عن شباب في دور رعاية المسنّين

عن شباب في دور رعاية المسنّين

الثلاثاء 13 آذار 2018

في دور رعاية للمسنين، يقضي شبان وشابات من ذوي الإعاقة سنوات شبابهم بوصفها بديلًا عن دور رعاية خاصة بحالاتهم. يتم إدخال هذه الحالات إلى مؤسسات رعاية المسنين من قبل ذويهم بعد الحصول على موافقة من وزارة التنمية الاجتماعية، الجهة الرسمية المسؤولة عن دور رعاية المسنين.

يعرّف نظام ترخيص دور رعاية المسنين المسنّ بـ«كل امرأة تجاوزت الخامسة والخمسين، وكل رجل تجاوز الستين من العمر، وكانا بحاجة إلى رعاية إيوائية». غير أن وزارة التنمية الإجتماعية تمنح استثناءات تسمح بدخول من هم أقل من السن المعرّف في النظام إلى دور رعاية المسنين تحت مسمّى الحالات الإنسانية أو الحالات الخاصة، حيث يمكن إدخال شباب مصابين بإعاقات جسدية أو عقلية وآخرين ضحايا تفكك أسري إلى دور رعاية المسنين، وبحسب إحصائية زودتنا بها وزارة التنمية الإجتماعية يبلغ عدد من هم دون السن القانوني من نزلاء دور رعاية المسنين 38 نزيلًا، أعمارهم بين 18-56 عامًا يتوزعون على 11 دارًا من دور رعاية المسنين.

في واحدة من دور رعاية المسنين الخاصة، في عمان، قابلنا مجموعة من النزلاء غير المسنين، وتعرّفنا على قصة وحالة كلٍ منهم، والتي اختلفت بين الأمراض العقلية والنفسية والإعاقة الجسدية والمشاكل الأسرية.

«أهلي رفضوا استلامي»

عملت شروق*، والتي تبلغ من العمر 45 عامًا، قبل دخولها الى دار رعاية المسنين سكرتيرة في واحدة من الشركات الكبيرة، لكنها وأثناء عملها كانت تعاني من مرض نفسي أحالها إلى تقاعد الاعتلال، أو ما يسمى «المعلولية»، وهي في الثامنة والثلاثين من عمرها. وبعد أن تقاعدت استأجرت شقة صغيرة لتستقل وتكمل رحلة علاجها النفسي في إحدى المستشفيات الخاصة معتمدة في ذلك على راتبها التقاعدي. لكن هذه الخطة لم تكتمل بسبب إخوتها الذين اشتكوها للمحافظ مدّعين أنها على علاقة بشاب. تقول شروق أنها لم تنكر ادّعاء إخوتها، وتم إيداعها تحفظيًا في سجن النساء لتمكث فيه ثلاثة أشهر دون دواء ولا طبيب.

تقول شروق: «من السجن أخذوني على مستشفى الفحيص، وبعد شهر ونص طلبوا من أهلي يوخذوني فرفضوا استلامي». بعد رفض أهلها «استلامها» خرجت شروق من المستشفى وتوجهت إلى المركز الأمني حيث طلبت المساعدة في الحصول على أوراقها الثبوتية من عند إخوتها لتتمكن من المبيت في فندق أو استئجار شقة. «نيّموني في النظارة وثاني يوم إجت حماية الأسرة، حكولي وين نوخذك، حكيتلهم أي مكان؛ ملجأ، دار مسنين، أي مكان»، فقامت شرطة حماية الأسرة بالتنسيق مع أهل شروق ووزارة التنمية الإجتماعية بإيداعها دار المسنين التي تقيم فيها منذ ثلاث سنوات وتغطي تكلفة إقامتها الشهرية من راتبها التقاعدي.

في دار المسنّين، تنفق شروق جزءًا من وقتها في تدوين وصفات للحمية ووصفات أخرى لجمال البشرة، تنقلها عن بعض المواقع الإلكترونية، أمّا معظم وقتها فتقضيه في صالة التلفاز المجاورة لغرفتها، إذ أن أسلوب الحياة في دار الرعاية محدود جدًا بتلك الصالة والأحاديث المشترك التي تدور بين نزلاء الدار.

