رأي

رونالدينيو: في معنى أن تكون ساحرًا

الجمعة 16 أيلول 2016
ronaldinho barcelona رونالدينيو برشلونة

بعد المباراة، بكيت لأكثر من ساعة ونصف بسبب ذلك الهدف اللعين.
–  دافيد سيمان

لا أعرف الكثير عن ديفيد سيمان، ما أعرفه فقط أنه كان حارس مرمى نادي أرسنال الإنجليزي، كما أعرف أن المنتخب الإنجليزي لم يعرف حارسًا يماثل جودته منذ توقفه عن حراسة مرماه في العام 2004. لكن أول ما يتبادر لذهني عندما أذكر سيمان هو رؤيتي له باكيًا بعد انتهاء مباراة البرازيل وإنجلترا في ربع نهائي كأس العام 2002.

رمية تماس للمنتخب البرازيلي، رونالدينيو يرمي الكرة لكليفرسون، لكن بول سكولز يسقطه أرضًا، متحصلًا على ضربة حرّة للمنتخب البرازيلي، يتقدم لها اللاعب الذي لم أكن قد سمعت به من قبل إلّا نادرًا. قالوا أن اسمه يعني رونالدو الصغير، وهو ما ظننته وقتها مبالغة غير مبررة، يعني حتى لو كان رونالدينيو جيدًا، فلا يجوز بحال من الأحوال مقارنته بأفضل مهاجم في العالم. وقتها، كان الأمر شبيهًا بما حصل بعد سنوات من مقارنة روبينيو ببيليه. يبدو أن المعلقين وكتاب الرياضة والمنشغلين بها يحبّون الأفورة، ولذا يجدون في كل لاعب شاب صاعد شبهًا ما بأسطورة ما.

يتقدم رونالدينيو نحو الكرة. أنا وأهلي من حولي، والناس في المقاهي، ومعلق المباراة، وأي عابر بالخطأ من أمام التلفاز يتوقع أن يقوم اللاعب البرازيلي برفع الكرة إلى أحد زملائه المتمركزين على مشارف منطقة الجزاء الإنجليزية. يتقدم رونالدينيو، والزمن يمارس نسبيّته، فيسير ببطء شديد. من الواضح أن هذا الرونالدو الصغير قد فشل في رفع الكرة للرفاق، وبالتالي خسرنا هجمة أخرى، هكذا فكّرت. دافيد سيمان واقف في مكانه، ويبدو أنه عرف أن الخطر قد تلاشى، المتفرجون البرازيليّون في الملعب يبدون تأففهم من إهدار الفرصة برعونة، وعلى الأغلب أن مشجعًا ما قد فكّر في تلك اللحظات: «هذا بشبهوه برونالدو؟ عليّ الطلاق اللي برجل رونالدو بتسوى شعراته». لكن مهلًا، ما حصل هو أن الكرة التي لم ترفع باتجاه خط منطقة الجزاء، توجهت بسحر ساحر، اسمه رونالدينيو، نحو المرمى. دافيد سيمان يفكر فيما الكرة تقترب منه، لا بد أنها بعيدة عن المرمى. الكرة تقترب، وسيمان يفكر، سيمان يتقدم خطوة ومن ثم يتراجع خطوات، الكرة تقترب جدًا، وبعد أن بدا أنها متوجهة كي تكون في «الأوت» غيّرت رأيها. سيمان يقفز عاليًا، لكن بح، الكرة في المرمى والبرازيليون يتفوقون على الإنجليز.

كانت تلك هي المرة الأولى التي أولي فيها اللاعب البرازيلي أي اهتمام، لكن ما أتذكره جيدًا هو أننا في الحارة والمسجد والمدرسة لم يكن لنا في اليوم التالي من حديث إلّا النقاش حول: هل كان رونالدينيو يقصد أن يلعبها بهذا الشكل، أم أنها كانت ضربة حظ موفقة؟ وهو السؤال الذي سيظل يتبادر إلى أذهاننا في كل مرّة نرى فيها دافيد سيمان، وفي كلّ مرة نشاهد فيها ذلك الهدف. وعلى الأغلب أنه سيظل معلّقًا بلا إجابة، تمامًا كأسئلة: متى بدنا نفرح فيك؟ ليش الغماز موجود في السيارة؟ ما هي أسباب إزالة هذا الدوّار؟  

أما رونالدينيو، اللاعب الذي لن يظل بعد هذه الحادثة مغمورًا، فسيسجل بعد تلك المباراة أهدافًا، تجعل من هدفه في مرمى إنجلترا مجرّد «تحماية» نحو مسيرة سيكون ارتكاب المعجزات وتطويع المستحيل علامتها المميزة.

