لاعبات أردنيات و«سباق حواجز» من أجل الرياضة

لاعبة الفنون القتالية لينا فياض خلال أحد تدريباتها. تصوير عز الدين الناطور

لاعبات أردنيات و«سباق حواجز» من أجل الرياضة

الخميس 23 آذار 2017

تقرير منار حافظ وصور عز الدين الناطور

«أصعب كلمات قيلت لي كانت تلك الموجهة من قرّاء خبر جاء فيه نبأ فوزي ببطولة العالم للملاكمة النسائية العربية في دبي قبل حوالي عامين»، تقول اللاعبة والمدربة للرياضات القتالية لينا فيّاض (27 عامًا). تستذكر فيّاض كيف تعالت أصواتٌ تطلب منها أن تحفظ نفسها في منزلها، ووجهوا الشتائم لها بدلًا من تهنئتها عقب تمثيلها للأردن وحصولها على الميدالية الذهبية.

لا تنكر فيّاض أن أهلها وزوجها كانوا داعمين لتقدمها، لكن في الوقت الذي كانت تتلقى فيه دعم المقرّبين، كان هناك آخرون يرون في استمرار ممارستها للألعاب القتالية بعد زواجها طيشًا.

هذه التجربة التي يختلط فيها الإنجاز باللوم والانتقاص قد تكون قابلة للتعميم على الكثير من الرياضيات الأردنيات، اللواتي احتجن لمواجهة عوائق عدة من أجل التقدم في رياضاتهن.

«بلعب من عمري 11 سنة وبدأت بالتايكواندو وواجهت صعوبة في البداية لإثبات قدرتي على ممارسة ألعاب أصعب من التايكواندو، بعد أن بدأت ممارسة رياضة المصارعة والكيك بوكسنج والملاكمة والموتاي وغيرها، وكانت بداياتي في فريق كله من الرجال»، تقول فيّاض، التي سرعان ما حازت على ثقة الفرق التي انتسبت إليها وحصلت على ميداليات خلال مشاركتها في العديد من البطولات، ثم أصبحت تُدّرب هذه الألعاب في نادٍ لها.

لينا فيّاض خلال أحد تدريباتها الدورية.

لعل كرة القدم من أكثر الرياضات اشتهارًا بين النساء كما بين الرجال، لوجود دعم رسمي لها. لكن مع ذلك، تعاني لاعبات المنتخب الوطني لكرة القدم من صعوبات عديدة. تقول لاعبة كرة القدم آية المجالي (25 عامًا) إنها رغم الدعم الذي تلقته من والديها إلا أنها واجهت صعوبات اجتماعية باعتبار أن هذه اللعبة مخصصة للذكور. لكن المجالي التي تدرس الهندسة الكيميائية في الجامعة الأردنية أوضحت أن الصورة النمطية بدأت تتغير خاصة مع التقدم الذي باتت الكرة النسوية تحققه.

هذا التغير تلحظه كذلك شروق الشاذلي (30 عامًا)، التي درست الرياضة وتلعب كرة القدم منذ ثلاثة عشر عامًا. إذ أشارت إلى أن هناك مَن يستهجنون توجه اللاعبات للتدريب وسفرهن وممارستهن لرياضة كرة القدم، ومع ذلك تبدي الشاذلي تفاؤلها بتقبّل المجتمع لهن في الفترة الأخيرة.

وتتفق لاعبة المنتخب النسوي الأردني لكرة القدم شاهيناز جبرين (24 عامًا) مع آراء زميلاتها الرياضيات بأن المجتمع لا يتقبل كثيرًا لعب الفتيات لكرة القدم وغيرها من الرياضات حتى وإن حظين بتشجيع من أهلهن، إلا أن مشكلة من نوع آخر واجهت جبرين تمثلت بمنع الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) للاعبات المسلمات من ارتداء الحجاب.

تقول جبرين التي تلعب كرة القدم منذ عشر سنوات إنها كادت تعدل عن قرارها بارتداء الحجاب قبل خمس سنوات حين صدر المنع، إلا أنها ارتدته بالفعل بعد أن تدخل تدخل الاتحاد الآسيوي لكرة القدم رئيس الاتحاد الأردني لكرة القدم الأمير علي بن الحسين، الذي كان حينها نائبًا لرئيس الفيفا، لرد القرار، لتسمح الفيفا عام 2012 بلعب الرياضيات المحجبات.

