الرمثا: كرنفال شعبي لكرة القدم

الرمثا: كرنفال شعبي لكرة القدم

الجمعة 05 تشرين الثاني 2021

 منذ تأسيس نادي الرمثا ودخوله منافسة الفرق الأردنية الأخرى، رسّخ أبناء المدينة تقاليد خاصّة تقوم على عدم ترك لاعبي الفريق يدخلون المباراة وحدهم. وبعد الفوز لا تنتهي مهمّة أبناء المدينة. ثمّة شوط ثالث يخوضه الناس في شوارع المدينة وميادينها، يقوم فيه أبناء المدينة بردّ جميل الشباب في الملعب؛ يذبح الرجال لهم، وتوزع النساء أقراص العيد والكبة الرمثاوية، ويحيي الشباب كرنفالًا شعبيًّا يمتد لساعات الفجر الأولى.

تنتمي الرمثا إلى لواء يحمل اسمها، يضمّ ستّة تجمعات يقدّر تعداد سكّانها بحوالي 270 ألف نسمة، في كل تجمّع منها تقريبًا نادٍ رياضي لكرة القدم، أقدمها نادي الرمثا الذي تأسس سنة 1966.

في البداية أمّن مدرسو الرياضة في مدارس الرمثا النادي بالمعدّات الرياضية في سنواته الأولى، وألحقوا الطلبة الموهوبين في دوريّات المدارس بالنادي. خارج الملعب، دعم كبار السنّ اللاعبين؛ ففي حين اقتصر حضور مباريات كرة القدم في الدور الأردني على الأغلب على فئة الشباب، كان رجال الرمثا الكبار يتربّعون خلف المرمى لمساندة الفريق، و«لما ننهزم، نستحي نطلع على الشارع»، يقول الثمانينيّ محمد سمارة الذي لعب للنادي في بداياته.

نهاية السبعينيات، لعب طلّاب الثانوية كرة القدم إلى جانب مدرسي الرياضة في فريق الرمثا كما حصل مع عبد المجيد سمارة أحد أبرز نجوم الفريق لاحقًا. «كان عدد من لاعبي فريق الرمثا هم طلابي في المدرسة، وزملائي بذات الوقت كلاعبين مع فريق الرمثا». وفي تلك الفترة، تعاقد نادي الرمثا مع الإنجليزي بول كمنج كأوّل مدرّب أجنبيّ يدرّب فريقًا محليًا في الدوري. وأسّس كمنج مع الفريق كرة قدمٍ متطورة مع أن فترة وجوده لم تمتد إلّا لأشهر، ليأتي بعده المدرب الاسكتلندي جورج بلوس، «قطفنا ثمار هذا المدرب [كمنج] سنة 1981 عندما حقق الفريق أول بطولة دوري» يقول راتب الداود أحد أبرز وجوه الجيل الذهبي للفريق تلك الفترة.

وفي السنة التالية حافظ الفريق على لقبه، ففاز بالدوري مرّة جديدة. استفاد لاعبو الفريق حينها من الخبرة التي راكمها المدرّبون الأجانب، كما استفادوا من اللعب مع فرق ومنتخبات عربية وغربية؛ إذ لعبَ الفريق وديًا مع فريق ساوثهامبتون الإنجليزي، ومنتخب النرويج، وعسكر أكثر من مرة في العراق وسوريا.


يتذكّر الداود المدّ الشعبي خلف الفريق تلك الفترة؛ وقتها حمّلت سياراتُ الشحن الناس إلى الملعب، وحضر المباريات كبار السن. حتى أن من حضروا تلك الفترة يروون أن أحد محبي النادي، وكان بصره ضعيفًا، سمح له بالجلوس على مقاعد بدلاء الفريق ليكون أقرب للملعب.

خارج الملعب، وزّعت نساء الرمثا قراص العيد والكبة الرمثاوية على المحتفلين، كما تتذكرّ أميرة الغانم وكانت في الثانية عشرة من عمرها. فيما يتذكّر الثمانيني أحمد الرشدان كيف اكتظت البلد، «بالتريلات يساووا هيزعة» عندما فاز الرمثا بلقب الدوري.

يُقال إنه وحين انتهت حقبة المدرب الاسكتلندي جورج بلوس الذي حقق مع الفريق بطولتي العامين 1981 و1982 غادر الأردن وأخذ معه ما قدّمته نساء الرمثا له، الكبّة الرمثاوية.

