المشي في مسار الباص السريع

«ممشى الباص السريع»: عن انتزاع مساحةٍ مفتوحةٍ في عمّان

المشي في مسار الباص السريع في شارع الملكة رانيا. تصوير روان نخلة.

«ممشى الباص السريع»: عن انتزاع مساحةٍ مفتوحةٍ في عمّان

الثلاثاء 06 تشرين الأول 2020

مع تقليص عدد ساعات حظر التجول للمواطنين في شهر حزيران الماضي، وبدء تطبيقه عند الساعة الثانية عشرة من منتصف الليل، بدأت ثلاثة مساراتٍ لمشروع الباص السريع في عمّان تشهد حركة وإقبالًا متزايدًا عليها، بدءًا من مغيب الشمس وحتى منتصف الليل، لممارسة رياضة المشي ورياضات أخرى، كما صارت المسارات مساحات للتنزّه أيضًا.

المسار الأول هو مسار شارع الملكة رانيا، والمعروف بشارع الجامعة، الممتد من إشارة الدوريات الخارجية وحتى دوار المدينة الرياضية. ويتركز تواجد المشاة فيه من إشارة الدوريات وحتى مستشفى الجامعة الأردنية، ثم تقلّ الأعداد بشكل تدريجيّ.

أما المسار الثاني فهو مسار شارع وزارة الصحة، الممتد من إشارات مستشفى الأمير حمزة حتى بداية حي الأتراك، لمسافة تبلغ حوالي كيلومتر واحد في منطقة الهاشمي الشمالي. والمسار الثالث موجود في وادي عبدون، بالقرب من إشارة المهاجرين، ما بين إشارة «المركز العربي» وإشارة «القيسية» وإشارة «شارع المهاجرين».

فما الذي يقوله تحوّل مسار الباص السريع إلى ممشى عن المساحات المفتوحة في عمّان؟ وكيف ينظر رواد المسارات إلى هذا الاستخدام لمسار الباص السريع؟

«ما في مجال نمشي في الشوارع»

أبرز مسارات المشي في ممشى الباص السريع هو مسار شارع الملكة رانيا، ففيه تجد الناس من مختلف الفئات العمرية، ضمن مجموعات صغيرة وعائلات أو أفراد متفرقين، ما بين جالسين على أطراف الطريق، أو ممارسين للمشي أو ركوب الدراجات الهوائية، أو متزلجين بالعجلات «السكيت»، أو متنزهين مع الكلاب.

 

 

تمارس إيمان جمعة (25 عامًا) رياضة المشي في محيط الجامعة الأردنية منذ العام 2013، وبدأت تتردد على مسار الباص السريع في شارع الملكة رانيا مع عائلتها منذ العام 2017. تخبرنا، بناء على ملاحظتها الشخصية، عن تغيّر أعداد الممارسين لرياضة المشي في المنطقة على مدى السنوات السبع الأخيرة، وخاصة في الفترة التي تلت حظر التجول، فتقول إنّه ومنذ إغلاق دوار المدينة الرياضية «عدد الناس ازداد. قبل كان في كم حد يلعب رياضة، بس من الـ2017 الناس بلشت تنزل تمشي فيه»، وتضيف «بس من بعد الحظر الأعداد جدًا زادت واختلفت الأنشطة في ناس بتعشوا، في بتصوروا، في بلعبوا ع البسكليت، وفي جري سريع. صار المكان متنفس للناس».

رغم تغير مكان إقامة إيمان وانتقالها إلى صافوط إلا أنّها ما زالت تتردد على مسار الباص السريع لممارسة المشي بصحبة صديقتها سهر الحموري (43 عامًا)، التي ترى في المسار «المكان الوحيد يلي ممكن نخرج ونتمشى فيه، ما في مجال نمشي في الشوارع».

سهر وإيمان في مسار الباص السريع في شارع الملكة رانيا. تصوير روان نخلة.

