الملعب البلدي في الزرقاء: متنفّسٌ للأهالي رغم تواضع الخدمات

شبّان من سكان حي جناعة يلعبون مباراة ودية على الملعب الرئيسي. تصوير شربل ديسي.

الملعب البلدي في الزرقاء: متنفّسٌ للأهالي رغم تواضع الخدمات

الأحد 09 كانون الثاني 2022

بزيّهم الموحّد وحقائبهم المدرسيّة يتوافد بعض طلبة الصفوف الابتدائية، بعد انتهاء يومهم الدراسيّ، إلى ساحة الملعب البلديّ، للعبِ كرة القدم في المتنفّس المتاح لهم بعيدًا عن الشوارع الضيقة المكتظة والمباني المتلاصقة، في أحد أقدم الأحياء السكنيّة في مدينة الزرقاء؛ حيّ جنَاعة.

يتبعهم مساءً يافعون وأطفال آخرون قادمون من الأحياء المجاورة؛ حي الضبّاط ووادي حجر والجبل الأبيض. ينقسمون إلى مجموعات تأخذ كل واحدة منها حيّزًا من الملعب، فيستحوذ اليافعون على الأرضيّة العشبية، فيما يحجز الصغار مكانهم على حواف الملعب الترابيّة.

تُركل الكرات على أرض هذا الملعب منذ سبعينيات القرن الماضي، حين كانت خاويةً فاستخدمها الأهالي للعب كرة القدم، قبل أن يُشيّد الملعب البلديّ ويتأسس رسميًا عام 1980. يعرف الملعب باسم «ملعب الزرقا» أو «ملعب جناعة»، وفي عام 2011 أطلق عليه مجلس بلدية الزرقاء اسم ملعب زين الخوالدة، تخليدًا لذكرى حارس مرمى نادي الفيصلي الذي توفّي في حادث سير في تموز من العام نفسه.

إلى جانب مرتادي الملعب، يتواجد فيه يوميًا أسامة الخطيب (42 عامًا)، وهو الآن موظف حكومي يعمل مدربًا في الملعب، ويشرف على ملاعبه الثلاثة؛ الملعب الرئيسي وملعبان خماسيّان، لكن علاقته بالملعب تمتد لما يقرب من 30 سنة، حيث بدأ فيه عام 1992 مسيرته الرياضية لاعبًا ضمن منافسات شعبية بدأت بدوري المساجد، ثم دوري المدارس، ثم المحافظات.

كان الخطيب يحرص حينها على الالتزام بالتمرين ولعب كرة القدم يوميًا في الملعب البلدي، من الواحدة ظهرًا حتى السادسة مساءً، قادمًا إليه من حي رمزي على بعد 3.5 كم تقريبًا، فهو ملعب المدينة الكبير الذي تقام عليه المنافسات الشعبية نظرًا لاتساع مساحته.

كانت أرضية الملعب آنذاك ترابية، ولتجنّب الإصابات التي قد تتعذّر معها المشاركة في المباريات، كان الخطيب وزملاءه في الدراسة يقصدون الملعب قبل كل مباراة لتنظيفه من الحجارة والحصى، وإعادة تخطيطه برمل صويلح الأبيض، «في بعض أيام التدريب كنّا نروّح على البيت مجروحين من أرضية الملعب والحجارة الصغيرة فيها»، يقول الخطيب.

انضم الخطيب عام 1998 إلى نادي الزرقاء، وخاض مع فريقه عدة مباريات في الملعب البلدي، قبل أن يلتحق عام 2001 بنادي شباب الحسين ليلعب في صفوفه 13 موسمًا، قبل أن ينهي مشواره لاعبًا عام 2013، ويصير مدربًا في الملعب نفسه، بالإضافة إلى تدريبه في أكاديمية خاصة لكرة القدم.

