كابتن «إيتو»: رحلة مدرب «داير ورا الفطبول»

كابتن «إيتو»: رحلة مدرب «داير ورا الفطبول»

الإثنين 24 أيلول 2018

تصوير: محمد اغباري

ما إن تتحدث إلى أحدٍ من المهتمين بكرة القدم في بلدة غور الصافي عن شغفه باللعبة إلا ويذكُر «الكابتن إيتو». وليس صعبًا على أي منهم أن يرشدك إليه، فهو إمّا يقف بلباسه الرياضي بين عدد من الأطفال والفتية على أرض الملعب الخماسي الصغير، أو يتابع مباراة شعبية في الملعب الكبير (ملعب نادي غور الصافي) بين فريقين مغمورين.

ليس «إيتو» هنا اسمًا للّاعب الكاميروني الشهير، بل لقبًا يطلقه بعض أهالي البلدة على مدرب كرة القدم خالد البوّات (38 عامًا) الذي عرفوه منذ أكثر من عقدين فتىً يلازم الكرة ولا يفوّت فرصة للّعب في الشوارع والساحات الترابية، ثم أودعوه أبناءهم وهو في الثلاثين من عمره ليدربهم على اللعب بطريقة احترافية.

وما بين لعِب الهواة والاحتراف في التدريب، خاض إيتو مباراته الخاصة التي انطلقت صافرتها في غور الصافي ضد التحديات المعيشية والرياضية هناك، قبل أن يتسلل إلى العقبة باحثًا عن عمل فيها، ليعود بعدها إلى بلدته مؤسسًا فيها أكاديميةً للتدريب.

طفولة إيتو: طابات شَرايط بين أقدام «الشياطين الحُمر»

لم يكن إيتو في طفولته مهتمًّا بدراسته، وقد انشغل عنها بأمرين؛ كرة القدم ومساعدة عائلته في أعمال الزراعة، لكنه كان يهرع إلى المدرسة كلما علمَ أن مباراة أو بطولة ستقام فيها.

سألناه: «[كنت تهرب من المدرسة عشان تلعب فطبول؟]

ما كنت أهرب، ما أداومش من الأساس (..) أستاذ الرياضة يحكي معي يقولي بطولة المدرسة، تعال، تلاقيني أول واحد [حاضر] من الطلاب».

ولما لم يكفِه اللعب في المدرسة فقط، وحيث لم يكن في البلدة حينها أي ملعب مخصص لكرة القدم، فقد جعل -ورفاقه- كل ساحة ملعبًا لهم، فلعبوا في الشارع الرئيسي والشوارع الفرعية والأزقة، وفي ساحة ترابية ملاصقة لمستشفى، وفي منتزه قديم في البلدة، حتى أن كراتهم وصلت إلى مجمع الباصات فأقاموا فيه ملعبًا.

وفضلًا عن انعدام الملاعب المناسبة، افتقروا كذلك للوازم والأدوات الرياضية الأساسية. يذكر إيتو أنهم كانوا يصنعون الكرات من الملابس الممزقة: «طابة شرايط (..) طابة مفتوحة نحشيها ورق»، فيما كان ينتعل كل «لعّيبة» الحارة حذاءً رياضيًّا واحدًا، «البوت يلف كل الحارة، كل الحارة تلبسه يعني، هذا بشحَده، وهذا بشحَده» يقول إيتو. وينسحب هذا على الملابس الرياضية كذلك: «واحد بجيب بلوزة أبوه، بلوزة أمه، بلبس أي إشي».

لكن هذه الظروف لم توقفهم عن اللعب، فشكلوا فريقًا في حارتهم أسموه «الشياطين الحمر»، وكانوا يلعبون الكرة يوميًّا من الثامنة صباحًا حتى الثانية ظهرًا، «ما كان يهمنا لا شوب ولا كان يهمنا إشي، بس نستريح نشرب مي» يقول إيتو. وكان الفريق شغوفًا بالكرة إلى حدٍّ كان يدفعهم إلى قطع عدة كيلومترات مشيًا من أجل اللعب مع فرقٍ في البلدات والقرى المجاورة لقاء ميدالية أحيانًا، «ميدالية وحدة بس لكل الفريق، وكانوا يتهاوشوا على الميدالية مين يوخذها»، وفي أحيان أخرى لا تزيد الجائزة عن وجبة طعام يقدمها الفريق الخاسر، أو 10 دنانير يتقاسمها لاعبو الفريق الفائز.