تلتقي سهر وإيمان يوميًا بعد انتهاء دوامهما مع بدء مغيب الشمس، أو بين الساعة العاشرة والحادية عشرة ليلًا، لتمشيا مدة ساعة في المسافة الواقعة بين مسجد الجامعة الأردنية وإشارة الدوريات. تقول سهر عن سبب ارتيادها للمسار «أنا ساكنة بشقة وبدي متنفس إلي، فالشارع حلو وآمن في نظري، وبعد الحظر كانت الناس ما تصدق ع الله وتخرج، كانت مضغوطة». أما إيمان فتوضح أنّ ما يشجعها للاستمرار في التردد عليه هو ازدياد أعداد المستخدمين للمسار «طول ما أنا ماشية في ناس مختلفة في أطياف مختلفة وفي أشياء مختلفة، بحب أمشي بوسط العالم وأضيع بينهم، بغيّر جو وبخفف ضغط، وبتعرّف ع الناس (..) بتحسي المكان قرّب الناس لبعضها».

أما طارق الشقيري (41 عامًا)، فكان يمارس المشي بانتظام ضمن مجموعاتٍ مرّتين في الأسبوع في حدائق الحسين، إلا أنّه اختار المشي في مسار الباص السريع في الآونة الأخيرة لكونه أكثر قربًا لبيته في صويلح. ومما ساهم في رغبته في استخدام المسار، وجوده في قلب المدينة، وقربه من المحال التجارية التي يستطيع الجميع الذهاب إليها في حال احتياجهم لشيء قبل عودتهم لمنازلهم.

يمشي طارق مساءً بمعدل ساعتين يوميًا، من بيته وحتى دوار المدينة الرياضية وبالعكس، «استفدت كونها رياضة، ونفست عن حالي الضغوطات كلها»، ويضيف: «البلد ما فيها ممشى (..) لقينا مسار الباص السريع لنفرّغ الطاقة السلبية المحشورين فيها بالبيت، اكتئابنا، ضغطنا، والوضع المادي وكمان ضغط الأخبار حول الكورونا يلي بتزيد».

مسار الباص السريع في شارع الملكة رانيا مساءً. تصوير روان نخلة.

يضيف طارق، أنّ من امتيازات المسار وجود الناس على امتداده، ما يجعله مؤنسًا للمشي فيه، كما أتاح له المسار مراقبة الناس وسلوكهم ومتابعة حركتهم وطبيعة تفاعلاتهم مع بعضهم، فلاحظ مثلًا انتشار الباعة المتجولين ومؤجري الدراجات الهوائية، كما أصبح مكانًا لالتقاء المعارف وتعارف الناس على بعضهم وتكوين علاقات جديدة. ويوضح أنّ مما لفت انتباهه تنوع جنسيات مستخدمي المسار، كون استخدامه لا يترتب عليه أيّ تكاليف مادية ويناسب الفئات المختلفة.

مع بداية انتشار الوباء في العالم والتحذيرات المصاحبة له، والتشديد على الالتزام بالتدابير الوقائية خاصةً تلك الموجهة للأشخاص الأكبر سنًّا لكونهم من بين الفئات الأكثر عرضةً لتدهور حالتهم الصحية في حال إصابتهم بالفيروس، امتثلت ميري البهو (63 عامًا) لنصائح الوقاية من الفيروس، ما جعلها تلتزم بيتها تمامًا، وساهم في ذلك أيضًا تعليق عمل مكاتب السياحة مؤقتًا، إذ تمتلك مكتبًا للسياحة والسفر.

ميري وعائلتها في مسار الباص السريع في شارع الملكة رانيا. تصوير روان نخلة.