يقول الخطيب إن عددًا من نجوم كرة القدم الأردنية لعبوا أو تدربوا في بداياتهم على أرضية الملعب البلدي، قبل أن ينضموا إلى أندية الدرجة الأولى، يذكر منهم إبراهيم سعدية، والأخوان جهاد وهشام عبد المنعم، النجوم السابقين لنادي الوحدات، ولاعب نادي الفيصلي سابقًا خالد سعد، وعدي الصيفي الذي احترف اللعب في نادي النصر الكويتي، إضافة إلى عبد الإله الحناحنة الذي يلعب حاليًا في نادي اليرموك، وقد لعب سابقًا في الفيصلي ونادي الحسين إربد.

البوابة الرئيسية للملعب البلدي من الداخل.

الملعب غير صالحٍ للمحترفين

ظلّ الملعب البلدي في الزرقاء لعقودٍ بأرضيةٍ ترابية غير مكتملة التجهيزات، فلم تُفرش أرضية الملعب الرئيسي بالعشب الصناعي حسب المواصفات الدولية إلا عام 2007، وقامت بلدية الزرقاء -بالتعاون مع منظمة دولية وجمعية محلية- بتنجيل الملعبيْن الخماسيّين عام 2010. لكن هذا لم يمنع إقامة عددٍ كبيرٍ من مباريات الاتحاد الأردني على أرضيته الترابية، بحسب محمد الخوالدة، المدير السابق لدائرة النشاط الرياضي في بلدية الزرقاء، وهو الذي أدار الملعب منذ تأسيسه حتى عام 2017، «دوري المحترفين ومباريات أندية الدرجة الأولى كانت تُقام على هذا الملعب وتُنقل على الهواء مباشرة»، يقول الخوالدة.

تغيّر الحال في السنوات الأخيرة، فلم تعد أرضية الملعب الرئيسي صالحة للعب الاحترافي لما قد تسببه من إصابات وجروح خطيرة للاعبين، «العشبة لازم تتغير كل ثلاث سنوات، عشبة الملعب الرئيس ما تغيرت من 14 سنة، صارت مثل الأرض الإسمنتية، المحترفين ما بقدروا يلعبوا عليها»، يقول الخطيب. دفع هذا الحال أندية الدرجات الأولى والثانية والثالثة لهجرِ الملعب البلدي منذ عام 2018، والاستعاضة عنه باستاد مدينة الأمير محمد للشباب التي افتتحت عام 1999.

وقد طال سوء الحال مدرجات الملعب أيضًا، فهي منذ سنوات متهالكة وآيلة للسقوط، ما دفع إدارة الملعب لهدم جزء منها عام 2011، ثم أغلقت بشكل كامل عام 2019، كما أُغلقت الصالة الخاصة باللاعبين لوجودها تحت المدرجات.

مدرجات الملعب البلدي المغلقة.

ينسحب الأمر على الملعبين الخماسيّين، فأرضيّتهما صلبة وغير مستوية، «وإحنا بنلعب وقعت رجلي بحفرة موجودة في الملعب، عجزت بسببها عن ممارسة الرياضة عشرين يوم»، يقول حمزة داود (30 عامًا) والذي يرتاد الملعب منذ حوالي 15 سنة.

بعد إصابته، توقف داود عن اللعب في الملاعب الخماسية، «كنّا نجتمع أنا والأصدقاء كل خميس، نتفق مع فريق ثاني ونلعب في الخماسي، بعد الإصابة بطّلنا»، وصاروا عوضًا عن ذلك يلعبون في ملاعب خاصة في الرصيفة أو جبل طارق، «المسافة أبعد، والمساحة أضيق، لكن جودة الخدمات والأرضيّة أفضل وأصلح للعب»، يقول داود. وهم بكل الأحوال لم يتوقفوا تمامًا عن زيارة الملعب، بل يقصدونه مرتين في الأسبوع للركض داخل الملعب الرئيسي إذا كان متاحًا، أو على الإسفلت المحيط به، «صحيح مش صحي وغير مريح، لكن أفضل من الركض في الشارع واحتمالية التعرّض للدهس أو الإصابة من الحجارة أو القزاز».

