أقيلوا بيريز، لا بنيتيز

الثلاثاء 05 كانون الثاني 2016
real madrid benitez perez ريال مدريد برشلونة بنيتيز بيريز

بقلم جابر جابر

إذًا، وبعد انتظار جماهيري لم يطل، قامت إدارة الريال، كما هو معتاد منذ العام 2000، بإقالة المدرب، وتحميله كافة الأسباب التي تجعل من ريـال مدريد فريقًا بائسًا، بميزانية تبلغ مئات الملايين.

سنصفق كمشجعين لريال مدريد لهذا القرار، وسنفرح لرؤية أسطورتنا الحيّة زين الدين زيدان على رأس الفريق الملكي، وسنفكر بأن أيام مباراتنا أمام بايرن ليفركوزن عام 2002، والتي علقت بذاكرتنا إلى الأبد، ستعود على يدي الفتى الفرنسي الجزائري.

لكن، وكما فشل بينتيز، وهو الذي نجح من قبل مع فالنسيا وليفربول، سيفشل زيدان. وساعتها، لن تتردد الجماهير التي اعتادت الدلع أسلوب حياة وتشجيع، في رفع الرايات البيض لزيدان. قد لا يحصل هذا كله مع نهاية هذا الموسم، لكنني شبه متأكد من أنه سيحصل على أبعد تقدير مع نهاية الموسم المقبل. لماذا؟ لأنه إن يسرقْ فقد سرق أخٌ له من قبل، وإن يُقَل زيدان فقد أقيل قبله رجال هم ذوو باع أطول منه في التدريب، ابتداءً من ديل بوسكي، ومرورًا بمورينيو، وانتهاءً بالعجوز الإيطالي، صاحب العاشرة، أنشيلوتي.

وكما هي الحال مع بنيتيز، وكما ستكون مع زيدان، وكما كانت من قبل مع أنشيلوتي، ليس العيب في المدرب، بغض النظر عن اسمه وخبرته وجنسيته، ولا العيب في لاعبي الريال، وإن كانوا يتحملون جزءًا لا بأس منه من المسؤولية. العيب، فيما أرى على الأقل، في الديكتاتور القائم على شؤون النادي، والذي يجب أن يقصى عن إدارة الريال أسوة بشبيهه جوزيف بلاتر.

المشكلة في رجل يدعى فلورينتينو بيريز.

هذا الرجل الذي تقلّد مفاتيح ريـال مدريد منذ العام 2000، ومنذ ذلك الحين، والريال في تراجع مستمر، وما الألقاب التي حققها، وعلى رأسها بطولتا دوري أبطال أوروبا، سوى ضربتي قدر، مكّنتا الرجل من إطالة عمره في إدارة الريال، وتحسين سجله، والأهم، مواصلة الضحك على جماهير الريال، والاستئثار بعرش النادي الأكثر جماهيرية وغنى في العالم.

قائمة جرائم بيريز طويلة، والأسباب التي تدعوني لتحميله المسؤولية حول ما حصل بريال مدريد أطول وأكبر، وعلى رأس هذه الأسباب، ما يلي.

منذ العام 2000، والنادي الملكي، أو بالأحرى فلورونتينو بيريز، صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في النادي، يشتري اللاعبين ويبيعهم بغض النظر عن حاجة النادي إليهم، ويجمع النجوم بشكل هستيري، وينفق النقود بلا حسيب ولا رقيب، وكل متابع للريال يعلم جيدًا أن بعض من دُفع فيهم عشرات الملايين من الدولارات لم يكونوا بمستوى الريال أبدًا، وإنما تم التعاقد معهم فقط لقدرتهم على بيع القمصان وجذب الاستثمارات، وربما للترويج لصورة النادي في أماكن معينة، كآسيا على سبيل المثال، والتي أظن أن النجم الإنجليزي العظيم، ديفيد بيكهام، ما أُتي به من مانشستر إلّا لهذا السبب.

منذ أن تحوّل ريـال مدريد إلى شبه ملكية خاصة لبيريز، والريال عاجز بشكل شبه تام عن خلق النجوم.

تكديس النجوم هذا، لم يضر الريال فقط، بل ضر النجوم أنفسهم، فقضى على مسيرة البعض منهم، وأضر كرة القدم العالمية التي باتت بعض كبرى أنديتها تفتقر للنجوم.