تقول ميري إنّ التزامها بيتها طيلة الفترة التي سبقت السماح بالتجول خلال ساعات المساء، جعلها تحت ضغط نفسيّ وإحباط دعاها للتفكير بمخرج مما تعايشه، فقررت ممارسة رياضة المشي مع زوجة أخيها وابنتيه. تأتي ميري من منطقة صافوط للمشي في مسار الباص السريع من الساعة السابعة والنصف وحتى الثامنة والنصف مساءً، وتؤكد أنّها لم تكن تمارس الرياضة سابقًا على الإطلاق، لكن ما عايشته خلال الفترة الماضية دفعها لذلك، «الكورونا حطتنا بأشياء كلشي مختلف عليكِ (..) أنا بحبش الرياضة بس المشي حاببته وهاد المكان ما كنا نحلم فيه (..) وفرلي مساحة وبتتنفسي هوا نظيف، والوحيد يلي بتقدري تمشي فيه مرتاحة وبأمان وبدون ما حد يضايقك، وبنشوف الناس كل يوم، صرنا مألوفين لبعض».

وترى ميري أنّ النشاط اليومي الذي تمارسه مع عائلتها ساهم في توطيد العلاقة معهم، إذ أصبح لزامًا عليهم الالتقاء بشكل يوميّ.

يبلغ عدد الحدائق العامة في العاصمة عمّان 143 حديقة، و16 متنزهًا، حصّة لواء الجامعة منها ثلاثة متنزهات و21 حديقة، بحسب ميرفت مهيرات، نائب مدير المدينة لشؤون الصحة والزراعة، في أمانة عمّان الكبرى.

بهجت وحسين يمشيان في مسار الباص السريع. تصوير روان نخلة.

غياب المساحات المفتوحة في عمّان

يوضّح د. خالد المومني، رئيس لجنة التخطيط العمراني في نقابة المهندسين الأردنيين، أنّ العاصمة عمّان تعاني نقصًا كبيرًا في الفراغات الحضرية والمساحات المفتوحة والمتنزهات والحدائق، وأنّ شوارعها تفتقر للممرات الخاصة بالمشاة. ويقول: «لازم يراعي التخطيط الأساسي لكل حيّ وجود مركز للخدمات خاص فيه، مساحات مخصصة للتنزه والترفيه، وممرات للمشاة».

ويشير إلى وجود نوعين من ممرات المشاة، الأول هو مسارات مخصصة فقط للمشاة، وهو ما يغيب عن شوارع العاصمة، والثاني رصيف المشاة، والذي عادةً ما يكون ضيقًا وغير متصلٍ أو مستمرٍ على امتداد الشارع، مع وجود معيقات عديدة عليه مثل أعمدة الإنارة والأشجار، وبحسب المومني فبموجب أنظمة التنظيم المرتبطة بالأرصفة فإنّ مسؤولية تجهيز وتبليط الرصيف تقع على عاتق مالك القطعة أو المبنى الذي يقع الرصيف أمامه، «الناس بزرعوا شجرة بنص الرصيف، والشجرة بتحتل مسار المشاة، فبضطروا المشاة يتنافسوا مع المركبات على الشارع وهذا بعرضهم للخطر».

ومع انعدام وجود مسارات مخصصة للدراجات الهوائية في شوارع العاصمة، يلجأ راكبوها لاستخدام الشوارع المخصصة للمركبات، معرضين أنفسهم لخطر حوادث الدهس والاصطدام، ما دفع محمد محاسنة (33 عامًا) للتفكير بمسار الباص السريع كأحد الحلول في الأيام التي يمارس فيها الرياضة لوحده، «جيتي هون فقط لإنه في نوع من الأمان، بستغل عدم وجود سيارات (..) ما في أماكن مخصصة لأي مسار بسكليت بعمان على الإطلاق، ودايمًا بنواجه خطورة».

محمد محاسنة يركب دراجته في مسار الباص السريع في شارع الملكة رانيا. تصوير روان نخلة.

يأتي محمد من منطقة طبربور إلى مسار شارع الملكة رانيا منذ شهر تموز الماضي، يومين في الأسبوع، لمدة ساعتين مساءً، يقطع خلالها المسافة الواقعة بين إشارة الدوريات ودوار المدينة الرياضية أو بين إشارة الدوريات ومستشفى الإسراء.

