فيصبح كلاهما مشتكي وكلاهما مشتكى عليه، لكن هذا الأمر لا ينطلي على القاضي العشائري».

لكن كل ذلك لا يجب أن يكون مبررًا للجوء للقضاء العشائري، بحسب نصراوين، بل يجب إعادة النظر بالتشريعات وتسريع الإجراءات لكي تعود الثقة للمؤسسة القضائية. ويحذّر نصراوين من أن يكون الحل «التقسيم» بين القضاء النظامي والعشائري، معتبرًا أن الوضع الحالي من تشكيل محاكم وإصدار أحكام عشائرية يعد مخالفة للمادة 103 من الدستور، التي توضح اختصاص المحاكم النظامية في النظر بالقضايا الجزائية والحقوقية، بالأخص «في ظل عدم وجود تقنين واضح وصريح ينزع الاختصاص من المحاكم النظامية لمحاكم عشائرية… ذلك يعد اعتداءً على الولاية العامة للقضاء والسلطة القضائية في الأردن».

من جهة ثانية، فإن تطبيق أحكام القضاء العشائري قد يستتبع مخالفات دستورية أخرى. فبحسب توضيحات المحاميد والقضاة العشائريين سابقي الذكر، فإن المحافظ يأخذ تعهدات من أطراف القضية لإلزامها بتنفيذ الحكم بعد النظر فيه عشائريًا، وإلا «يتم توقيف» المخالفين، على حد قول المحاميد.

يسأل نصراوين عن سلطة المحافظ القانونية في إنشاء مثل هذه المحاكم وإقرار تشكيلاتها قائلًا: «على ماذا يستند المحافظ؟ هل هو قانون منع الجرائم؟ (..) هل هناك نص في قانون منع الجرائم يعطي المحافظ صلاحية تشكيل محكمة عشائرية؟ (..) في أمور كالمحاكمات لا وجود للأعراف، ولا بد أن يكون التشريع هو المصدر الرئيسي لهذه الأمور».

القانون العشائري بعد توطين البدو، ودور الديوان الملكي

يُرجع مستشار شؤون البادية في مستشارية العشائر في الديوان الملكي، صايل أبو تايه، القانون العشائري المعمول به اليوم إلى قانون «الإشراف على البدو» الملغي، الذي سنّته الدولة الأردنية في بداية نشأتها لتنظيم حياة البدو في الأردن، ذلك أن نمط حياة البدو من تنقل وعيش في الصحراء كان يُصعّب من وجود المحاكم أو المراكز الأمنية في أماكن عيشهم وترحالهم، بحسب ما يوضح أبو تايه.

عملية توطين البدو التي نظمتها الدولة استدعت إلغاء كافة القوانين العشائرية عام 1976، إلا أن بقاء بعض القبائل «القليلة» دون توطين استدعى عقد اجتماع بين شيوخها ومسؤولين بالدولة عام 1987 والاتفاق على «مراعاة» القوانين العشائرية، وهو الاتفاق الذي حظي «بمباركة جلالة الملك الحسين وليس توقيعه»، بحسب أبو تايه.

لكن أبو تايه يقول إن العمل بوثيقة عام 87 متوقف «عرفًا»، ويدعو الحكام الإداريين والداخلية لإيقاف العمل بها ما دام الجميع توطن، ويحمّل «الجهات التنفيذية» مسؤولية ما أسماه التعدي على هيبة الدولة. «الحاكم الإداري بطبّق هيبة الدولة من خلال تطبيق قوانينها مش من خلال تجميد قوانينها»، يقول أبو تايه.

sayelلكن انتقادات مستشار شؤون البادية في الديوان الملكي للوضع القائم لا تعني أن مستشارية شؤون العشائر لا تتدخل في إحالة قضايا أو تقديم «نصائح شفوية» للمحافظين الإداريين حول القضاة العشائريين أو القرارات التي تخرج من قبلهم.

يبرر أبو تايه تدخل الديوان بأن هناك فئات مجتمعية «ما بترد على وزير الداخلية أو الحكومة، بس احترامهم للملك وعرش الملك وسلطة الملك».

ذلك لا يعني أن جميع القضايا يمكن تطبيق القانون العشائري فيها، بل يقتصر ذلك على القضايا «المعقّدة» بحسب أبو تايه، إضافة إلى القضايا التي ترفض أطرافها اللجوء للقضاء النظامي، ما يخلق «مخاوف» لدى المستشارية من إمكانية تطور الأمر.

مع كل تلك الحالات التي قد تتدخل بها المستشارية، يؤكد أبو تايه أن الأخيرة لا تتدخل في قضايا منظورة أمام القضاء نهائيًا، لكنه لا ينفي حصول ذلك من قبل بعض الموظفين في بعض القضايا التي يتم النظر بها عشائريًا، مشددًا أن ذلك يحصل في قضايا لم يتدخل فيها الديوان، أي تمت من خلال المحافظين أو وزارة الداخلية دون الرجوع للمستشارية.

