ليدز يونايتد: عاد إليكم من جديد

الأربعاء 28 تشرين الأول 2020
جدارية على مبنى في ليدز تعرض صورة لمدرب ليدز يونايتد، الأرجنتيني مارسيلو بييلسا، مع عبارة «نسير معًا» بالإسبانية. تصوير أولي سكارف. أ ف ب

«نحبك، نحبك»، تصرخ إحداهن.

«سانك يو، سانك يو»، يشكر بييلسا الحضور بإنجليزيته الركيكة.

من شقّته المتواضعة ذات غرفة النوم الواحدة في بلدة ويذربي في مدينة ليدز الإنجليزية، يخرج مارسيلو بييلسا مدرب ليدز يونايتد ليحيي العشرات من جماهير النادي المحتشدين أمامها. كان المدرّب الأرجنتيني قد ضمن للتو، في تموز الماضي، عودة النادي العريق إلى مصاف الدوري الإنجليزي الممتاز بعد غياب دام 16 سنة، وجماهير النادي الأبيض، من كبيرها لصغيرها، جاءت لتقدم شكرها وامتنانها لمدربها القدير صاحب الـ65 عامًا.

تقع مدينة ليدز غرب مقاطعة يوركشاير وسط شمال إنجلترا، ويفتخر أهل المدينة بالعديد من إنجازاتها الرياضية؛ فهي موطن نادي يوركشاير للكريكيت ونادي ليدز راينوز للرجبي، وابنة المدينة الملاكمة نيكولا آدامز كانت قد فازت بالميدالية الذهبية في أوليمبياد 2012 و2016. 

كلّ هذا جميل وعلى العين والرأس، لكن ما يهم في إنجلترا حقًا هي كرة القدم. لذا، وعلى عكس المدن الأخرى في إنجلترا، والتي تشهد انقسامات داخلها حول الفريق المفضّل للمدينة، تقف مدينة ليدز، على قلب مشجّع واحد، وراء فريقها الوحيد؛ ليدز يونايتد.

في الحقيقة، لم تكن بداية علاقة المدينة بكرة القدم مع ليدز يونايتد، بل كانت مع ليدز سيتي الذي تأسس عام 1904. احتشاد الجماهير الغفيرة لمتابعة هذا الفريق الجديد أدى إلى قدوم المدرب الأسطوري هيربرت تشابمان لتدريب الفريق، وإعلانه على الملأ أن هذه البلدة تستحق فريقًا يلعب على أعلى مستويات كرة القدم.

وفي عام 1919 دخل ليدز سيتي دوامةً مالية أدت إلى تفكّكه وإفلاسه وبيعه جميع لاعبيه. تلك الضارة عادت بالنفع على أهل المدينة التي شهدت تشكيل نادٍ بديل في العام ذاته يدعى ليدز يونايتد.

تاريخ الفريق

في سنواته الأولى، تأرجح ليدز يونايتد بين الدرجتين الأولى والثانية. واستمرّ على هذا الحال حتى خمسينات القرن الفائت، حيث صعد للدرجة الأولى مستعينًا بخدمات نجمه الويلزي جون تشارلز، الملقب بالعملاق اللطيف، الذي كانت عروضه تلقى استحسانًا واسعًا في أوروبا، لدرجة جعلته يلتحق بصفوف نادي يوفينتوس الإيطالي، ليشكل ثلاثيًا مرعبًا صحبة عمر سيفوري وجامبييرو بونيبيرتي أواخر خمسينات وبداية ستينات القرن الماضي.

على مدى 100 عام، عاش أهالي مدينة ليدز علاقة حبّ خالصة مع فريق مدينتهم، وتمسكوا به حتى حينما نسيه الآخرون، وبات من تراث الماضي.

رحيل تشارلز سبق قدوم دون ريفي، الذي يعتبره مشجعو ليدز إلى الآن أفضل مدرب مرّ على تاريخ النادي. فترة ريفي التي امتدت ثلاثة عشر عامًا؛ من 1961 وحتى 1974، شهدت وصول النادي لأعلى المراكز الكروية في إنجلترا، ربما تحقيقًا لنبوءة تشابمان السابقة.

تلك الفترة الذهبية للنادي شهدت بروز عدد من الأسماء، بينها جاك تشارلتون (الأخ الأكبر لأسطورة مانشستر يونايتد بوبي تشارلتون) في قلب الدفاع، وإيدي جراي على الجناح، لكن الشخصية الأكثر تأثيرًا والأكثر شهرة بين مشجعي ليدز في تلك الفترة كانت تتمثل في قائد الفريق المحارب بيلي بريمنر، الذي كان يحرث الملعب في وسط الميدان، ليلعب كل مباراة كأنه في ساحة معركة.