ويتكون المنتخب الأول للسيدات من 25 لاعبة تزيد أعمارهن عن 17 عامًا، بحسب ما أوضح مسؤول العلاقات العامة في المنتخب أحمد أبو زيد. وليست أي منهن متزوجة باستثناء واحدة مُقبلة على الزواج، وهو ما تعزوه اللاعبة جبرين إلى رغبة اللاعبات بعد الزواج بترك اللعبة.

من جانبه يرى أبو زيد أن استضافة الأردن لكأس العالم للسيدات تحت سن 17 العام الماضي كان لها أثر إيجابي؛ سواء على صعيد تقبّل المجتمع للرياضة النسوية، أو حضور العائلات للمباريات بصورة غير معهودة، أو حتى على الصعيد الإعلامي في تغطية الحدث.

لاعبات المنتخب الأول للسيدات لكرة القدم ومدربوهم خلال تدريب في المدينة الرياضية.

تحدي الاستمرار

صعوبة استمرار الرياضيات في رياضاتهن لفترات طويلة، واعتزالهن معظم الأحيان بعد الزواج لضغوط اجتماعية وعملية مختلفة، يعيق رغبتهنّ بمراكمة الخبرة، خاصة في الرياضات التي تحتاج هذا النوع من الاستمرارية والالتزام، كرياضة الجمباز التي تحتاج إلى كثير من التمرين ولياقة بدنية عالية وسنوات طويلة من العمل.

يقول المدير الفني للاتحاد الأردني للجمباز محمد الأخضر (38 عامًا) أن هناك ثلاثة مراكز مخصصة لرياضة الجمباز للذكور في عمّان والزرقاء وإربد، بينما خُصص اثنان فقط للإناث في عمان وإربد. ويوضح الأخضر أنه إضافة للمحافظة الاجتماعية، فهناك عامل آخر يتمثل بصعوبة هذه الرياضة وعدم إحراز إنجاز فيها على المدى القصير، مما يدفع كثيرين لاعتزالها وليس فقط الإناث.

ويستقبل الاتحاد اللاعبين من عمر ثلاث سنوات بحسب الأخضر الذي أكد أن «عدد اللاعبات يستمر بالازدياد حتى عمر ثمان سنوات، بينما لا يوجد حاليًا سوى أربع فتيات بعمر تسع سنوات يلعبن ضمن الفئات العمرية، ولا يوجد لاعبات جمباز في فئة الناشئات، وتمارس أربع لاعبات تتراوح أعمارهن بين (16- 18) عامًا رياضة الجمباز في المنتخب».

لاعبة الجمباز تالا حداد خلال أحد تدريباتها.

أما الذكور، فيقول الأخضر «هناك ستة ممن يلعبون ضمن الفئات العمرية، ولاعب واحد ضمن فئة الناشئين، وأربعة في المنتخب الأول». ولا يتجاوز عدد النوادي المهتمة بالرياضة النسوية خمسة وعشرين ناديًا في كل محافظات المملكة، توزعت بين عدد من الرياضات أبرزها كرة الطائرة واليد والقدم، بحسب البيانات التي أطلعنا عليها مدير الأندية في وزارة الشباب نمر الغنايم.

ومن بين واحدٍ وثلاثين اتحادًا هناك ثمانية وعشرون تضم فرقًا نسوية؛ هي: كرة القدم، وكرة السلة، والملاكمة، والدراجات، والفروسية، والمبارزة، والجمباز، وكرة اليد، والجودو، والرياضات البحرية، والرماية، والسباحة، وكرة الطاولة، والتايكواندو، والسكواش، وألعاب القوى، والريشة الطائرة، والتنس، والجوجيتسو، والكاراتيه، والكيك بوكسينغ، وكرة الطائرة، ورفع الأثقال، والشطرنج، والبولينغ، والبريدج، ولجنة الإيدو والكندو، واللجنة البارالمبية.