عندما يدور الحديث عن لاعبي الصف الأول في العالم، نعود نحن محبو كرة القدم، وبغض النظر عن أعمارنا، إلى مراهقتنا، ولا نمل من الجدال. هذا يحدث اليوم عند أي ذكر رونالدو أو ميسي، وحدث طويلًا عند الحديث عن رونالدينيو، هل رونالدينيو أفضل من ميسي أم لا، ماذا عن المقارنة بين رونالدو البرازيلي ومواطنه رونالدينيو؟ برأيي، فإن المقارنة التي تفيد رونالدينيو ولا تضر طرفها الآخر هي مقارنته بنجم كزين الدين زيدان.

أهم ناديين لعب لهما زين الدين زيدان هما يوفنتوس وريال مدريد، ومنذ العام 1996 وحتى العام 2006 لعب زيدان بموهبة نادرة جعلت منه اللاعب الأفضل في العالم لسنوات. ورغم أن مستوى زيدان كان ينخفض قليلًا في بعض الأحيان، ويرتفع في غيرها، إلّا أن معدل أدائه كان عظيمًا، وجميلًا، وعصيًا على أن يكون له شبيه في لاعبي عصره أو العصور القادمة. على الطرف الآخر، فإن رونالدينيو لعب لبرشلونة كرونالدينيو، بينما لعب لأندية أخرى كلاعب هو ليس رونالدينيو الذي عرفناه. وعبر مسيرته في برشلونة، قدّم رونالدينيو مستوى مدهشًا في الأعوام من 2004 إلى 2006، ومستوى أقل من هذا في السنوات الأخرى.

رغم أن التذبذب في المستوى يعد نقيصة في لاعب كرة القدم الساعي لحفر اسمه إلى جوار زيدان ومارادونا وبيليه، فإن هذه النقيصة في حالة رونالدينيو كانت ميزة، والسبب هو أن ما نعرفه عن رونالدينيو، الأهداف التي لا نملّ من مشاهدتها على يوتيوب، القصص التي نسمعها عنه من المعلقين، الذكريات التي تربطنا به، كل هذه العظمة، والهالة التي تحيط باسم الفتى البرازيلي ذي الابتسامة الساحرة، لم تتحقق عبر مواسم طويلة، إنما تحققت في سنوات ثلاث، فيها وصل رونالدينيو إلى مستويات يصعب على لاعب آخر أن يصل إليها مهما حاول.

في هذه السنوات الثلاث كانت كل مباراة لبرشلونة أشبه بفيلم من إخراج كوينتن ترانتينو، ومن تأليف جورج آر آر مارتن، إذ مهما كان وضع برشلونة، وبغض النظر عن الخصم ونجومه، فإننا نعلم مسبقًا أن للمباراة نجمًا واحدًا، ونعلم كذلك أنه وبمجرد أن تصل الكرة إلى رونالدينيو فإننا سنشاهد شيئًا جديدًا، شيئًا لا يفعله غير رونالدينيو. في تلك الفترة، شاهدناه؛ يسجل أهدافًا مقصّية، ويستقبل الكرة بظهره، ويسجل من مسافات هائلة، ويجتاز دفاعات ريال مدريد وكأنها غير موجودة، ويدفع معلقي المباريات للصراخ تعجّبًا من الجنون الذي يرتكبه.

وفي الوقت الذي يتفق فيه العالم على أن الطريقة التي يلعب بها ميسي جميلة وبارعة، فإن جزءًا كبيرًا من هذا العالم يرى أن ميزة رونالدينيو الأهم كانت أنه ممتع، لدرجة تدفعك للتفكير أحيانًا: حسنًا، يمكن لرونالدينيو أن يسجل في مرمى فريقي المفضل، يمكن له أن يضع «بليلة» بين ساقي سلغادو أو سيرجيو راموس، لكنني، وأنا أتعرّض للهزيمة سأجدني من دون إرادة منّي أبتسم للاعب الذي نتوقع منه دومًا أن يفعل اللا متوقع.

وإن كان السؤال الذي يتبادر إلى أذهان المدافعين هو: كيف أمنع المهاجم من المرور منّي نحو المرمى، فإن السؤال الذي كان يتبادر إلى أذهان المدافعين أمام رونالدينيو كان: كيف أمنع رونالدينيو من تحويلي إلى مقطع طريف على اليوتيوب، أما بالنسبة للمرمى، فللبيت ربٌ يحميه.

أعلن الأسبوع الماضي أن الموسم الحالي هو الموسم الأخير لرونالدينيو كلاعب، وهو يلعب الآن في نادٍ برازيلي ما، بقليل من البحث يمكن لنا أن نعرفه، أو أن نتذكر اسمه. لكن، بالنسبة لي فقد اعتزل رونالدينيو يوم انتقل من برشلونة، وإن قالت ويكيبيديا غير هذا.