العدّاء عواد الشرفات: الجيوب الفارغة لا تصنع بطلًا‎

العداء عواد الشرفات أمام الميداليات والكؤوس التي حصدها، في باحة بيته في قرية السعادة بالمفرق. تصوير عز الدين الناطور.

العدّاء عواد الشرفات: الجيوب الفارغة لا تصنع بطلًا‎

الإثنين 14 تشرين الثاني 2016

بعد أن فاز بماراثون عمّان لمسافة 10 كم بأيام قليلة، واستضافه برنامج يوم جديد على التلفزيون الأردني وقدمه للجمهور الأردني كبطل يتوقع منه الكثير في السنوات القليلة قادمة، أعلن العداء الشاب عواد الشرفات اعتزاله اللعبة التي كان يتمنى أن يحقق فيها إنجازات عالمية، لأنه بعد نحو عشر سنوات من ممارسة هذه الرياضة في الأردن اكتشف أنها «تعب على الفاضي» لا يستطيع شاب «بجيوب فارغة» مثله أن يستمر فيها.

الشرفات ابن الثالثة والعشرين ليس هاويًا، بل هو رياضي مثّل الأردن مؤخرًا في بطولة العالم لألعاب القوى في الصين في سباق الـ1500 م، وحقق إنجازتٍ مهمة على مستوى بطولات الجامعات المحلية والإقليمية، وكان يسعى لوضع أولى خطواته على طريق التنافس العالمي المحترف في رياضة العدْو، قبل أن يدرك أن تحقيق إنجازٍ مهم على هذا المستوى لا يكفيه الطموح الشخصي والاستعداد البسيط، خاصة بالنسبة لإنسان يعيش في البادية الشمالية.

تحتاج لأكثر من ساعتين للوصول من عمّان بسيارة خاصة إلى منزل الشرفات بمحافظة المفرق الصحراوية، وتحتاج لنحو أربع ساعات في إحدى وسائل النقل العام للوصول إلى «السعادة»، اسم القرية التي يعيشها فيها عواد والتي لا تشبه اسمها كثيرًا. هي منطقة صحراوية شاسعة المساحة، فيها عدد قليل من المنازل، وخطوط نقل كهرباء ضخمة، وصخور بركانية ضخمة على جانبيها فقط.

خالد الشرفات، مدرس التربية الرياضية والعداء السابق كان أوّل من تنبه إلى موهبة عواد وهو في الرابعة عشرة من عمره. «أنا من أوّل يوم شوفت فيه عواد وهو بركض بالمدرسة عرفت إنه مميز وممكن يصير بطل، وبالفعل بأوّل بطولة للمديرية حقق الميدالية الذهبية»، يقول خالد.

يتابع: «البادية الشمالية دايمًا طلعت أبطال، معظم خامات اللاعبين المميزين برياضات ألعاب القوى بتيجي من البادية والمفرق، في منهم عمل إنجازات مهمة وفي منهم ما قدر يكمل، عواد كان من اللي كنت متخيل إنهم راح يعملوا شيء مهم».

«كان واضح إنه حد كثير طموح وبدو يعمل شيء مهم»، يقول خالد الذي ما زال يدرّبه عندما يتدرّب في منطقته.

يشرف على تدريب عواد الآن البطل الأردني السابق سليمان الزبون، الذي كان له دور كبير في المستوى الذي وصل إليه عواد، كما يقول.

يقول الزبون: «عواد من أميز الخامات التي اشتغلت معها من عدائي المسافات المتوسطة، عنده كل شيء لحتى يحقق إنجازات مهمة، لكن صعب تنتظر منه شيء بهذا المستوى وهو بدرب ثلاث أو أربع شهور بالسنة. عواد بده معسكرات دائمة واهتمام مستمر».

