رأي

المونديال «بيتكلم» عربي: أربعة منتخبات عربية في كأس العالم 2018

الأحد 19 تشرين الثاني 2017
مصدر الصورة: egyptianstreets.com، تصوير: علي فهيم.

بقلم ياسر معادات

ببلوغ منتخبي تونس والمغرب نهائيات كأس العالم 2018 التي تقام في روسيا الصيف القادم، فإن إنجازًا  عربيًا غير مسبوقٍ يكون قد تحقّق، إذ بهذا التأهل تكون أربعة منتخبات عربية قد وصلت إلى النهائيات هي السعودية ومصر اللتين حسمتا التأهل مبكرًا قبل أن تلحق بهما كل من تونس والمغرب.

صحيح أن هذه النسبة من المنتخبات كانت قد تحققّت في مونديال سابق، وقت كان عدد المنتخبات 24 فريقًا، من خلال مشاركة كلٍ من العراق والمغرب والجزائر في «مونديال مارادونا» الذي أقيم عام 1986 في المكسيك، ولكن تبقى هذه المشاركة هي الأكبر في تاريخ المونديال من حيث العدد، بعد زيادة مقاعد قارتي آسيا وإفريقيا اللتين تنشط فيها المنتخبات العربية.

بإمكاننا الحديث عمومًا بعد هذا الإنجاز عن حملة ناجحة خاضتها الكرة العربية في هذه التصفيات لإيصال أربعة من ممثليها إلى الموعد الختامي العالمي، خصوصًا بعد إخفاقات متتالية في تصفيات الكأسين الأخيرين، اللذين لم تفلح في الوصول إليهما أي دولة عربية باستثناء الجزائر.

قد لا تعكس هذه الصورة تطورًا هامًا وحاسمًا لكرة القدم العربية، بقدر ما تعكس الظروف الكروية التي تمر بها أي منطقة تشهد تنافسًا كرويًا في العالم من صعودٍ في المستوى لدى بعض القوى، وهبوط لدى البعض الآخر. هذا المعيار ينطبق على العرب مثلما ينطبق على غيرهم، فنجدُ مثلًا أن الكاميرون، بطلة إفريقيا، أخفقت في الوصول إلى المونديال، فيما صارعت أستراليا، بطلة آسيا، للوصول إلى كأس العالم عبر بوابة هندوراس في الملحق. كما يمكن الإشارة إلى عجز الجزائر عن الوصول إلى نسخة العام القادم من البطولة رغم تقديمها مشاركة مميزة  قبل ثلاث سنوات.

لا يحاول هذا المقال فتح ملف المنتخبات التي أخفقت في الوصول إلى الكأس الأهم، حتى وإن كانت بعض هذه المنتخبات قد وصلت إلى مراحل متقدّمة في التصفيات، رغم هذا بإمكاننا التحدث عن المنتخب السوري بشيء من التقدير، نظير ما قدّمه من أداء ونتائج رغم ظروف الحرب التي تعصف بسوريا، قبل أن يهدر فرصة التواجد في المونديال بعد هزيمته أمام المنتخب الأُسترالي الكهل، والذي كان الفوز عليه -دون أدنى شك- في المتناول. وكذلك منتخب الإمارات الّذي اعتقد بعض المراقبين أن بإمكانه تكرار إنجاز رفاق عدنان الطلياني وزهير بخيت يوم وصلوا إلى مونديال الـ90، خصوصًا بعد البداية الصاروخية للمنتخب في التصفيات الختامية، والتي مكنتهم من هزم المنتخب الياباني في عقر داره، قبل أن يدخل الفريق مرحلةً من تذبذب المستوى قضت على آماله تمامًا.

أما بقية المنتخبات العربية فإما أنها أخفقت في الوصول إلى المراحل النهائية على غير المتوقع مثلما حصل مع منتخبي الأردن والسودان مثلًا، أو أنها فشلت في الارتقاء إلى مستوى التنافس في المراحل النهائية للتصفيات مثلما حدث مع منتخبي ليبيا والجزائر في أفريقيا، ومنتخبي العراق وقطر في آسيا.