وبالرغم من أن أبو تايه يؤكد تجاوب المحافظين أو الحكام الإداريين مع توجيهات المستشارية حول اختيار القضاة، إلا أنه يؤكد في الوقت ذاته عدم إمكانية الضغط على المحافظين في تطبيق القانون أو منعهم من الإحالة للقضاء العشائري، موضحًا أن ذلك ضمن صلاحيات رئيس الوزراء.

«جلالة سيدنا ما بصير يصير هو ضد المجتمع والحكومة» يقول أبو تايه مفسرًا موقف الديوان. «إحنا بهمنا المجتمع يكون معنا، المجتمع وإرادة الشعب الأردني سيدنا بتهمه (..) وعي الناس مهم، ووعي أبناء العشائر مع جلالة سيدنا».

لعل المشاجرة سابقة الذكر، التي شهدتها جامعة الحسين بن طلال في نيسان 2013، كانت مثالًا على الحد الذي قد تذهب إليه الحكومة والديوان لمنع تفاقم بعض المشاكل، والحفاظ على الود مع «إرادة الشعب» الأردني. فالمشاجرة التي استدعت دخول الدرك لحرم الجامعة بناء على الطلب من رئيسها، (بعد أن أدت المشاجرة إلى وفاة أربعة أشخاص وامتداد العنف وتقطيع الطرق وتعليق الدوام الجامعي وتطويق الأجهزة الأمنية لمحيط الجامعة)، امتدت محاكمات المشتبه بهم في القتل لنحو عامين نظرًا لوجود 16 متهمًا في القضية. لكنّ الأمر ميدانيًا لم يكن بانتظار قرار المحكمة النهائي، إذ عادت المشاحنات بين أطراف القضية بعد إخلاء المدعي العام لسبيل بعض المتهمين بالكفالة نظرًا لعدم ثبوت تورطهم.

تلك المشاحنات دفعت مستشارية العشائر في الديوان إلى مخاطبة وزارة الداخلية لتكليف قضاة عشائريين لإنهاء الملف، في لجنة تحكيم عشائري رئسها وزير الداخلية سلامة حماد، قبل أن يتسلّم حقيبة الداخلية، بحسب الشيخ مطلق العجارمة، عضو اللجنة.

أبو تايه أكد تدخل المستشارية في قضية جامعة الحسين، لكنه لم يحدد إن كان ذلك التدخل رسميًا أو شفويًا، مكتفيًا بأن المستشارية تدخلت «كي لا تحدث فتنة أو عداوة بين القرى من أصل بادية معان ومعان المدينة».

من جهته، يوّضح سليمان الشاعر، والد الطفل أنس الذي توفي خلال المشاجرة، أن متحدثًا باسم عائلة الشاعر تنازل عن حقها الشخصي خلال جاهة الصلح التي عقدت، دون أن توكّله العائلة أو يؤخذ برأيها.

ويؤكد  الشاعر لحبر بأن القضية انتهت عشائريًا وحُسمت لوجود قتيلين من مدينة معان وآخريَن من عشيرة الحويطات، «يعني حسبوا أنس من معان وصار كإنه اثنين من هون واثنين من هون فخلصت، مع إنه أنا ما بعرف لهسه مين المسؤول عن قتل ابني»، وتم تعويض عائلات المقتولين ماديًا.

لاحقًا، تنازل الشاعر عن حقه الشخصي بعد ضغوطات وتهديدات تلقاها بحسب قوله. «تنازلت عشان سلامة ولادي اللي ظلوا، خفت يصير فيهم زي ولاد أبو دية اللي ماتوا».

لا يتوقف الشاعر عند جاهة الصلح التي تم التنازل بها عن حقه دون علمه بحسبه، لكنه يذهب للتعويض المادي الذي أقرته الجهة المكلفة من المستشارية. «فيه ناس اتعوضت 180 ألف وولادهم برتبة شهداء وأهاليهم بوخذوا رواتب لهسه، وأنا أعطوني 50 ألف. كيف؟ على أي أساس؟».

يوضح العجارمة أن مستشارية العشائر نسقّت اجتماعات أسبوعية للّجنة المُشكّلة، وزوّدت أعضائها بملفات التحقيق الذي أجراه المدعي العام للاطلاع على كافة الحيثيات، موّضحًا أن ذلك تم ضمن مخاطبات رسمية بين المستشارية ووزارة الداخلية والمجلس القضائي ومحكمة الجنايات الكبرى، على حد قوله.

لا ينفي أبو تايه أو يؤكد تنسيق المستشارية للحصول على ملفات التحقيق، مكتفيًا بالقول بأن ذلك لو حصل فهو أمر لا يجوز قانونيًا، مع تأكيده على عدم صدور كتاب رسمي من الديوان الملكي بهذا الشأن. لكنه يوضح في ذات الوقت قدرة المستشارية على مخاطبة أي جهة تشاء من باب «النصيحة أو الاستفسار».

في هذا الجانب، يعيد أستاذ القانون الدستوري ليث نصراوين تساؤله عن النصوص القانونية التي تسمح لمستشارية العشائر في الديوان بالتدخل. «إذا كان الأمر من باب الحل الودي للنزاع لا إشكالية»، يقول نصراوين، «أما أن تشكل محاكم عشائرية لها صلاحيات وإصدار أحكام ليتم تنفيذها.. ذلك أصبح اعتداء على هيبة الدولة وسلطتها».