هذه الصلابة، التي اعتبرها البعض خشونةً مفرطةً في بعض الأحيان، أكسبت الفريق لقب ليدز القذر (Dirty Leeds)، وقد تسبّبت بنزاعات، قد يكون أشهرها النزاعات الكلامية بين ريفي نفسه والمدرب المحنك لديربي كاونتي آنذاك؛ براين كلوف.

مع ريفي، تُوّج ليدز بلقبي دوري، وحصل على لقبه الوحيد، حتى اليوم، في كأس إنجلترا، كما كان ريفي صاحب فكرة تغيير ألوان الفريق من الازرق والأصفر إلى الأبيض الكامل كما نشاهده اليوم. 

وفي العام 1974 توجّب على الفريق البحث من جديد عن مدرّب ومخلّص جديد يواصل معهم نبوءة تشابمان، بعد انتقال ريفي لتدريب المنتخب الإنجليزي. ولسنوات لم يتم العثور على هذا المخلّص، حتى جاء العام 1988 وجلب معه هاوارد ويلكينسون. 

في ذلك العام، كان ليدز يقبع في الدرجة الثانية، وقريبًا جدًا من الهبوط للدرجة الثالثة. وفِي غضون أربع سنوات، وجد ليدز يونايتد نفسه يتربع على عرش الكرة الإنجليزية من جديد، ويتوج بلقب دوري الدرجة الأولى، للمرة الأخيرة قبل أن يتغير اسم الدوري ليصبح «البريمييرليغ» ويبدأ حقبة جديدة في تاريخه.

تنحى ويلكينسون في عام 1996، وتعاقب على ليدز بعدها عدة مدربين أشهرهم جورج جراهام، ثم استقر النادي على أسطورة نادي آرسنال سابقًا؛ الإيرلندي ديفيد أوليري. 

ظلمات الدرجات الدنيا

أشرف أوليري، المدافع السابق، على فترة تعد حلوة ومرة في تاريخ ليدز، وأطلقت عليها فيما بعد تسمية «Doing a Leeds» (أي أن تفعل الأشياء على طريقة ليدز)، ويشير التعبير إلى ما كان يحصل مع ليدز وقتها، إذ كان يصل بشكل متكرر إلى مراحل متقدمة في البطولات المختلفة، وفجأة ينحدر ويهبط إلى دوريات الدرجات الدنيا.

وبعد أن كان الفريق على بعد خطوة من التأهل لنهائي دوري أبطال أوروبا عام 2001، وجد مشجعو ليدز أنفسهم بعد ثلاث سنوات يبكون ويتحسرون على هبوط فريقهم لدوري الدرجة الثانية الإنجليزي. وبسبب ذلك الهبوط اضطرّ النادي إلى بيع عدد من نجومه الصاعدين؛ بينهم المدافع الموهوب ريو فيرديناند، والشاب آلان سميث، والجناح الأسترالي هاري كيويل، ومراهق لم يكمل عامه السادس عشر يدعى جيمز ميلنر. وحتى الملعب التاريخي للفريق «إيلند رود» بيع وقتها في سبيل تخليص النادي من ضائقته المالية.

منذ هبوطه عام 2004، تعاقب على تدريب الفريق 15 مدربًا، بينما تغيرت ملكية النادي خمس مرات، وصل فيها ليدز إلى الحضيض عندما هبط إلى دوري الدرجة الثالثة (League One) وأمضى فيه ثلاث سنوات (2007 -2010)، قبل أن يعود إلى دوري الدرجة الثانية. 

وبعد سنوات في الظلمات، لاح للبعض بارقة أمل مع تعيين إدارة النادي للمدرّب الأرجنتيني مارسيلو بييلسا.

كان بييلسا مختلفًا عن المخلّين الآخرين الذين تعاقبوا على تاريخ هذا النادي، بداية لم يكن إنجليزيًا مثلهم، كما كان عبقريًا لدرجة الغرابة، وعبقريته تلك، جعلت منه مدرّبًا يصعب التعامل معه، فهو متطلّب وصعب المراس وعنيد. رجل يريد أن تسير الأمور على هواه، أو يرحل. فقط علينا سؤال أندية مارسيليا ولاتسيو وليل لنتأكد من صحة هذه الأقوال.

ورغم كل هذه المعلومات التي قد تنفر أي شخص يسمع بها أو يطلع عليها، إلا أن مالك ليدز وجد في بييلسا ما لم يفطن إليه رؤساؤه السابقون في إيطاليا وفرنسا، وقرر اختياره لقيادة المرحلة القادمة لفريقه.

