الرجاء والوداد: الأدب والفلسفة لدى الألتراس المغربي

الخميس 19 كانون الأول 2019
«تيفو» شخصية أليكس، التي رفعتها جماهير الرجاء المغربي في مباراته مع الوداد في 23 تشرين الثاني 2019. تصوير عبد المجيد رزقو، أ ف ب.

نشر هذا المقال بالفرنسية في مجلّة يا بلادي المغربية في 25 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي.

ترك لقاء الديربي الذي جمع بين فريقيْ الرجاء والوداد البيضاوي المغربيين يوم السبت 23 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي انطباعًا قويًا من حيث الأهداف التي سُجلت وكذلك اللوحات التي شكلها الجمهور. 

من بين اللوحات التي شكلتها جماهير الرجاء، تميّزت تلك اللوحات الجماهيرية التي أشارت إلى جورج أورويل أو إلى المخرج الشهير ستانلي كوبريك. هذا القدر الكبير من الاستعارات يضفي طابعًا ثقافيًا وحتى سياسيًا على اللقاءات الرياضية.

وعليه فقد كانت الفرجة في المدرجات كما على أرضية الملعب، وذلك خلال لقاء شهد ريمونتادا تاريخيّة انتزع خلالها الخضر [أي فريق الرجاء] بطاقة التأهل إلى ربع نهائي كأس محمد السادس للأندية العربية الأبطال، من خلال تعادل بأربعة أهداف لمثلها في لقاء ملحمي اشتعلت فيه مدرجات مشجعي الطرفين. بطبيعة الحال، فإن اللحظات الأكثر أهمية كانت لحظات تسجيل الأهداف من قبل كل من الطرفين، وكذلك لحظات تشكيل اللوحات في المدرّجات.

أشارت إحدى لوحات مشجعي الرجاء إلى «الغرفة 101» التي وصفها جورج أورويل في روايته «1984». وأشارت لوحة ثانية إلى شخصية أليكس، وهو الشخصية الرئيسة في فيلم «الإنسان الآلي» أو ما شاع تسميته بـ«البرتقالة الآلية» وهو أحد أهم أفلام السينما التنبؤية أخرجه ستانلي كوبريك في العام 1971. وقد تم تداول هذه اللوحات على نطاق واسع عند نهاية المباراة من خلال منشورات تبادل فيها أنصار الرجاء التهاني بأداء فريقهم وبما فعله مشجعوه.

عبد الرحيم بورقية، وهو صحفي وباحث اجتماعي ومسؤول شعبة العلوم السياسية والحكامة في جامعة مونديابوليس الدار البيضاء، أوضح لنا أن اللوحة التي تشير إلى الغرفة 101 والتي تم ربطها بسياق المباراة «يمكن أن تعني بشكل خاص أنَّ مشجعي نادي الرجاء الموجودين في المدرجات يريدون القول لمشجعي الوداد إنهم يعانون الشيء الذي لم يُخيّل لهم أنهم سيحتملون رؤيته: الفشل الذريع لناديهم».

ويقول بورقية، وهو مؤلف البحث الاجتماعي «ألتراس في المدينة» الذي يدور حول تنظيم مشجعي الرجاء، إن «ما يبحث عنه المشجعون في إطار تفاعلهم هو القول لخصومهم: نحن أسوأ كوابيسكم». وقد أوضح بورقية كذلك أن «العودة إلى فيلم الإنسان الآلي أو ما شاع تسميته بـ«البرتقالة الآلية» من خلال صورة أليكس يمكن أن تشير إلى مقاطع الفيلم التي تتعرض خلالها الشخصية على يد «المؤسسات» لغسل الدماغ من خلال إجبارها على رؤية مشاهد عنف يجب أن تبقى أمامها محملقة العينين». 

وقد أضاف بورقية: «إن الصلة بين الاستعارة ضمن تفاعل مشجعي الناديين هي أن مشجعي الرجاء يوحون لمشجعي الوداد: «إنكم مجبرون على رؤية هزيمة لاعبيكم ترتسم نصب أعينكم»». 

استعارة العنف الرمزي

يصف جورج أورويل في روايته «1984» نظام عمل الأخ الأكبر حيث «الغرفة 101» مخصصة للتعذيب. في عالم الأخ الأكبر، يخضع كل من يبدي مؤشرات عدم انضباط إلى معاملة قاسية يتعرض من خلالها إلى أشد حالات الرعب. وفي الرواية يقول العميل الغامض أوبراين «ما يوجد في الغرفة 101 هو أسوأ شيء في العالم».