لا يزور شروق أحد من عائلاتها باستثناء أختها التي تزورها نادرًا، ولم تخبر صديقاتها في العمل عن مكان تواجدها: «بستحي أحكيلهم إنّي في دار مسنين». وعند محاولتنا الاستفسار عن خياراتها في المستقبل وما إن كانت تخطط للخروج من دار رعاية المسنين أجابت شروق: «ما بعرف إذا ممكن أطلع وأكون حرة».

في انتظار الصيف

في صالة التلفاز، تجلس المُسنّة أم ماجد أمام الشاشة، وإلى جانبها شابة وسط مجموعة من المسنّات. تعاني سمر (46 سنة) من اضطراب نفسي، يؤدّي إلى تعلّقها تعلّقًا مرضيًا بوالدتها. أخفى عنها أخوتها قيامهم بإدخال والدتهم إلى دار رعاية المسنين، وبالصدفة كانت تشاهد التلفاز لتتفاجأ بوالدتها تظهر في تقرير من هذه الدار. تقول سمر: «تفاجأت إنه جايبين صورة الوالدة، فقلت لعمتي هي صورة إمّي موجودة في دار المسنين»، لتقوم بعدها بمواجهة أسرتها، وتخبرهم برغبتها في التواجد بجانب والدتها. وافق إخوتها وقاموا بالترتيبات اللازمة، وهي اليوم تفترش السرير المحاذي لوالدتها منذ ثلاثة عشر عامًا.

تبيّن لنا إحدى مشرفات الدار أن سمر ووالدتها لا تتفارقان طيلة اليوم، حتى أثناء مقابلتنا لسمر حرصت والدتها المسنّة على الجلوس بجانب ابنتها في غرفتهن المشتركة لتقاطع حديث ابنتها أكثر من مرة وتقول «تيسّرت الأمور» في إشارة إلى ارتياحها لتواجد ابنتها جوارها. وعند سؤالنا لسمر حول ما إن كانت قد فكرت بالخروج خلال الثلاثة عشر عامًا الماضية، أخبرتنا عن عدة محاولات، كان منها محاولة ترتيب سفرهنّ عند خالها إلى الخليج، وفكرة أن ينتقلن إلى سكن للطالبات أو أن يذهبن إلى منزل أحد إخوتها، لكن سمر لم تبيّن أسباب عدم نجاح تلك الخطط، وأكملت مستدركة: «بس الحمد لله إحنا مرتاحين هون».

كوّنت سمر علاقة جيدة مع الجميع لكنها تقول بأن علاقتها أقرب مع من هنّ في سنّها داخل الدار حيث الخيارات محدودة بالنزيلات الشابات والعاملات في الدار.

تصف سمر علاقتها بأهلها بالجيدة وتقول بأنها تراسلهم، «بس أخوي الصغير ما بحكي معنا»، لتقاطعها والدتها وتقول ضاحكة «بأميركا، يقطع أميركا». وعلى الرغم من ذلك تظهر السعادة على سمر أثناء حديثها عن العالم خارج دار رعاية المسنين حيث تخرج كل عام في رحلة قصيرة إلى السوق برفقة ابن عمها الذي يقوم بزيارتها ووالدتها كل صيف. تقول: «يعني بطلّعني من هذا الجو، بنطلع عالسيفوي، بنطلع على محلات، أسواق، مش محرومة عالآخر يعني». وفي ختام لقائنا، سألناها حول ما إن كانت ستبقى في دار رعاية المسنين في حال وفاة والدتها فأجابت جازمة «لأ أكيد».

في انتظار بدائل إيوائية أفضل

«يوم آخذ الإبرة والعلاج بصير إنسان طبيعي»، يقول أحمد ، البالغ من العمر 56 عامًا. قضى أحمد عقدًا من شبابه نزيلًا وسط أجيال من المسنّين، منذ دخل إلى دار رعاية المسنين حين كان عمره 46 عامًا بسبب مرضه العقلي.

يقول أحمد إنه كان سابقًا في مركز الطب النفسي في الفحيص «مريض نفسي بعاني من انفصام وجداني، قعدت ثلاث أشهر بعدين أخوي نقلني»، في إشارة إلى انتقاله من الفحيص إلى دار رعاية المسنين في عمان بعد رحلة علاج لم تأتِ بنتائج شفائية، لتكون دار رعاية المسنين هي المأوى الوحيد.