عام 2015، حقق عواد إنجازًا مهمًا تمثل بحصوله على المركز الخامس في بطولة العالم للجامعات بكوريا الجنوبية. أرقام الشرفات لفتت انتباه الاتحاد الأردني لألعاب القوى مما دعته إلى استدعائه ليكون ضمن المنتخب المشارك في بطولة العالم في الصين.

يقول الشرفات: «من أوّل ما بلشت أتدرب وأنا نفسي بيوم من الأيام ألعب بطولة العالم، وكنت كل ما أحقق بطولة ثانية أحس إني قربت لهاليوم».

في تلك الفترة، كان عواد يستعد للتخرج من الجامعة الهاشمية بتخصص التربية الرياضية، وكان يرغب قدر الإمكان أن يتفرغ فقط لرياضة العدو بشكل احترافي، لكن يبدو أن ذلك الحلم ليس بهذه السهولة.

حقق عواد 63 ميدالية مختلفة و11 كاسًا في بطولات محلية وإقليمية، لكنه يأمل يومًا ما أن يحقق ميدالية على المستوى العالمي.

خالد الشرفات (فوق)، مدرّب عواد، يقف خلفه أمام بيته في قرية السعادة بالمفرق.

أقل من شهر كان يفصل ما بين بطولة العالم للجامعات لألعاب القوى وبطولة العالم للرجال، وهي فترة لا تكفي برأي عواد لكي يستعد لبطولة بهذا الحجم لكنه مع ذلك كان يؤمن بأنه ينافس في تلك البطولة. يقول: «كان في شهر بين البطولتين، حكتلهم إنه بدي خلال هذا الشهر توفرولي مكان سكن قريب من المضمار الرئيسي تاع المنتخب بالمدينة الرياضية حتى أتدرب كل يوم لأنه أنا طالع على بطولة مضمار، أو بدل مواصلات حتى آجي كل يوم، ما جاوبوني وضلهم يأخروا فيه لحد ما بلشت البطولة وطلعنا هناك».

سافر عواد إلى العاصمة الصينية بدون مدربه الذي رفض الاتحاد جلبه، وكان هناك نحو أسبوع بين وصوله وموعد مشاركته بالسباق، لكن أصيب قبل بدء البطولة.

يقول «حسيت بأوجاع برجلي وأنا هناك بعد ثاني تدريب، أنا كنت أدرب لحالي ويمكن هاد خلاني أنصاب، ما كان معي معالجين مع الوفد، رحت على معالج مع الوفد التونسي وحكالي أنا نفسي أعرف كيف أنت بتركض! قلته ليش؟ قلي رجليك فيهم تصلب مش طبيعي، هذا من التدرب على الأسفلت. عمل لي مساج لكن ما فاد. رحت على المعالجين في البطولة قالولي رجلك ما فيها إشي، بس أنا ما كنت قادر أتدرب من الوجع، وكنت عارف إنه إذا رجعت زي هيك راح تنتهي مسيرتي الرياضية، اللاعب لما ينصاب الكل بنساه».

تحمل الشرفات أوجاعه وشارك في البطولة رغم ذلك، وبالكاد استطاع إنهاء السباق، ثم عاد إلى الأردن مصابًا وخائب الأمل.

«لما وصلت البلد ما حد تعرف عليّ، بس أنا كنت بدي أرجع وأتدرب من أوّل وجديد. كنت لسا بدي أتخرج من الجامعة، وكنت وقتها أروح على الجامعة وبعدين على عمّان كل يوم على حسابي الخاص والتقي بدكاترة خاصين حتى أتعالج، ضليت زي هيك لحد ما تحسنت شوي»، يقول الشرفات.

عاد عواد للتدرب مجددًا بشكل تدريجي في المنطقة التي يعيش فيها، أنشأ مضمارًا على أرض زراعية قريبة، لكنه اختفى مع بداية الموسم الزراعي عندما قرر صاحب الأرض حراثتها، وهو ما دفعه إلى العودة والتمرن على الأسفلت مجددًا وبالقرب من الشارع الصحراوي العام الذي يوصل الأردن بالعراق.