بييلسا: العبقري المجنون

في بداية مسيرته التدريبية في أوائل التسعينات مع نادي نيو ويلز أولد بويز الأرجنتيني، قاد بييلسا النادي الذي لعب في صفوفه في السبعينيات إلى لقب الدوري. ووصل حبّ النادي له واحتفاؤه بإنجازاته حدّ تسمية الملعب لاحقًا باسمه. لكن، لم تكن علاقته مع جماهير نيو ويلز إيجابية دومًا. ومع الوقت صار لقبه «اللوكو» أو المجنون، خاصة بعد واقعة ذهاب بعض المشجعين المتطرفين إلى منزل بييلسا لمواجهته بعد خسارة مذلّة للنادي، لكنه خرج عليهم حاملًا قنبلة في يده، مهددًا بسحب الدبوس منها.

عندما وقّع مع بييلسا؛ كان مالك الفريق يعلم ما يحتاجه أهل المدينة؛ رؤية فريقهم لا ييأس ولا يعرف المستحيل، ويكافح حتى آخر رمق وآخر قطرة عرق للحصول على مبتغاه، مثل أهل المدينة.

ورغم اتباعه مسارًا مغايرًا تمامًا لذاك الذي اتّبعه معظم أفراد عائلته المكوّنة من سياسيين ومهندسين، إلا أنه يحظى بالفخر والإعجاب من عائلته ومن عموم الأرجنتينيين في بلاده، حتى انتشر ما يسمى «فيروس اللوكو»، وصارت الجماهير الأرجنتينية تستيقظ فجرًا، بسبب فارق التوقيت، لمتابعة ما سيفعله فريق بييلسا في الدوري الإنجليزي.

عندما وقّع مع بييلسا؛ كان مالك الفريق يعلم ما يحتاجه أهل المدينة؛ رؤية فريقهم لا ييأس ولا يعرف المستحيل، ويكافح حتى آخر رمق وآخر قطرة عرق للحصول على مبتغاه، مثل أهل المدينة.

تفخر مدينة ليدز بأنها مدينة طبقة عاملة، تعرف العرق والتعب، ولعب هذا دورًا في جذب مشجعي النادي لبييلسا وأسلوبه في اللعب، فالمدرب الأرجنتيني يطلب من لاعبيه جهدًا يقارب المستحيل في التمارين، ليكونوا على أتمّ استعداد لتنفيذ خططه في المباراة دون تعب أو كلل. عرف المشجعون ذلك، ووقعوا في غرامه على الفور، وباتت الرسوم الجدارية التي تصوّر بييلسا مخلّصًا، أمرًا مألوفًا في شوارع ليدز.

اعتمد بييلسا في تدريب فريقه الضغط العالي على الخصم، ومحاولة استرداد الكرة بأسرع وقت ممكن من خلال مراقبة كل لاعب لخصمه على أرض الملعب. وبخطة (3-3-3-1) صار الفريق هجوميًا بشكل يثير الرعب لدى الخصوم. ومع أن الموسم الأول لبييلسا مع ليدز انتهى بخيبة أمل بعد الإقصاء من نصف نهائي البطولة المصغّرة المؤهلة للدوري، على يد فريق ديربي كاونتي بقيادة فرانك لامبارد، إلّا أن الجميع أدرك أن هذا المشروع سينجح لا محالة.

بعد سنة من خيبة الأمل تلك، تُوّج نادي ليدز بلقب دوري «التشامبيون شيب» بفارق عشر نقاط عن أقرب منافسيه، ما أشعل المدينة احتفالات وتجمعات رغم جائحة كورونا. ولوصف تأثيره على الكرة الإنجليزية؛ اختارت صحيفة «إل سيودادانو» الأرجنتينية لصفحتها الأولى عنوان: «مملكته المتحدة». 

كيف سيكون أداء ليدز يونايتد في الدوري هذا الموسم؟ لا يملك أيٌ منّا الإجابة على هذا السؤال، ولا نعلم إن كانت لعنة فعل الأمور على طريقة ليدز ستحلّ على الفريق مرّة أخرى، لكن يمكننا القول إن المتعة ستظلّ حاضرة في لقاءات الفريق الذي امتعنا خلال الجولات الأولى من موسم هذا العام، لدرجة أننا رأينا يورغن كلوب، مدرب ليفربول الفريق الحاصل على الدوري في العام الماضي، ينطق «واو»، معبرًا عن دهشته لما شهدته عيناه في المباراة الأولى في الدوري، التي جمعت فريقه بليدز يونايتد.

على مدى 100 عام، عاش أهالي مدينة ليدز علاقة حبّ خالصة مع فريق مدينتهم، وتمسكوا به حتى حينما نسيه الآخرون، وبات من تراث الماضي. واليوم مع بييلسا، نراهم يختبرون نشوة العيش في أيام الزمن الجميل.