وجهة صيفية مائية: رحلة إلى وادي الهيدان

وادي الهيدان. تصوير محمد عصفور.

وجهة صيفية مائية: رحلة إلى وادي الهيدان

السبت 10 آب 2019

مع ارتفاع درجات الحرارة صيفًا، يقصد عشّاق الطبيعة في الأردن عددًا من الوديان المنحدرة من الشرق إلى الغرب، أملًا بالاستمتاع بجمال الطبيعة والانفكاك من أغلال المدينة. وفي هذه القصّة المصوّرة نتعرّف على واحد من أجمل وديان الأردن، وهو وادي الهيدان. وقد زرنا وادي الهيدان نهاية شهر تموز الفائت، رفقة الدكتور فارس بريزات، والذي نشأ وكبر في تلك المنطقة وخبرها جيدًا.

يقع وادي الهيدان، أو ممر الهيدان المائي، في الجزء العلوي من محمية الموجب للمحيط الحيوي التي أسستها الجمعية الملكية لحماية الطبيعة عام 1985 بمساحة 212 كيلومتر مربّع وعلى انخفاض يبلغ أكثر من 416 مترٍ من مستوى سطح البحر، وبهذا تعد المحمية الأكثر انخفاضًا في العالم.

تستغرق الرحلة من عمان إلى مركز مغامرات وادي الهيدان حوالي الساعة والنصف، ساعة منها إلى المفترق الذي يأخذ الزوار من وادي الوالة إلى وادي الهيدان بعد المرور ببلدتي لب ومليح. 

يقول بريزات أن الوادي كان يزخر بالمطاحن المائية والتي تعود كلٌ منها لعائلة معيّنة مستخدمة طاقة المياه المتدفقة في طحن الحبوب من دون الحاجة إلى أي طاقة أخرى. كما أشار إلى مجموعة من الآبار التي يتم ضخها إلى عمان حيث تسبب ذلك في تدهور الوضع المائي للسيل وهجرة العديد من العائلات لمزارعها.

ومع انحدارنا مع الوادي تجاه الغرب صادفتنا مزارع الصبّار (التين الشوكي). يقول بريزات أن دخول هذه النبتة إلى الوادي كان على يد أبناء عشيرة الدوايمة من الخليل والذين قدموا إلى المنطقة في نهاية الأربعينات حيث شهدت المنطقة منذ ذلك الحين نموًا مطردًا في هذه الزراعة.

وما هي إلا لحظات حتى كنا على أعتاب المركز الذي صممه المعماري عمار خماش كتحفة فنية تمتد في إحدى أركانها نحو فضاء الوادي لتمنح الواقف عليها شعورًا بأنّه مُعلّق بين السماء والأرض. استقبلنا هناك السيد أنيس بريزات مدير مركز مغامرات الهيدان. 

ومن هذا المركز بدأنا رحلتنا على الأقدام نحو روعة الوادي وإلى جمال صخوره. 

وعورة المشي تستلزم ارتداء الأحذية المناسبة التي تتناسب مع المشي على الحصى تارة وفي الماء تارة أخرى. متينة ولكن خفيفة. كما يُوصى بلبس الأكم الطويلة تجنبًا للسعات الحشرات، والبناطيل المخصصة لرياضة المشي تجنبًا لتعريض البشرة للحجارة والأشواك. كما يُنصح أيضًا بإحضار الماء لشربه خلال المرور بالمنحدر. 

بعد النزول الصعب يقابلك شاطئ بركةٍ متوسطة العمق تعفيك من أشعة الشمس. قطع هذا المسطح المائي لا يتم إلا سباحةً، والخروج منه يكون باستخدام حبلٍ متينٍ مُثبّت على الشاطئ الآخر، يقود الزائرين إلى بركةٍ ذات عمق كبير. هناك يمكن لأصحاب القلوب القوية القفز من علٍ، وهو ما فعله بالضبط ابن المنطقة ودليلنا أنيس. من هذه النقطة وحتى نقطة الخروج من الوادي، يستمتع الزوّار بالمشي أو بالسباحة في مجموعة من البرك والممرات المائية والبركانية التي تختلف في تضاريسها وألوانها ودرجات حرارتها.

يعجّ الوادي بالحياة ويزخر بالكائنات، ومن بينها: طيور السوادية التي تمنح المكان رهبة وهي تنادي، محلّقة باسطة أجنحتها الموشّحة بلون الذهب، وطيور الحمام الأزرق التي لا تفسد هدوء المكان، ويمكن عند التأمل التعرّف إلى أماكن تعشيشها بين المنحدرات الصخرية البركانية السوداء، وفي المكان كذلك ضفادع وسرطانات وأسماك. ومن النباتات التي اتخذت من الوادي بيتًا لها، النعناع البرّي والطيّون، وأشجار الغضا والرتم، وهي القادرة على مواجهة شح المياه وارتفاع درجات الحرارة، وكذلك نباتات القبار ذات الأزهار الجميلة والأشواك. 

تتغيّر تضاريس المسار من سنة إلى أخرى، متأثرة بكل طوفان يعبث بهدوء المكان مما يتيح للزوار الاستمتاع بتجربة مختلفة في كل عام. لتضيف بذلك بعدًا آخر لتجربة فريدة تمتد من ممارسة المشي والسباحة إلى القفز من فوق الصخور والتزحلق عليها، وانتهاء بتأمّل الحياة البرّية والإحساس بها. 

إن تجربة ممر الهيدان تُجسّد الغاية من سياحة البيئة والمغامرة، ففيها ممارسة للرياضة والتحام مع الطبيعة وتأمّل وسكينة. كما أنها تساهم في الحفاظ على بيئة المكان سليمة من الأذى وتساهم أيضًا في خلق فرص عمل للمجتمعات المحلية.

وفي نهاية الرحلة لا يجد الشخص بديلًا عن الجلوس في فسحة بين السماء والأرض لاسترداد بعض الطاقة وتناول خبز الشراك وقلاية البندورة المعدة بشيء من زيت الزيتون وبالكثير من المحبة.