يشير محمد أنّه لم يكن يرى سابقًا راكبي دراجات هوائية في المسار، إلا أنّه يلحظ اليوم أنّ المكان أصبح يشهد تزايدًا لراكبي الدراجات ذكورًا وإناثًا.

ويوضح المومني أنّ مسؤولية توفير الفراغات الحضرية والحدائق والمساحات المفتوحة وممرات المشاة وممرات راكبي الدراجات الآمنة، ملقاة على البلديات «المفروض توفرها من خلال الضرائب يلي الناس بتدفعها».

أما المحامي محمد النسور (36 عامًا) فيستخدم دراجته الهوائية وسيلة للتنقل عند الذهاب لعمله، ومع تقليص ساعات الحظر كان المسار خياره الأفضل لممارسة الرياضة في حال لم يركب دراجته خلال اليوم، فيبدأ من إشارة الدوريات الخارجية وصولًا إلى الجسر المقابل لصحيفة الدستور. يقول محمد إنّه حين قرر استخدام المسار لم يفكّر إلا بما يمتاز به من ناحية رياضية، فالمسافة الواقعة بين جسر صحيفة الدستور وإشارة الدوريات يمكن استخدامها لغاياتٍ رياضية وبالتالي إمكانية حرق سعرات حرارية، ولا يرى المسار بديلًا بقدر ما يرى أنه يقدم له تجربة جديدة «المكان الوحيد المتوفر المدينة الرياضية، ما برتادها لإنها مملة ومحصورة، بحب الأماكن المفتوحة (..) بتخليني أفكر أكثر وممكن تلهمني بفكرة».

محمد النسور يركب دراجته في مسار الباص السريع في شارع الملكة رانيا. تصوير روان نخلة.

ورغم رؤيته أن المكان أصبح متنفسًا، وإعجابه بتواجد الناس فيه على اختلافاتهم إلا أنه يرى أنّ المكان غير مناسب تمامًا للنشاط العائلي، فعند مجيئه مع زوجته وطفله رأى أنّ الحدائق أكثر أمانًا منه، ويؤكد «ما فيه خيارات مسلية للأطفال مثل المراجيح، المكان بالنهاية مخصص لمسرب الباص احنا بنستخدمه لحين استخدامه لما وجد لأجله».

ومع تزايد أعداد المستخدمين لمسار الباص السريع قرر خليل* (28 عامًا) بعد عطلة عيد الفطر، أن يستأجر عددًا من الدراجات الهوائية بأحجام مختلفة، ليقوم بدوره بتأجيرها لمستخدمي المسار. يقول «كنت قاعد بشرب قهوة بالمسار الموجود عنا بطبربور فخطرلي ليش ما أأجر بسكليتات للناس، حفزني إنه الناس بتركض،(..) إحنا مش متعودين، فقررت أروح أأجر بسكليات بشارع الجامعة كونه في مسافة طويلة».

كما استثمر عددٌ من الباعة المتجولين المكان وأصبح مقصدًا لهم، «المكان هاد فيه كافة أطياف الشعب، إحنا بينّا بنسميه شارع الطفرانين»، كما يقولون. مصطفى* (25 عامًا) كان يعمل في أحد فنادق عمّان عامل تنظيف، وتعطّل عن العمل مع بدء الجائحة، ولم يحصل على راتبه منذ أيار الماضي، ما اضطره للعمل بائعًا على بسطة خضار في وسط البلد نهارًا، ثم بدأ يبيع «الترمس» للمتنزهين في المسار ليلًا. يقول مصطفى «أنا من سكان المنطقة، شفت الناس بتيجي، فبنزل المسا ببيع من الستة ونص للـ11، والناس بتحب هاي الشغلات»، ويوضّح أنّ هذا العمل يساعده على إعالة أسرته المكونة من ستة أفراد.


تم إنتاج هذا التقرير ضمن مشروع «عيون» للصحافة المحلية.

*أسماء مستعارة بناء على طلب من أصحابها.