«بحبوني إخواني، وبيجوني وبزوروني وبجيبولي إللي بدي إياه»، يقول أحمد، لكنّه، ورغم تقبله لوجوده في دار رعاية المسنين، يعبّر عن انزعاجه من حرمانه من صلاة الجمعة في المسجد: «أنا هان ممنوع أطلع من الدار، نفسي أروح عالمسجد بس بتعب لما أمشي مسافة طويلة»، وهذا بسبب خضوعه، قبل سنوات، لعملية جراحية لعلاج إصابته بسرطان الرئة.

وعن ممارسة الحياة خارج دار رعاية المسنين يقول إنه، وقبل دخوله الى الدار، كان له أصدقاء لكنه أحسّ بضيقهم منه بسبب مرضه. «كانوا يتضايقوا بس آجي عليهم أو أقعد معهم، لأني كنت مريض، لو كنت في عقلي ما كنت بنزل من الدار»، يقول أحمد، ويضيف معلّقًا حول إمكانية خروجه من دار رعاية المسنين: «هذا يعتمد على إخواني، لأن إخواني بعرفوا مصلحتي، بعدين هان أحسن لي وين بدي أروح، تأقلمت إني أكون هان، إذا أطلعوني إخواني بطلع».

سألنا أحد أخوة أحمد عن سبب اختيارهم لدار رعاية المسنين، فأوضح لنا رحلتهم الطويلة في البحث عن مكانٍ مناسب، وصولًا، وبسبب انعدام الخيارات، إلى دار المسنّين، خاصة بسبب حاجة أخيه إلى رعاية ومتابعة متخصصة تقوم بتوفيرها دار رعاية المسنين، لكنّه في الوقت ذاته رحّب بأي بدائل إيوائية، في حال توفّرها.

عن دور الجهات الرسمية

تقول الناطقة الإعلامية باسم المجلس الأعلى لشؤون الأشخاص المعوّقين غدير الحارث إن «المكان المناسب للشباب من ذوي الإعاقة لا يمكن أن يكون دارًا للمسنين أو غيرها من مراكز الإيواء». وتضيف أن المجلس يعمل حاليًا على التنسيق مع الهيئات الوطنية ذات العلاقة على تنظيم معايير المؤسسات الإيوائية من دور رعاية ذوي الاعاقة ودور المسنين والأحداث وغيرها من الأماكن التي من الممكن أن تضم حالات مشابهة، وتشير إلى أن قانون حماية الأشخاص ذوي الإعاقة، الذي تم إقراره مؤخّرًا، سيعمل على تفكيك دور إيواء الأشخاص ذوي الإعاقة خلال عشر سنوات تحضيرًا لدمجهم في المجتمع. تقول الحارث إن «فلسفة المجلس تقوم على أن يعيش الشخص ذو الإعاقة وسط عائلته أو مجتمعه».

وتعليقا على وجود شباب من ذوي الإعاقة، سواء الحركية أو العقلية أو غيرها، في دور رعاية المسنين، تقول مديرة مديرية الأسرة في وزارة التنمية الاجتماعية هيفاء زلوم إن «نظام دور رعاية المسنين نص على عمر المسن الذكر والأنثى لكن السبب في وجود النزلاء ممن هم دون هذا السن في دور رعاية المسنين هو عدم توفر بدائل أو مكان لهم، وأن استقبالهم في دور رعاية المسنين كان من باب إنساني وبطلب من الأهالي الذين يتقدمون بطلبات الاستثناءات في وزارة التنمية الاجتماعية». وأضافت أن الوزارة ستقوم باتخاذ الإجراءات اللازمة في حال توفر البدائل مستقبلًا ليتم تحويل مثل هذه الحالات نحو أي قنوات تيسيرية يتم التوافق عليها بين المؤسسات الوطنية المعنية.


*تم تغيير أسماء الشخصيات حفاظًا على خصوصيتهم.

تم إعداد هذا التقرير بدعم من منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان.

  • شكرًا لكم على تناول مثل هذه المواضيع الإنسانية.