المديرة التنفيذية لمونديال الشابات سمر نصار (39 عامًا) تفتخر باستضافة الأردن لكأس العالم للسيدات دون 17 عامًا. وتعتبر نصار نفسها محظوظة بدعم أهلها وزوجها لها حيث مارست رياضة السباحة منذ صغرها، ولم تعتزلها إلا حين بلغت السابعة والعشرين، لتصبح بعدها عضو مجلس إدارة في اللجنة الأولمبية الأردنية. وترى أنه من المؤسف اعتزال كثير من الفتيات للرياضة وهن في عمر العطاء وتحديدًا عند سن الثامنة عشر، إما لإتمام دراستهن أو للزواج، لكنها تعتقد أن الرياضة النسائية في تقدم، وثقافة المجتمع أصبحت أكثر انفتاحًا.

ورغم الصعوبات التي تواجه اللاعبات في العاصمة عمان إلا أن حظوظهن تعد وفيرة مقارنة باللاعبات في المحافظات الأخرى، نظرًا للصعوبات الاجتماعية المضاعفة هناك وكذلك لقلة الدعم المالي، كما يوضح مدير الأندية في وزارة الشباب نمر الغنايم. يستذكر الغنايم نادي حرثا لكرة اليد في إربد ونادي ألعاب القوى في غور الصافي وغور المزرعة، مؤكدًا أن دعمًا ماديًا واهتمامًا إضافيًا سيكونان كفيلين بأن تحصل اللاعبات فيهما على بطولات عالمية.

هذه التحديات وغيرها لم تقف في وجه اللاعبة بتول أرناؤوط (38 عامًا)، إذ دفعها حبها للرياضة لإطلاق مبادرة «بووست» لمساعدة الرياضيين من الذكور والإناث في المحافظات ودعمهم ماديًا. وتمارس أرناؤوط رياضة ركوب الدراجات الهوائية ورياضة الركض بعد إصابة في يدها دفعتها لاعتزال لعبة السكواش، بينما تلفت إلى أنها كانت تلعب التايكواندو منذ كان عمرها خمس سنوات.

شملت المبادرة مناطق عدة؛ في المفرق والأغوار والزرقاء والضليل، وساهمت في جمع الملابس الرياضية وتوزيعها على الرياضيين المحتاجين للدعم. وتحدثت أرناؤوط لحبر عن «تحدي المئة»، وهو عبارة عن سباق دراجات هوائية أقيم ثلاث مرات آخرها كان في شهر كانون الثاني الماضي، حيث ينطلق من المغطس وينتهي في غور الصافي، ويعود 20% من ريع السباق لدعم الرياضيين على شكل ملابس رياضية ودراجات هوائية. وتؤكد أرناؤوط أن أساس مبادرتها قائم على دعم اللاعبين واللاعبات في المناطق الأقل حظًا.

هل الدعم المؤسسي كافٍ؟

تعبّر لاعبة كرة القدم الشاذلي عن شغفها باللعبة، لكنها تؤكد أيضًا على عدم جدواها على الصعيد المالي، وأن المكافآت غير كافية. وتتابع «غالبية اللاعبات لا يمكنهن الحصول على عمل ثابت نظرًا للمتطلبات التي يفرضها علينا السفر وأخذ العديد من الإجازات»، وتتفق معها اللاعبة المجالي.

لاعبة الفنون القتالية فياض تقول «ما في لا دعم معنوي ولا مادي رغم أني أمارس الألعاب القتالية وأمثل الأردن منذ 16 عامًا». بينما ترى إحدى لاعبات رياضة السكواش (فضلت عدم الكشف عن اسمها) أن دعم الاتحاد للذكور أكثر منه للإناث، على صعيد اختيارهم للمشاركة في البطولات الدولية بينما لا تشارك اللاعبات سوى على الصعيد العربي. وتضيف أن الاتحاد عند اقترابها من بلوغ الثلاثين حاول استبعادها باعتبارها تقدّمت في العمر، خاصة بعد زواجها وإنجابها لطفلة، لكنها تؤكد أن شغفها باللعبة دفعها للتدريب في عدد من المراكز الرياضية.

