نهاية الحكاية: لن يكون برشلونة على حاله بعد ميسي

الجمعة 28 آب 2020
Lionel Messi Barcelona
ليونيل ميسي خلال مباراة برشلونة وبايرن ميونخ في لشبونة، ضمن الدور ربع النهائي من دوري أبطال أوروبا، 14 آب 2020. تصوير مانو فيرنانديز، أ ف ب.

نشر هذا المقال بالإنجليزية على موقع صحيفة الغارديان بتاريخ 26 آب 2020.

النهاية وشيكة. هذا ما قاله ليونيل ميسي ليلةَ حصوله على كرته الذهبيّة السّادسة. وكما كان من الصعب على مشجعي برشلونة أن يتقبّلوا ذلك حينها، فقد بات الأمر الآن أصعب، ولا تكمن صعوبته فقط في أنه بعد ثمانية أشهر [على ذاك التصريح] بات الأمر أقرب وحقيقيًا أكثر من أيّ وقت مضى. كانوا يعرفون في قرارة أنفسهم أنّه سيغادر قريبًا، فقد قال «صار عمري 32 عامًا»، لكنهم لم يكونوا بحاجةٍ للتذكير حتى يصدمهم الواقع بعدها مباشرةً. ما لم يتخيله أحد هو أنه سيغادر بهذه السرعة ولا بهذه الطريقة، ولا أن تصل الأمور إلى هنا: إلى هذه النهاية المريرة والكسيرة.

إذا كان من الصعب على مشجعي برشلونة أن يتخيلوا توقُّف ميسي عن لعب كرة القدم، فمن الأصعب عليهم أن يتخيّلوا ميسي وقد كفّ فقط عن اللعب في صفوفهم. المسألة في صميمها ليست مسألة مغادرة ميسي، بل: متى سيغادر، ولماذا سيغادر، وكيف سيغادر. وإلى أين سيذهب: مانشستر سيتي أم باريس سان جيرمان أم يوفنتوس؟ لا يهمّ. المهم هو أنّه ذاهبٌ للعب في نادٍ آخر. فعندما قال إن النهاية وشيكة، تخيّلوا أن يصلوا إلى تلك النهاية معًا، وأن تكون مباراته الأخيرة، مثل مباراته الأولى: بقميص برشلونة. تخيّلوا أن يكون وداعًا حانيًا تبلله الدموع؛ أن يكون احتفالًا جماعيًا بات اليوم محالًا. 

كان ردّ الفعل على استخدامه كلمة «الاعتزال» في تلك الليلة من كانون الأول/ديسمبر الماضي كاشفًا، ودبّ الذعر في قلوب الجميع، كمن يقول «إياك أن تنطق بهذه الكلمة» وكأنهم يريدون الهروب من حقيقةٍ لا يحتملون التفكير فيها. وخوفًا من أن يكشف ميسي أمرهم، سارع مجلس النادي للردّ. وقال الرئيس جوسيب ماريا بارتوميو: «ما زال أمام ليو وقتٌ طويل». قال الرئيس ذلك لأنه كان مضطرًا.

تحدث بارتوميو بالنيابة عن ميسي عدّة مرات، وتناقصت أحقيته في الكلام مع تصاعدِ حنقِ ميسي. أصرّ الرئيس على أنه ما زال لدى ميسي الكثير ليعطيه، وغطّت هذه العبارة الصفحات الأولى لجريدتيّ «سبورت» و«موندو ديبورتيبو» في أمرٍ بدا باعثًا على اليأس ومثيرًا للشفقة. يُقال إن الرياضيين يموتون مرتين، وتقعُ ميتتهم الأولى حين يعتزلون. تشبث برشلونة بسنوات ميسي الأخيرة، كمن يحاول أن يؤخر القدر المُحقّق.

كما تبيّن: كان الوقت الباقي أقلّ من سنة. بعد 20 موسمًا في برشلونة، أمضى منها 17 موسمًا في الفريق الأول، وبعد 34 كأسًا و634 هدفًا بات من شبه المؤكد أن الحكاية أوشكت على النهاية. إنها أخبار مُزلزلة لبرشلونة وللدوري الإسباني الذي يواجه واقعًا مقلقًا سلفًا. لكن حتى هذا الكلام ليس هو المهم. يقول خورخي بالدانو إن اللاعبين يتجنّبون الحديث عن الاعتزال كما يتجنّب النّاس الحديث عن الموت، لكن ما يحصل هنا قدرٌ أسوأ من ذلك. ليس بالنسبة لكرة القدم كلها بالطبع – فرؤيته يلعب في مكان آخر ستثير الحماسَ ولهيبَ الترقُّب – أمّا مشجعو برشلونة فسوف يشعرون بأن هنالك خطأً ما.