وبعد سنوات من اللعب مع «الشياطين»، كانت قد تطورت مهارات بعض اللاعبين بشكل لافت، ومنهم إيتو ذو السادسة عشر حينها، ما استدعى تشكيل فريق جديد، حول العام 1996، يكون أكثر جدية وتنظيمًا، سمّوه «النورس»، وهو الفريق الذي سيتحول على يد إيتو بعد 10 أعوام إلى النواة الأولى لأكاديمية «النورس» للتدريب، والتي ستتشكل منها لاحقًا عدة فرقٍ لفئات عمرية مختلفة.

إلى العقبة: عاملًا في فندق وحارسًا لملعب

أمضى إيتو أربعة أعوام من اللعب مع فريق النورس، حصل خلالها على شهادة الثانوية الصناعية، ثم غادر غور الصافي في العشرين من عمره متجهًا إلى العقبة ليعمل في فنادقها، لكن دون التخلي عن كرة القدم، فأصبح يلعب على شاطئها وفي مدارسها، قبل أن يلفت بمهاراته انتباه بعض لاعبي نادي شباب العقبة، فدعوه للتدرب معهم في النادي.

وفي هذا النادي سيُطلقُ عليه أحد زملائه لأول مرة لقب إيتو، نظرًا للشبه بينهما شكلًا، ولِما يتحلى به إيتو الغور من قدرات كروية عالية، «كان لعّيب إيتو [الكاميروني]، قناص (..) وأنا بسلّمك طابة بكيسها، بحطلك إياها بمغلّف وبقولك خذ» يقول إيتو.

ونظرًا لمهاراته في اللعب، إضافة إلى قدرته على توجيه زملائه اللاعبين بهدوء، فقد أصبح محل ثقة مدرب النادي آنذاك، سلطان أبو جديع، فكان يوكله أحيانًا بالتدريب بدلًا عنه، ثم عينه قائدًا للفريق الذي كان وقتها مصنفًا في الدرجة الثالثة.

ظل إيتو في العقبة قرابة عام ونصف، عاد بعدها إلى غور الصافي ولعب أربع سنوات أخرى مع «النورس»، ثم غادرها مجددًا إلى العقبة ليعمل في الفنادق نهارًا، و في مركز شباب العقبة بالمجمع الرياضي ليلًا، حيث اقتصرت مهمته في البداية على تخطيط الملاعب وحراستها.

صورة تجمع إيتو مع خالد سعد لاعب نادي الفيصلي سابقًا

في تلك الأثناء، كانت تقام أحيانًا في المجمّع معسكرات تدريبية لأندية الدرجة الممتازة مثل الوحدات والفيصلي وغيرهما، ولم يفوّت إيتو هذه الفرصة فاستغلها في مراقبة المدربين المحترفين وتدوين ملاحظات تتعلق بخططهم وأساليبهم. ثم انضم لاحقًا إلى دورات متخصصة في تدريب المدربين، ليتطوع لاحقًا كمدرب في مركز شباب العقبة مقابل مكافأة شهرية مقدارها 250 دينارًا. ثم عمل مدربًا للناشئين في أندية عدة منها الخليج والعقبة وذات راس، كما عمل مدربًا للفريق الأول في نادي غور الصافي.

العودة نهائيا إلى الغور وتأسيس الأكاديمية

بعد سنوات من العمل والتدريب في العقبة، عاد إيتو -وقد صار على مشارف الثلاثين- إلى الغور، نهائيًا هذه المرة، كما يقول، وأسس أكاديمية للتدريب حملت اسم «النورس»، ولم يكن فيها عند التأسيس إلا لاعبان، ما زال يذكرهما: أنس العشوش ولؤي الشُّعار، «لما رغّبتهم بالفطبول صار هذا يحكي للثاني، وهذا يحكي للثاني، صار [عدد المتدربين] تقريبا 170 واحد بعد 3 أشهر»، يقول إيتو، وقد وزعهم على خمسة فرقٍ حسب أعمارهم التي تتراوح بين 10 إلى 20 عامًا.