لكن أمين سر الاتحاد الأردني للسكواش حسام بركات نفى أن يكون هناك الاهتمام باللاعبين من أكبر منه باللاعبات، محمّلًا أهالي الفتيات وبعض اللاعبات مسؤولية عدم الاستمرار في اللعبة. يوضح بركات أن لعبة السكواش صعبة وبحاجة للكثير من التمرين، وبعض اللاعبات يفضّلن ترك هذه الرياضة عند إقبالهن على الزواج، بحسبه. ولفت إلى أن الأبواب مفتوحة أمام جميع اللاعبات من كل الأعمار، كما قال إن الاتحاد يدرّب ناشئين وناشئات دون سن الحادية عشر في مركز تابع له.

تستذكر مدربة منتخب الناشئات سوسن الحساسين عندما بدأت بلعب كرة القدم عام 2003 في الأندية قبل أن يتم استدعاء اللاعبات وإنشاء منتخب لكرة القدم النسوية عام 2005. «في البداية كان يعتبر من العيب أن تمارس الفتيات هذه الرياضة، ولم تكن منتشرة في الأردن، لكن اليوم أثبتت الكرة النسوية نفسها على صعيد الإنجازات».

وتقول الحساسين «لولا كرة القدم النسوية لم نكن لنشهد هذا التطور في البُنى التحتية للملاعب، واستضافتنا لكأس العالم للسيدات كأول دولة عربية هي من دفعت لإنشاء سبعة عشرًا ملعبًا تدريبيًا، وأصبحت الملاعب بمواصفات عالمية».

أكدت اللجنة الأولمبية في ردها على حبر أن تطوير الرياضة النسوية وتشجيع مشاركة المرأة في الرياضة من المحاور الرئيسية التي تهتم بها اللجنة مع الاتحادات الرياضية. وأوضح رائد عبد الدايم من المكتب الإعلامي للجنة أن النظام الجديد يفرض وجود امرأتين في مجالس إدارة الاتحادات.

أما عن الدعم المالي المخصص للاعبات فقال عبد الدايم إن اللجنة الأولمبية تحصل على المخصصات من موازنة الحكومة، ثم توزعها على الاتحادات الرياضية حسب نوع اللعبة والخطة المقدمة من الاتحاد وتشمل الفرق والمنتخبات لكلا الجنسين. وبلغت المخصصات المالية للجنة الأولمبية العام الماضي حوالي 11 مليون دينار، وفق عبد الدايم.

وبموجب المادة السادسة من قانون اللجنة الأولمبية فإن الموارد المالية للجنة تتمثل في المخصصات المرصودة لها في الموازنة العامة، أو ما تقدمه أي جهة حكومية من دعم، إلى جانب الهبات والتبرعات المقدمة من أي جهة شرط أخذها موافقة مجلس الوزراء إن كانت من مصدر غير أردني، والمبالغ المقررة من الصندوق الوطني لدعم الحركة الشبابية والرياضية، والدعم والمخصصات المقدمة من اللجنة الأولمبية الدولية واتحاد اللجان الأولمبية الوطنية والمجلس الأولمبي الآسيوي ولجنة التضامن الأولمبي أو أي هيئة رياضية معترف بها دوليًا، وكذلك عوائد استثمار اللجنة الأولمبية المنقولة وغير المنقولة.

وترى اللجنة الأولمبية أن الأردن يعد من الدول المتقدمة في مجال الرياضة النسوية ومشاركة المرأة سواء كلاعبة أو إدارية أو مدربة. ويرى عبد الدايم ضرورة تعاون الجميع، سواء على صعيد الأهل أو المجتمع، وأن على الإعلام تحفيز مشاركة النساء وتسليط الضوء على النماذج الرياضية النسوية.

ويبلغ عدد اللاعبات المُسجلات في سبعة عشر ناديًا تابعة للاتحادات الرياضية حوالي 255 لاعبة، ويتوجه معظمهن لكرة الطائرة والسلة وكرة القدم، وفق ما أفاد غنايم، بينما تم تسجيل 720 لاعبة كرة قدم رسميًا في العام 2015 وفقًا لـتقرير سابق.