ضوابط القضاة العشائريين وعدالة محاكماتهم

يشترط في القضاة العشائريين أن يؤول إليهم القضاء بالوراثة، فكل من القضاة الذين تحدثت حبر إليهم (بركات زهير، وطلال الماضي، ومطلق العجارمة، وماجد الفرجات) أكدوا تولي آبائهم وأجدادهم للمهمة في السابق، قبل صدور إرادات ملكية سامية بتعيينهم شيوخًا لعشائرهم خلفًا لآباءهم، ليتم تسجيلهم لاحقًا في مستشارية العشائر في الديوان الملكي، بحسبهم، باستثناء العجارمة الذي قال بأنه غير مسجل رسميًا في المستشارية.

إلا أن أبو تايه يؤكد أن الشيخ بركات زهير هو الوحيد المسجل كقاضٍ عشائري صدرت به إرادة ملكية، من بين الأسماء المذكورة أعلاه، موضحًا بأن القضاة العشائريين الذين لا يزالون على قيد الحياة ممن صدرت بهم إرادات ملكية ثلاثة قضاة فقط في كل المملكة.

وبحسب أبو تايه، فإنه يشترط في القاضي العشائري أيضًا التمرّس، أي أن يكون قد استمع وحضر جلسات والده، حتى يتم التأكد بأنه على علم ودراية بتلك الأحكام. وفي حديثهم مع حبر، أكد القضاة السابقون أنهم يحكمون بناء على ما استمعوا له من جلسات لآبائهم، وهو ما شكّل لهم قواعد للأعراف العشائرية، دون وجود نصوص مكتوبة في هذا الشأن.

وبحسب مصدر في وزارة الداخلية، فإن الوزارة لا تملك سجلات بأعداد القضاة العشائريين أو توزيعهم في المملكة، وأن ذلك موجود فقط في مستشارية العشائر التي تخاطب الداخلية في بعض القضايا بكتب رسمية.

أما بالنسبة للأحكام، فلا تتجاوز أحكام القضاء العشائري الغرامات المالية، التي تعرف بالدية في قضايا القتل، وما يتبعها من إجراءات لرد الاعتبار والكرامة، بحسب الشيخ طلال الماضي. فيما يؤكد أبو تايه أن القضاء العشائري لا يحكم عادة بأي عقوبة بدنية أو حاجزة للحرية، إلا في  قضايا قتل نادرة.

كما يوضح الفرجات والعجارمة أن العديد من نصوص القرارت العشائرية قد تتناول نصوصًا كقطع اللسان أو قطع الأرقاب، أي القتل، لكن ذلك يتم «تثمينه» أي الدفع مقابله مبلغًا ماديًا، يلحقه الصلح وتنازل الأطراف عن حقها إن كانت القضية منظورة في المحكمة.

أي دور إصلاحي للقضاء العشائري؟

بحسب الماضي، يقوم القضاء العشائري على مبدأ تحقيق الصلح بين الأطراف المتنازعة، وهو ما لا يحدث في القضاء النظامي الذي يصدر أحكامه دون اشتراط الصلح كنهاية ضرورية.

«الصلح يعطيك أمن مجتمعي، يعني افرض طلّعتك المحكمة والطرف الآخر حاطط بنفسه إنك ما أصلحت، بأي لحظة ممكن يقتلك، فأصلح أمام الناس عشان تحفظ أمنك»، يقول الماضي.

يضرب الماضي مثالًا بقضية كانت المحكمة قد أصدرت فيها حكمًا بسجن شاب لسبع سنوات بعد تجريمه بهتك العرض، لكن بعد خروجه من السجن تمت محاكمته عشائريًا. «قدّرنا الدية ونزلناها للنصف، لأنه قضى محكوميته، فدفعنّاه بحدود العشرة آلاف دينار»، ودون دفع الدية والمحاكمة العشائرية ما كان ليحدث الصلح، بحسب الماضي.

يؤكد القضاة العشائريون على دورهم في الإصلاح المجتمعي وهو ما لا يوفره القضاء المدني برأيهم، بالإضافة لمهامهم في ضبط الأزمات وإنهاء القضايا في جلسات لا تزيد عن شهر أو اثنين، مقابل احتمالية امتدادها لسنوات أمام القضاء النظامي، مع التشكيك بإمكانية رد الحقوق عبر تشريعات الدولة التي «قد» لا تعطي الأطراف حقوقها في الوقت والكم المناسبين.

أما داخل المحاكم النظامية، فإن القضاء لا يأخذ بالإجراءات أو التحكيمات العشائرية كجزء من سير القضية أو بيّناتها، لكن الصلح العشائري عادةً ما يترجم بإسقاط الحق الشخصي، وبالتالي تسريع البت في القضية، وهو ما ينظر له القضاة العشائريون على أنه امتداد لأثر القضاء العشائري على النظامي.

* الصورة أعلاه بعدسة يوسف الصرايرة من جاهة عشيرة المطارنة إلى عشيرة الصرايرة، في ١٥ نيسان الماضي.