إيتو مع متدربين في الأكاديمية من الفئة العمرية 16-17 عامًا

إيتو مع متدربين من الفئة العمرية 10-11 عامًا

صورة تجمع إيتو مع لاعبي أول فريق تشكل في الأكاديمية

اليوم وبعد ما يزيد على 8 سنوات من تأسيسها، لم تعد أكاديمية «النورس»، أو أكاديمية إيتو كما يحب أن يسميها المتدربون الأطفال، مجرد مشروع يمارس إيتو من خلاله هوايته في التدريب، بل أصبحت مصدر رزقٍ له. يأخذ إيتو 5 خمسة دنانير شهريًّا من كل متدرب، ويحصّلها منهم بالتقسيط أسبوعيًّا، فيما يدرّب الأيتام مجانًا، «بصرف منهن على حالي، مصروف إلي شخصي، ومنهن بجيب الطابات، بجيب منهن كمان القموع، الحواجز، الأدوات» يقول إيتو.

ويصدف أحيانًا أن لا يكفي المبلغ الذي يتلقاه لشراء الأدوات اللازمة للتدريب، فهو ينفق منه أيضًا على استئجار الملعب الخماسي للتدريب (ديناران في الساعة)، إضافة إلى رسوم يدفعها للاشتراك في البطولات (تصل قيمتها أحيانًا إلى 50 دينارًا عن كل فريق مشارك)، ما يضطره إمّا لجمع مالٍ إضافي من خلال «جمعية» يساهم فيها المتدربون، أو لتفصيل وتصنيع بعض الأدوات بيديه.

يشتكي إيتو من ضعف الإمكانيات وانعدام الدعم المالي والفني من الشركات ورجال الأعمال للرياضة في غور الصافي، «والله أنا بس طموحي تزورنا ناس من عمان، الشركات يتبرعوا للشباب الطيبة اللي هون، شفت الشباب إنت [كيف] وضعهم (..) يعني ما في إمكانيات للصغار»، يقول إيتو، ويشير إلى أن عددًا من الأطفال يتغيبون عن التدريب بسبب عدم قدرتهم على تأمين دينارٍ واحد في الأسبوع.

لا تقتصر المشكلة المالية على الأطفال فحسب، بل تمتد إلى بعض الفتية الذين تعرض عليهم بعض أندية الدرجة الأولى والممتازة في عمّان فرصًا للّعب فيها، لكن الفتية يعجزون أحيانًا حتى عن الذهاب إلى الفحوصات الأولية التي تسبق اختيار اللاعبين، لأنهم غير قادرين على تحمل تكاليف المواصلات، «يروح يفحص أكثر من يوم، وهاي الأمور بتكلف ماديا» يقول إيتو، ويشتكي من الأندية التي لا توفر للاعبين في حالات مشابهة بدل مواصلات وسكن، ولا تأتي إلى غور الصافي لخوض مباريات والتعرف على مهارات لاعبي البلدة.

وبالرغم من هذه الأحوال، إلا أن لدى إيتو ما يدعوه للفخر، فقد التحق بعض من تدرب على يديه خلال السنوات الماضية بنوادٍ رياضية تنوعت تصنيفاتها، من الدرجة الثالثة حتى الممتازة، مثل شريف النوايشة الذي احترف اللعب في نادي القادسية الكويتي بعد صفقة إعارة من «ذات راس»، وعلي النواصرة الذي يلعب مع ناشئي الفيصلي، واللاعب جهاد الشعار الذي يلعب مع «ذات راس»، عدا عن اللاعبين الذي يعيرهم لنادي غور الصافي من أجل منافسات الدرجة الثالثة، «وبفتخر كمان في لاعبين عندي صاروا دكاترة، لاعبين صاروا معلمين، مهندسين، من عندي طلعوا، وفي ناس ضباط بالجيش والأمن العام».

تطلب بعض النوادي في الكرك والعقبة من إيتو أن يدرب لاعبيها، إلا أنه يرفض عروضهم، يقول: «حاب أظل هون، لإنه حاب أفيد اولاد بلدي (..) عاطفتي أبصر كيف». ومع أن إيتو يرى نفسه مدربًا «لمدى الحياة» إلا أنه ما زال يبحث عن فرصة عمل تؤمن له دخلًا أفضل، « قدمت للبلدية هون حارس، وقدمت للتربية مستخدم مدني، قدمت وبقولك على الديوان [ديوان الخدمة المدنية]، صارلي 10 سنوات وأنا مقدم، ولا طلعلي لحد الآن».