بالإضافة إلى ما سبق، ثمة مشكلة في إضاءة الملعب، فالإنارة خافتة وصفراء بدلًا من أن تكون بيضاء كما هو معتمدٌ في الملاعب الأخرى. فضلًا عن تردّي المرافق الصحية داخل الملعب. لذا، يرى داود أن سوء حال الأرضيات والخدمات العامة في الملعب يحدّ من قدرة الملعب البلدي على توفير بيئة رياضية جيدة.

صالة اللاعبين أسفل المدرجات الآيلة للسقوط.

يتفق مدير الملعب جعفر الخوالدة مع داود، قائلًا: «ما حد بيجي من المحترفين يلعب بسبب الأرضية، أما الشباب بيجوا لأنه ما في بديل غيره». مشيرًا إلى أن إدارة الملعب تخاطب الجهات المعنية منذ سنوات من أجل تأهيل الأرضيات والمدرجات، وحتى توفير شباكٍ للمرمى، «خاطبنا كل الجهات المعنيّة، ابتداءً بالبلدية، والمحافظة، وزارة التخطيط، وزارة الشباب، الاتحاد الأردني، دون أي إجابة».

«موازنة البلدية وموازنة الملعب ما بتكفي لإجراء كل الإصلاحات»، يقول الخوالدة. وبحسب تقديراته فإن الملعب يحتاج إلى ما يقرب من 250 ألف دينار من أجل تجديد أرضيّاته وإعادة ترميم مدرجاته. لكنه لا يحظى بأي اهتمام من الجهات المعنية ولا يحصل منها على أي مخصصات مالية باستثناء 200 ألف دينار تُنفق على رواتب 36 موظفًا في الملعب.

حفر وتشققات في أرضية الملعب الرئيسي.

أكثر من مجرّد ملعب

على امتداد الشارع المحاذي للملعب ثمة محلاتٌ تجارية يعمل أغلبها في بيع المواد التموينية أو المشروبات الساخنة. في واحدٍ من هذه المحلات يجلس أنور الخطيب (62 عامًا)، وقد وُلد وتربّى في منزل صغير مقابل الملعب في حيّ جناعة. في عام 1999 افتتح الخطيب دكانًا لبيع المواد التموينية مقابل البوابة الرئيسية للملعب، معولًا على الحركة النشطة من جماهير المباريات الرسمية التي كانت تقام في الملعب آنذاك، «كان الجمهور ييجي من عمّان، الكرك وبلعما، كنت ما ألحق على الناس، أبيع في اليوم بـ300 دينار».

جانب من المحلات التجارية المحاذية للملعب البلدي في حي جناعة.

مع فرشه بالعشب الصناعي عام 2007، زاد الإقبال على الملعب فصار يستضيف عددًا أكبر من المباريات والفعاليات الاجتماعية، وإن تسبب ذلك في ازدياد حركة الناس إلى الحيّ، إلا أنه ترافق كذلك مع ازدياد في أعداد المحلات التجارية في المنطقة، «كل عشرين متر محل، تفرقت الرزقة»، يقول الخطيب.

ثم انخفضت الحركة بشكل حادّ عند انتقال مباريات الدرجة الأولى إلى استاد مدينة الأمير محمد للشباب، ما انعكس بشكل ملحوظ على مداخيل دكّان الخطيب: «هسة بتمر ساعة كاملة ما بدخل على الدكان حد، الوضع مهدّي على الآخر».

ومع ذلك، لا يزال الملعب مقصدًا لأهالي حي جناعة المكتظ بالسكان، ففيه مساحة آمنة يركض فيها أطفالهم ويلعبون كرة القدم، كما أنه متنفّس للكبار في الليالي الصيفية حيث يتنزهون فيه ويجلسون في ساحاته، «البيوت كلها بصفّ بعض، ما في مجال الواحد يتنفس، بننزل أنا وعيلتي مع شاي وبزر وأرجيلة وبنقعد بالساحة»، يقول يوسف أبو الهيجاء، أحد جيران الملعب.