يقول أوبراين في الرواية: «أسوأ شيء في العالم يختلف من شخص لآخر. يمكن أن يُدفن الشخص حيًا، يُحرق، يُقتل غرقًا، يُقتل باستخدام الخازوق أو بطرق أُخرى. توجد حالات أخرى حيث الإجراء أقل فتكًا إلاَّ أنَّ الألم والخوف لا يحتملان».

في هذه الرواية، يمرّ كل من جوليا ووينستون سميث، وهو الذي يعاني خوفًا شديدًا من الفئران، بهذه الغرفة وذلك بسبب عدم امتثالهما للقواعد التي تُحيل حبهما مستحيلًا. «لا يستطيع أي شخص مقاومة هذا التعذيب. ويتنكّر لكل شيء تمامًا، وبواسطة هذا التنكّر يتم تمزيق الروابط بين الناس».

يتم حجز بطل الرواية وينستون سميث مع فئران داخل هذه الغرفة، ولمجرد الخلاص من جلسة التعذيب هذه يقوم بإلقاء اللوم على جوليا لدفع الحرّاس للانشغال بها عنه، وبدورها تقوم جوليا من طرفها بفعل الشيء نفسه.

في الفيلم المقتبس من هذه الرواية والذي أخرجه المخرج الأمريكي بول نيكيل في العام 1953، ينتهي هذا الفيلم الذي يحمل نفس اسم الرواية بلقاء الحبيبيْن بعد أن مرّا بالغرفة 101 وقد تغيّرا بشكل كامل وباتا خانعين وبالكاد عرفَ كل منهما الآخر.

كرة القدم، ميدان خصب للتفكّر

إذا كانت كرة القدم قد استعارت إشارات فنية وأدبية وسياسية عبر تاريخها، أكان ذلك في المدرّجات أو على أرضية الملعب، فإن أفكار المفكرين، المؤلفين والكتَّاب قد نهلَت كذلك في جزء من إلهامها من مَعين الرياضة.

وعلى هذا الأساس فإن جورج أورويل أشار إلى كرة القدم في إحدى مقالاته والتي نشرت في العام 1945 ليبين أن الرياضة تمثل «شكلًا من أشكال الحرب» وذلك على النقيض من قيم الاختلاط الاجتماعي والتعاضد التي يجدها بعض المفكرين في ميادين الرياضة. شعر جورج أورويل بالذعر من البعد السياسي الذي أُعطي لهذه الكرة المستديرة غداة الحرب العالمية الثانية، وعلى وجه الخصوص من دور المعلّقين الرياضيين وتموضعاتهم فكتب:

«ما زلت مندهشًا من سماع الناس يقولون إن الرياضة تعزز الصداقة بين الشعوب ومن قولهم أنه لو كان فقط من الممكن للناس العاديين في العالم بأسره أن يلتقوا في ملاعب كرة القدم أو الكريكيت لفقدوا أية رغبة في التواجه في ساحات القتال».

وعليه ينتقد أورويل بشدة هذا الرأي قائلًا: «الناس يلعبون من أجل الفوز، واللعب ليس له أي معنى إذا لم يقم المرء بكل ما في وسعه من أجل الفوز (…) بمجرد أن تصبح الهيبة على المحك، بمجرد أن يبدأ الخوف من أن يلحق العار بالشخص نفسه، بناديه وبكل ما يمثله في حال الخسارة فإن العدائية الأكثر بدائية هي التي تطغى».

يذهب أورويل إلى أبعد من ذلك بالقول: «طالما أن هناك شعورًا تنافسيًا عنيفًا يثار، فإن فكرة اللعب حسب القواعد تصبح لاغية بحد ذاتها (…)». وبالنسبة له، «حتى عندما لا يتدخل المتفرجون بشكل جسدي فإنهم يحاولون على الأقل أن يؤثروا على اللعب من خلال الهتاف لفريقهم وزعزعة لاعبي الخصم بواسطة صيحات الاستهجان والشتائم». وعليه فإن أورويل يخلص إلى القول: «عند حد معين، لا يبقى للرياضة أية علاقة باللعب النظيف».

مستلهمًا أفكار كارل ماركس وأنطونيو غرامشي حول رأس المال، والاستهلاك والهيمنة الاقتصادية، يُذكِّر الكاتب أن الحماس لكرة القدم ليس قديمًا في التاريخ البشري، لكنه ازداد خلال القرن العشرين. كتب أورويل: «لاحقًا، أصبحت الرياضة -وخاصةً في إنجلترا والولايات المتحدة- نشاطًا يستقطب رؤوس أموال كبيرة، يجذب حشودًا كبيرة ويوقظ شغفًا وحشيًا، وقد انتشر الفيروس من بلد لآخر».