تستحقّ الفرق المتأهلة، وصانعة الحدث هنا، أن نخصّها بالإشادة أولًا، وأن نسلّط الضوء على حملة وصولها إلى المونديال ثانيًا.

السعودية

بعد التأهل الأخير لكأس العالم 2006، لم ينجح الأخضر السعودي في الصعود إلى المونديال، وقد حذت حذوه كل المنتخبات العربية في آسيا، والتي لم تذق طعم التأهل منذ المشاركة الأولى للسعودية في المونديال عام 94.

شهد المنتخب السعودي تخبّطًا إداريًا وفنيًا أثّر على عطاء ورثة الدعيّع والجابر والعويران.

بطولتان متتاليتان (2010 و2014) غاب عنهما الأخضر السعودي في حقبة تدهور كبير في الكرة السعودية، شهد فيها تخبّطًا إداريًا وفنيًا أثّر على عطاء ورثة الدعيّع والجابر والعويران. هذا التراجع مهّد لتخلي الأخضر عن الاعتماد على الأسماء الرنانة مثل ياسر القحطاني ونايف هزازي ومحمد نور، والتوجه صوب تكوين مجموعة متماسكة وصلبة من اللاعبين، برفقة المدرّب الهولندي المحنّك برت فان مارفيك، الذي لن يدرّب الفريق خلال المونديال القادم لعدم اتفاقه مع الاتحاد السعودي على تجديد العقد.

القائد أسامة هوساوي والقيدوم تيسير الجاسم وصانع الألعاب نواف العابد كان بإمكانهم صناعة الفارق مع الأخضر، عبر خدمة المجموعة أولًا وقيادتها ثانيًا فاتحين المجال لبروز مواهب على شاكلة نجم الاتحاد فهد المولد ومهاجم الهلال سالم الدوسري، رغم دخول بعض اللاعبين الكبار مرحلة شكٍّ طالت الحارس العملاق للشباب وليد عبد الله وناصر الشمراني قلب هجوم الفريق ذاته، وكلّفتهما مراكزهما الأساسية في التشكيلة السعودية، وهو التحدي الذي ينتظر جلّ لاعبي الدوري السعودي البارزين المتشوقين للظهور للمرة الأولى في المونديال، وهو تحدٍّ بإمكانه إخراج كل ما لديهم من طاقات، ما قد يعيد السعودية إلى موقعها المعتاد في صدارة الكرة الآسيوية.

رغم هذا لا تزال الكثير من علامات الاستفهام تثار حول تذبذب مستوى خط دفاع المنتخب، والعقم الهجومي الذي يواجه مهاجميه في الكثير من الأحيان، وهي مشاكل ينبغي للمدرب الأرجنتيني الجديد إدغاردو باوزا إيجاد حلول سريعة لها.

مصر

فرحة محمد صلاح العارمة عقب تسجيله هدف الفوز والتأهل أمام أوغندا لم تأت من فراغ، فنجم ليفربول يعي جيدًا دوره الهام والحاسم في إيصال منتخب بلاده إلى كأس العالم للمرة الأولى منذ 28 عامًا. خصوصًا وأن من أخفق قبله في صناعة هذا الإنجاز هم نجوم من وزن محمد أبو تريكة ومحمد زيدان وميدو وأحمد حسن، بينما لم يتوافر لدى صلاح ما هو أفضل من لاعب الاحتياط في آرسنال محمد النيني والعجوز عصام الحضري ليساعداه في الوصول إلى ما عجز عنه جيل من النجوم المتألقين في الماضي القريب.

بالطبع لا يعتمد منتخب الفراعنة على صلاح وحده، لكنه يدين بالكثير من الفضل لهذا الفتى الذهبي. فتلاميذ الأرجنتيني المحنّك هيكتور كوبر استفادوا أيّما استفادة من واقع المستوى المتواضع للمنتخبات في مجموعتهم بالمقارنة، مثلًا، مع مجموعةٍ ضمّت نيجيريا والكاميرون والجزائر وزامبيا. شكّل الانحدار الهائل في مستوى النجوم السوداء لغانا عاملًا حاسمًا في هيمنة مصر على التصفيات وحسمها السريع في الحصول على بطاقة التأهل على حساب أوغندا المتواضعة، كما ساهم في ذلك أيضا عودة الحارس عصام الحضري لحراسة مرمى المنتخب، واستعادة حجازي لمستواه، وتألّق محمد صلاح في مقدمة المنتخب، خصوصًا في ظل تواضع مستوى المهاجمين الآخرين بما فيهم رمضان صبحي الذي يبدو أن أمامه الكثير كي ينضج بصحبة منتخب بلاده أو فريقه ستوك سيتي.