يعيش أبو الهيجاء (38 عامًا) منذ طفولته في حي جناعة، ولا يبعد منزله عن الملعب إلا خطوات قليلة، وهو يرى أن الملعب يوفر مساحة ترفيهية مناسبة نظرًا لقربه وإضاءته واتساع مساحته، «مش دايمًا الحال بسمح الواحد ياخذ مواصلات ويروح مطاعم وحدائق ليرفّه عن نفسه، بهاي الحالة الملعب بسدّ».

الملعب الخماسي في الملعب البلدي.

إضافة إلى الترفيه، يعتمد بعض أهالي الحي على ساحة الملعب الرئيسي في إقامة صلوات الأعياد والحفلات والأعراس وبيوت العزاء، «بصدف تلاقي على البوابة الرئيسيّة بيت أجر، وعلى البوابة الثانية حفلة تخرّج»، يقول الخوالدة. مؤكدًا أن الملعب لا يتقاضى أية مبالغ مالية مقابل إقامة الفعاليات عليه، سواء كانت فعاليات خاصة أو عامة: «ما في أي دخل بفوت للملعب نهائي، كله خدمة للمجتمع المحلي من 40 سنة».

ورغم سوء الأرضيات، إلا أن بعض الأنشطة الرياضية والتدريبية ما زالت تقام في ساحاته، كتدريبات الأندية النسائية، ومباريات دوري المدارس، وبطولة رمضان السنوية التي تقام على الملاعب الخماسية ويتنافس فيها حوالي 50 فريقًا من مختلف مدن المملكة، كما تلجأ وزارة الشباب للملعب أحيانًا لتدريب بعض الأندية الرياضية في محافظة الزرقاء، وتجري عليه تدريباتٌ للأمن العام والدفاع المدني. ومن جانب آخر، تقصده بعض المنظمات الإنسانية لوضع المساعدات فيه وتوزيعها على اللاجئين السوريين في المحافظة.

وكان الملعب قد استضاف سابقًا عدة فعاليات ثقافية واجتماعية، من أبرزها فعاليات مهرجان شبيب للثقافة والفنون منذ تأسيسه عام 1995 حتى العام 2004، حيث انتقل المهرجان بعدها إلى عمان ومحافظات أخرى بسبب عدم توفر مساحات كافية وأماكن مناسبة في الملعب لإقامة الفعاليات، بحسب الخوالدة.

كما استضاف الملعب عام 2000 فرقة العاشقين الفلسطينية. وفي 2010 نصبت فيه البلدية شاشة لعرض مباريات كأس العالم مجانًا. وأقيمت عليه احتفالات بالمناسبات الوطنية، ومحاضرات دينيّة كان أبرزها محاضرة للشيخ محمد راتب النابلسي حضرها ما يقرب من 10 آلاف شخص. وكانت حفلات التخرج من كلية المجتمع الإسلامي تقام فيه حتى العام 2011.

توقف الملعب منذ سنوات عن استقبال مثل هذه الفعاليات. لكن المدرب أسامة الخطيب يرى أن استعادة مثل هذه النشاطات ما زال أمرًا ممكنًا: «بمجرد ما تتجدد العشبة، وينعمل إعادة ترميم للمدرجات، راح يرجع الملعب محطة للفعاليات مثل أول وأحسن». من جهته، يقول حمزة داود إنه «ما بكون مبسوط لمّا بروح عليه»، لكن «بهمّني يظل في مكان نلجأ إله أنا والشباب ونرفّه عن حالنا».

شباب من سكان حي جناعة يلعبون مباراة ودية على الملعب الرئيسي.


تم إنتاج هذا التقرير كجزء من زمالة «عيون» للصحافة المحلية.

 لتصلك أبرز المقالات والتقارير اشترك/ي بنشرة حبر البريدية

Our Newsletter القائمة البريدية