عندما قال ميسي إن النهاية وشيكة، تخيّل المشجعون أن يصلوا إلى تلك النهاية معًا، وأن تكون مباراته الأخيرة، مثل مباراته الأولى: بقميص برشلونة. 

الوضع خطأ فعلًا، وقد كان كذلك لفترةٍ طويلة، وبلغ ذروته الآن وأوصلنا إلى الانهيار الكامل. ليست مغادرة لاعب كرة القدم لنادي كرة قدم أمرًا صادمًا فعليًا، ولكن هذه الحالة صادمة. نعم: لأنها تتعلّق بميسي، لكنّها أكبر من ذلك.

وقّع ميسي مع برشلونة على منديل ورقي، حيث خطّ شارلي ريكساش ووالده اتفاقًا على منديلٍ في نادي التنس القريب. أما الآن فهو يبلّغ النادي بقرار المغادرة عبر خدمة البوروفاكس [بريد مسجّل رسمي]. يغادر برسالةٍ رسميّة سُجّلَ تسليمها إلى الكامب نو عند الساعة 7:20 مساء يوم الثلاثاء. فات الآن أوان الكلام  والمصالحة، فقد قدّم ميسي إشعارًا قانونيًا باعتزامه المغادرة – ونيّته بأن يغادر بالمجان. هنالك بند في عقده يسمح له بالمغادرة.

قال المدير الرياضي رامون بلانيس يوم الأربعاء إنه يريد بناء فريق فائز حول أفضل لاعب في العالم، وهي فكرة رائعةٌ لو أنهم فكروا فيها من قبل. في الليلة التي سبقت، ردّ برشلونة عن طريق البوروفاكس، أن هذا البند لا ينطبق وأنّ صلاحيته قد انتهت. وفسّر النادي الأمر بقوله إنه إذا كان ميسي يريد أن يغادر فقد كان عليه أن يبلغهم بحلول 10 حزيران/يونيو. لكن يوم الثلاثاء وافقَ الـ 25 آب/أغسطس: لقد فاتته الفرصة. وذكّروه بأنّ مبلغ التنازل عنه يبلغ 700 مليون يورو. وقالوا إنهم يريدونه أن يستمرّ معهم.

لا يمكن الوصول إلى مصالحة بهذه الطريقة. وعندما يصل الأمر بالجانبين إلى الكلام من خلال المحامين والرسائل الرسمية فهذا يعني أنّ الحبّ قد ضاع. كل ما تبقى هو التفاوض أو التشاجر، للحدّ من الضرر أو المخاطرة بمضاعفته. والسؤال الآن هو ما يقوله هذا البند: هل يضع البند موعدًا محددًا؟ ومتى؟ وإذا كان الأمر كذلك، فإن الموقف القانونيّ واضح. وإذا لم يكن كذلك، إذا كان يقول شيئًا أكثر غموضًا، مشيرًا إلى معنىً ما يُقصد به «نهاية الموسم»، فهذا أمرٌ يمكن الجدال فيه في المحكمة. وبالفعل، قد ينتهي المطاف في المحكمة: النادي ضدّ الكابتن.

هل نكتفي بقول «كابتن»؟ بل أفضل لاعب لعبَ في ناديهم. بل لعله أفضل لاعبٍ لعب في أيّ نادٍ. لا يوجد حلٌ مُرضٍ الآن.

إذا اعتبرنا أن المعركة قد انتهت عندما اضطر ميسي لإبلاغهم بقراره، فهذا يعني أنهم خسروا الحرب. كيف يمكن إصلاح ما كُسر؟ وكيف وصلت الأمور إلى هنا؟ إلى أيّ حدٍ ساءت الأمور حتى بات ميسي مصممًا على الرحيل ومقتنعًا أنه لا يوجد شيء يستحقّ البقاء لأجله للدرجة التي حدت به إلى الإعلان عن رحيله بهذه الطّريقة؟ فهذه الطريقة في الوساطة أحدثت شرخًا أكبر. وبالمناسبة، لو عدنا بضع سنوات في الزمن عندما جدّد ميسي عقده سنة 2017، لماذا فكر بوضع بندٍ خاصٍ بترك النادي؟ لماذا مهّد المجال للخروج مجانًا وبشروطه، من باب الاحتياط؟ وكيف سمحوا له بذلك؟

ميسي مع كراته الذهبية الست عقب فوزه بالسادسة في باريس، 2 كانون الأول/ديسمبر 2019. تصوير فرانك فيف، أ ف ب.