بعد العودة إلى التنافس على المستوى الإفريقي من خلال الوصول إلى نهائي كأس إفريقيا الأخير، وقبل الهزيمة أمام الكاميرون، كان من الطبيعي أن يوظّف كوبر قدرات اللاعبين وروحهم المعنوية العالية في سبيل تحقيق حلم العودة إلى المونديال، وهو ما نجح العجوز الأرجنتيني في تحقيقه بهدوء شديد. ولكن هذا كله لا يكفي للوصول إلى مرحلة تنافسية في مونديال يبدو أن إفريقيا بعيدة كل البعد عن الوصول إلى مراحل متقدمة فيه، في ظل التراجع الكبير للقوى التقليدية فيها، وفشل بعضها حتى في الوصول إلى المونديال كما هو حال الكاميرون وغانا والجزائر وساحل العاج.

تونس

لا يختلف وضع المنتخب التونسي كثيرًا عن وضع المنتخب المصري، فالمنتخب الذي يدربه محنك آخر هو هذه المرة التونسي نبيل معلول، الخبير في رسم الخطط التكتيكية المُحكمة، اعتمد كثيرًا على القدرات الفذّة لنجمه يوسف المساكني (النمس) الذي استطاع قلب المعطيات أكثر من مرة لفائدة منتخب بلاده، في مجموعة لربما كانت هي الأسهل في التصفيات الإفريقية، وهو ما ساعد رفاق البلبولي «أيمن المثلوثي» في تحقيق الإنجاز الأهم والوصول الى المونديال، بعد أن غاب نسور قرطاج عن آخر نسختين منه.

اعتماد المنتخب التونسي على ردّ الفعل وانتهاز الفرص قد يترتّب عليه العودة من روسيا بخفّي حُنين.

الانضباط التكتيكي والتحفّظ المدروس الذي غرسه معلول في لاعبيه آتى أكله أخيرًا، فرغم أن الإبداع بات نادرًا في لعب المنتخب إلّا أن النتائج الممتازة والحصص الوافرة -أحيانًا- من الأهداف تثبت نجاعة طريقة معلول، في ظل اعتماده على ظهير الأهلي المصري المتألق هذا الموسم علي معلول، والعملاق صيام بن يوسف في خط الدفاع، مع لاعبي خط وسط حيويّيْن هما محمد أمين بن عمر والواعد غيلان الشعلالي نجم الترجي الرياضي، خلف الهداف طه ياسين الخنيسي الذي أضحى يتفاهم جيدًا مع قلب المنتخب النابض ونجمه الأول يوسف المساكني، النجم الذي تأخّر تفجّرُ موهبته.

سهولة الوصول وصعوبة التنافس على المستوى العالمي تجعل نبيل معلول مطالبًا في إيجاد أكثر من خطة للمواجهة، فالاعتماد على ردّ الفعل وانتهاز الفرص -على المستوى العالمي- هو سلاح ذو حدين، قد يترتّب عليه العودة من روسيا بخفي حُنين، في تكرار لمشاركات النسور السابقة في المونديال، والتي لم يتجاوزوا فيها قط الدور الأول (دور المجموعات). لا أقول أن على المدرّب اللجوء إلى النهج الهجومي كما يتمنى معظم مشجعي المنتخب، ولكنني أرى أن انكشاف خطته قد يجعل من المنتخب صيدًا سهلًا للخصوم في حال لم يسعَ معلول إلى التنويع في شكل اللعب وخطته.