بعد العام 1982، لم ينجح فريق الرمثا في الحصول على لقب الدوري، مع أنه حقق ألقاب كأس الكؤوس، وكأس الأردن، ودرع الاتحاد أكثر من مرّة. وبالرغم من ذلك واصل الفريق إمداد المنتخب الأردني بلاعبين استثنائيين، مثل أحد الهدّافين التاريخيين للمنتخب التاريخي بدران الشقران. وأحد أصغر حرّاس المرمى في المنتخب الأردني (19 سنة) أحمد أبو ناصوح الملقّب بـ«زينغا» على اسم الحارس الإيطالي حينها والتر زينيغا، وماكينة الأهداف موفق أبو هضيب الذي شارك الرمثا في الحصول على المرتبة الثالثة في بطولة الأندية الآسيوية بعد التعادل أمام مالافان الإيراني عام 1991. شعبيًا ارتفعت شعبيّة الفريق والهوس به فسمّت العائلات أبناءها على أسماء اللاعبين القدامى، يذكر أهل الرمثا شخصًا سمّى ثلاثة من أبنائه على أسماء لاعبي الجيل الذهبي: محمد العرسان، راتب الداود، وخالد الزعبي.

شمّلت… منتهية
بعد 39 سنة على آخر لقب للرمثا، وقبل جولتين من نهاية الدوري الأردني للمحترفين 2021؛ بدأت مظاهر احتفال الشباب أمام المقاهي بعد كل مباراة يفوز بها الفريق؛ يُغلَق الشارع الرئيسيّ وتنطلق السيّارات، ويشهد دوار الـ500 وسط المدينة مظاهرَ احتفال محدودة. 

قبل مباراة الرمثا الفاصلة مع الجزيرة بيوم، وكان الفريق بحاجة إلى تعادل أو فوز ليتوّج باللقب الغائب منذ عقود، تجمّع باعة قمصان النادي وشعاراته منذ المساء، وأنهت رابطة مشجعي الفريق ترتيبات نقل المشجعين إلى عمّان، وعزّزت المقاهي صالاتها بشاشات كبيرة وألغت المقاهي طاولات استقبال المتابعين وفردت مكانها الكراسي، ونُصِبت شاشة كبيرة في استاد الأمير هاشم في المدينة. ومع ساعات المساء المتأخرة من يوم الأربعاء حدّد كل شخص مكان حضور المباراة؛ لا يحضر الرمثاوي مباراة فريقه وحده، إنما مع الناس، في المقهى، استاد الأمير هاشم، أو الملعب، أو في البيوت مع العائلة أو الأصدقاء.

في الشارع، لم تكن الأجواء أجواء مباريات بقدر ما كانت أجواء احتفال؛ إذ عُلّقت يافطات «غزلان الشمال أبطال دوري 2021»، وجالت بكبات محمّلة بالجمال المعدة للذبح الشوارع، ونذرت النذور. في بيت أم سعيد قدّمت لنا الكبة الرمثاوية بمناسبة الاحتفال، ونَذرت توزيع قراص العيد على الناس يوم الخميس. قرّر الناس الاحتفال حتى قبل أن تُلعَبَ المباراة الأخيرة، وكان الشعار الموحد هناك: «شملت، منتهية».

يوم المباراة
صباح الخميس، ذهب طلاب المدارس بلباس الرمثا إلى الصفوف، وخرج الناس إلى الدوار مع الظهيرة، وأُغلق وسط المدينة. لم ينتظر بعض كبار السن إلى ما بعد المباراة ونتيجتها. خرجت الخمسينية أميرة الغانم إلى الدوار لاستذكار ذكرى احتفال 1981 و1982، ووزعت مع النساء قراص العيد والكبة، «[نفس] شعوري وأنا صغيرة حسيته هسه». ولم يطق الثمانيني أحمد الرشدان الجلوس في البيت وحده فخرج إلى الدوار، «إذا صارلي أروح على المدرج [أروح]، يا يحطولي تلفزيون بالدار. أنا قاعد ما جاني صبر قلت أروح أتطمّن».

مع حلول الساعة السادسة أخليت الشوارع، توجه الناس لملعب الأمير هاشم والمقاهي والبيوت. وفي الحواري المختلفة يمكن لك سماع صوت معلّق المباراة يصدح من داخل البيوت.

وبمجرّد انتهاء المباراة أغلقت المدينة بالكامل، وفاضت شوارعها بآلاف المحتفلين. فيما كانت الأغنية الأكثر انتشارًا تلك التي يغنيها ابن المدينة عيسى السقار: وعينا ع الدنيا، وع الدنيا وعينا، وحبّ الرُمثا عايش فينا، كنّه بلوى أو علّة فينا، يا ربي من حبّه لا لا تشفينا.

 

 لتصلك أبرز المقالات والتقارير اشترك/ي بنشرة حبر البريدية

Our Newsletter القائمة البريدية