مرّ عامان ولم يغادر حتى عندما تسنّت له الفرصة. إلا أن الانهيار استمرّ، وتدهور النادي، وجاءت لياليه المظلمة: روما، ليفربول، لشبونة. واتّسعتِ الفجوة. وإن كانوا قد حاولوا إسعاده، فقد باءت محاولاتهم بالفشل. أعرب ميسي عن أسفه قائلًا: «نحن لا نعطي [المشجعين] أي شيء». وقع جزءٌ من اللوم عليه، ولكنه رأى سنوات قمّته تمرّ بدون الفوز بالكأس الأوروبيّة. لقد رأى زملاءه في الفريق يغادرون. رأى الآخرين يأتون ويفشلون. حان وقت إسدال الستار، فقد وقعت الفأس في الرأس.  

لا تكمن الصدمة في أن ميسي – الذي كان غضبه وإحباطه واضحين بشكل متزايد- قد اتخذ هذا القرار. ولا تكمن الصدمة في أن العلاقة سيئة، بل في أنها بهذا السوء. تكررت المواجهة بين الطرفين، وكانت تتمّ في العلن، وبات غضبه أكثر وضوحًا، إلا أن التهديد لم يبدُ حقيقيًا. لا بدّ أن النادي لم يستشرف الخطر. والمفاجأة ليست أن هنالك مشاكل، بل أنها كانت عميقةً إلى هذا الحدّ، ولا يمكن إصلاحها. وبعد أن اتخذ خطوته الآن، باتت أعمق.

الأزمة المتراكِمة منذ خمس سنوات وأكثر كانت جسيمة إلى الحدّ الذي دفع ميسي لأن يدير ظهره لكل شيء: لناديه، وبيته، وخططه الخاصة. وعندما أعلن عن عزمه المغادرة أعلن كارلس بويول ولويس سواريز دعمهما له. أما أرتورو بيدال فقال أن النمر عندما يُحشر يهاجم.

إنها الحرب، والعداء مفتوح. والنادي واقعٌ في الوسط، أو ما تبقى منه. فقد تدنّس الآن أهم رموزه. لا يمكن محو أي شيء محوًا تامًا ولكن يمكن أن ننظر إليه من منظور مختلف. الصّراع الآن أبديّ، وسيكون هنالك انحيازات إلى طرفيّ النزاع. لقد احترقت جسور العودة، حتى وإن تمّ إقناعه بشكلٍ أو بآخر بالبقاء. لا يمكن أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه.

رأى البعضُ أنّ خطوةَ ميسي وسيلةٌ للضّغط، وأنّها محاولةٌ أخيرةٌ لفرض التّغيير من الأعلى، ولكن الأمر تجاوز بارتوميو الآن، وهو رئيسٌ لن يستقيل على أيّة حال. إنه بحاجة إلى وقت لإصلاح الفوضى الاقتصادية التي يمكن أن تصبح مسؤوليته الشخصية. حرفيًا: لا يمكنه أن يتحمّل هذه الكلفة.  

وهكذا انتهى الأمر بعد أن تغيّر كل شيء بالنسبة  للجميع. ليس لأن ميسي ذاهب، ولكن بسبب الطريقة التي يذهب فيها والضرر الذي وقع. حتى لو كسب نادي برشلونة ما يكفي من المال لحل أزمة مالية – و300 مليون يورو من الرسوم والرواتب المدَّخرة ليست خارج نطاق المتوقع– حتى لو قاموا ببناء فريق يفوز بدونه، حتى لو سار آخرون على خطاه، حتى لو كان أداؤه سيئًا في ناديه الجديد، وحتى لو ندمَ على تركِ برشلونة  – (ولا بد أنه يعرف يقينًا أنه سيندم)؛ حتى مع كل ذلك، هذه وصمةٌ لن تزول.

الأمر لا يتعلّق بالعام القادم بل بكلِّ عام. أثر هذه اللحظة سيدوم، كجزءٍ من إرثٍ مفقود، ومن استياء لا يزول. إنّه رمز الانهيار، وفشلٌ ذريع، لأزمة أخذت كلّ شيء في طريقها، حتى أنها أخذته هو ذاته. سوف يتذكر المؤيدون دائمًا اللحظة التي ساءت عندها الأمور لدرجة أنّ أفضل لاعب عرفوه قررّ أن يتركهم وأرسل رسالةً تضمّ رغبته بالرحيل. الخبر الذي كانوا يخشونه أكثر من أي خبر سواه في تاريخهم كله، وصلهم بالبريد المسجّل.