المغرب

ختام هذا العرض مع المنتخب العربي الأفضل أداء وقدرات فنية وإبداعية. فأسود الأطلس أثبتوا في هذه التصفيات التي أنهوا تصفياتها النهائية بشباك نظيفة، عُلوّ كعبهم وهيمنتهم على فرق القارة السوداء التي غدت بلا أنياب أمام رفاق مبارك بوصوفة. سحق المغاربة لمالي والغابون قبل حسم التأهل مع ساحل العاج أثبت القدرات المعتبرة التي يمتلكها نجوم المنتخب المغربي تحت قيادة الفرنسي هيرفي رينار بطل إفريقيا مرتين مع كل من زامبيا وساحل العاج، خصوصًا في ظل طريقة اللعب الممتعة التي تُمكّن المنتخب من تحجيم أي خصم يلعب معه عبر الهيمنة على مناطق المناورة والتحكم بزمام المبادرة دومًا من خلال الضغط العالي والتمريرات القصيرة المتقنة.

يعتمد رينار على دفاع حديدي بناه حول الحارس المتألق منير المحمدي الذي أثبت أنه الأجدر في نيل شرف تمثيل المنتخب الوطني بين الخشبات الثلاث، إضافة إلى اعتماده على مدافعين من قيمة ظهير ريـال مدريد أشرف حكيمي ومدافع يوفنتوس المهدي بن عطية وظهير فناربخشة نبيل ضرار، فيما يوجّه الخبير مبارك بوصوفة وقائد فينورد كريم الأحمدي خط الوسط الجهنمي الذي يتقدمهما فيه المتألق يونس بلهندا برفقة حكيم زياش. يدير هؤلاء اللعب بغية إيصال الكرة إلى خالد بوطيب الذي بإمكانه التفجّر تمامًا كما فعل أمام الغابون. تطول القائمة لتبقي لاعبين من أمثال فيصل فجر وعمر القادوري وحمزة منديل وهدّاف الوداد -بطل افريقيا- الصاعد أشرف بن شرقي على مقاعد الاحتياط. وهو ما يعطينا لمحة عن القيمة الفنية المعتبرة لنجوم هذا المنتخب الذي أراه الأفضل في تاريخ المغرب التي سبق لها أن وصلت إلى الدور الثاني في مونديال 86 مع الزاكي و بودرباله والتيمومي ورفاقهم.

على عكس معلول وكوبر المطالبيْن بتطوير المستوى، فإن أكبر تحدٍّ يواجه رينار قبل موعد المونديال يتمثّل في الحفاظ على لحمة المجموعة الوطنية وتوهجها، بعيدًا عن الغرور والتعالي الذي قد تخلقه النتائج الكبيرة للفريق في التصفيات. خصوصًا وأن معمعة التصفيات الإفريقية قد ولّت، بينما ينتظر الفريق استحقاقٌ هامٌ تشارك فيه منتخبات عتيدة يحوي كل منها كوكبة من النجوم.

خاتمة

لا يمكن لوصول هذا العدد من المنتخبات العربية إلا أن يكون دافعًا على التفاؤل، في تحقيق إنجاز مُعتبرٍ ربما يتجاوز الإنجاز الأهم في تاريخ مشاركة المنتخبات العربية في المونديال، والمتمثل في وصول المغرب عام 86، والسعودية عام 94، والجزائر عام 2014، إلى الدور الثاني من النهائيات، وهو حلم لا أراه بعيدا عن التحقق، خصوصا بالنسبة لأسود الأطلس الّذين يمتلكون من الخبرة والقدرات الفنية ما يؤهلهم لمقارعة صفوة منتخبات العالم.

قبل أقل من عام على المونديال  يحدو الأمل العديد من النجوم لرفع رايات بلادهم في التظاهرة الكروية الأبرز في العالم، مع فرصة فردية لكل منهم لإبراز قدراته الفنية وتسويق نفسه بغية الالتحاق بأهم الأندية العالمية، فنحن بطبيعة الحال ندور في فلك كرة احترافية تنشد الربح على كل الأصعدة، ونحن كمشجعين عرب لهذه المنتخبات ننشد الربح أيضا عبر تحقيق الإنجازات والانتصارات الكروية التي انتظرناها كثيرا في المونديال.