تخرج الشرفات من الجامعة لكنه لم يجد وظيفة تتناسب مع الرياضة التي يمارسها، لذلك بقي عاطلًا عن العمل، مع أن هذا لم يمنعه من مواصلة التدريب بمفرده.

ماراثون عمّان هي البطولة التي كان يستهدف عواد أن يحقق من خلالها «عودته الكبيرة». تفرغ تمامًا للاستعداد للبطولة على مدار الشهور الثلاث التي تسبقها، حسن لياقته البدنية واستطاع أن يفوز في النهاية، ليعود مجددًا إلى دائرة الأضواء، لكن دون أن تغيير حقيقي في حياته.

«كل العالم احتفوا فيه، والكل حسسني إني مهم، بس لما خلصت البطولة ما حد حكى معي، تخيل تفتح باب ثلاجتك وما يكون فيها رغيف خبز، كيف بتتوقع أرجع ألعب رياضة بعد كل هاد؟»، يقول الشرفات ليكتب بعدها الشرفات منشورًا على فيسبوك أعلن فيه اعتزاله للعبة.

قصة عواد من القصص القليلة التي وصلت إلى وسائل الإعلام، وقد تختزل واقع الرياضات الفردية في الأردن بشكل عام. لكنها بشكل خاص أعادت النقاش مجددًا إلى الفوضى في تمثيل ألعاب القوى في الأردن، مع وجود اتحادين يمثلان اللعبة.

أحد هذين الاتحادين معترف به من الاتحاد الدولي لكن لا تعترف به اللجنة الأولمبية، والآخر لا يعترف به الاتحاد الدولي وتعترف به اللجنة الأولمبية، ويحملان نفس الاسم، وهي القضية التي يسعى الجميع لحلها منذ أكثر من عام ويتوقع أن تنتهي قريبًا بحسب أمين سر الاتحاد المعترف به دوليًا، إبراهيم أبو عصبة.

يقول أبو عصبة: «إحنا بنحاول جهدنا ندعم الرياضيين اللي ضمن اتحادنا، لكن اتحادنا ما بتلقى تمويل من اللجنة الأولمبية. اتحادنا قائم على تمويل رئيس الاتحاد فقط، ويا دوب عم نقدر نصرف على الجوانب الإدارية للاتحاد وغيرها».

يؤكد أبو عصبة «إحنا ما تعمدنا إهمال الشرفات، لكن هالواقع لازم يتغير أوّل ما تنحل مشكلة الاتحادين، وعقد انتخابات جديدة لاتحاد واحد».

ويتوقع أن تحل مشكلة تمثيل ألعاب القوى في الأردن قبل نهاية العام وبخاصة مع زيادة وتيرة الاجتماعات مع بين الاتحادين واللجنة الأولمبية والتوصل إلى صيغة توافقية حول النظام العام للاتحاد، بحسب أبو عصبة.

ومع ذلك، يرى أبو عصبة أن ألعاب القوى في الأردن بحاجة لمزيد من الدعم والاهتمام بشكل عام. «150 ألف دينار ميزانية لاتحاد بحجم اتحاد ألعاب القوى ما بعملوا شيء، يا دوب يكفوا مصاريف إدارية. علشان تعمل بطل يجيب ميدالية عربية  بدك تصرف عليه من 50 لـ 60 ألف بالسنة، فكيف لو بدك تعد بطل للعالم؟».

وحتى ذلك اليوم الذي تحل فيه هذه المشاكل يقول العداء عواد الشرفات «أنا ما راح أرجع وواقع الرياضة زي هيك. أنا بدي أرجع لما يكون كل شيء مسهل للرياضي لحتى ما يفكر إلا بتحقيق الانجازات. بتمنى تنحل كل هاي المشاكل وأرجع بيوم من الأيام».