ثانيًا، منذ أن تحوّل ريـال مدريد إلى شبه ملكية خاصة لبيريز، والريال عاجز بشكل شبه تام عن خلق النجوم، وبالتالي ليس من الغريب أن يكون معظم لاعبي المنتخب الإسباني من الغريم التقليدي برشلونة. فمنذ العام 2000 لم يتمكن الريال من صنع ابن للنادي يمكن له أن يخلف الفتى الذهبي راؤول غونزاليس، والنظر إلى تشكيلة الريال اليوم كفيل بإثبات هذه النظرية، فكابتن الفريق اليوم هو سيرجيو راموس ابن إشبيلية، يليه البرتغالي بيبي، أو رونالدو القادم من مانشستر، أو البرازيلي مارسيلو.

ثالثًا، منذ حلّت بالريال لعنة بيريز، لم يعد الفريق ولا جماهيره قادرًا على تقديم الاحترام اللازم لأبناء النادي، فحتى الهداف التاريخي راؤؤل غونزاليس خرج من الباب الخلفي، ومن باب أصغر خرج الحارس التاريخي للريال والذي ذاد عن مرماه سنوات طوال، إيكر كاسياس. وإن كانت هذه هي الطريقة التي يتم التعامل فيها مع أبناء النادي، فالطريقة التي يقابل بها النجوم الأخرون أكثر رداءة، هكذا كان الحال مع رونالدو البرازيلي، وكذا كان الحال مع دي ماريا، ومع كامبياسو وأوين وشنايدر وماكليللي، وغيرهم.

رابعًا: منذ العام 2000، ورغم مئات الملايين التي أنفقت، إلّا أن ريال مدريد عاجز بشكل حقيقي عن مقارعة النادي الكاتالوني برشلونة، ولا يعود هذا الأمر، في رأيي، إلى فشل المدربين الذين استعان بهم الريال على مرّ السنين، ولا إلى نقصهم خبراتهم، ولكن يعود أساسًا إلى الإدارة الفاشلة التي ما انفكت تتصرف في مصير الريال كآلهة إغريقية ينقصها الرشاد.

منذ العام 2000 يضطر المشجع المدريدي إلى التعرض للإذلال مرارًا وتكرارًا بأقدام لاعبي برشلونة، وقرارات بيريز. منذ العام 2000 وبرشلونة يصنع اللاعبين النجوم، واحدًا تلو الآخر، حتى وصل إلى مرحلة أن الثلاثي الذي يلعب في مقدمته الآن (ميسي، نيمار، سواريز) من الممكن له اللعب بعيون مغمضة. منذ العام 2000 عرفنا الخسارة بخمسة أهداف للا شيء، وعرفنا الخسارة بأربعة أهداف للا شيء، وصفق جمهورنا لرونالدينيو، ولميسي، ولغيرهما.

منذ العام 2000 والريال يلعب من غير خطّة، ويعتمد على الحظ، وعلى التوفيق الإلهي، وعلى المهارات الفردية لنجومه، وربما على وضع حافلة أمام المرمى والأمل بأن يتمكن رونالدو من تسجيل هجمة مرتدّة ما.

يمكن للريال أن يفوز بعشرة أهداف للاشيء، لكن لعبه مع ذلك يبقى مملًا، مزعجًا، لا ترى فيه لعبًا جماعيًا، ولا مهارات فردية، وإنما تسديدات من مختلف المناطق، وضربات جزاء، وأخطاء يرتكبها خصوم أغرار.

منذ حلّت علينا لعنة بيريز ومستوى برشلونة في صعود مستمر، بينما الريال في أفضل الأحوال متقلب المستوى.

الريال يصبح أغنى، وبرشلونة وأتلتيكو مدريد يحوزان الألقاب.

خامسًا، أعلم تمامًا أننا كجماهير لريال مدريد اعتدنا الألقاب، اعتدنا ألّا يمر عام دون لقب واحدٍ على الأقل، لكن ومنذ العام 2000 تحوّلنا إلى جماهير تمارس الدلع في أسوأ أشكاله، لا تحتج وإنما تتذمّر، تصفر بحق رونالدو وراؤول وكاسياس، تصفر ضد المدربين، تعتزل المدرجات، تمارس الضغط على الفريق عبر صحافتها التي يمكن وصفها بالصفراء. حتى أنه من الممكن القول أن جماهير الريال قد ساندت السياسة الحمقاء التي اعتنقها رئيس النادي، فأعادت انتخابه، وهو يعدها بالنجوم لا الألقاب.

سادسًا، المشكلة الأخيرة والرئيسة، أن بيريز يتعامل مع الريال على أنه شركة استثمارية، ولذا ومنذ استيلائه على عرش الريال، ونحن نسمع كل عام أن ريـال مدريد هو النادي الأغنى في العالم، وبالطبع هذا يرضي غرور المشجع المار بالريال مرورًا، لكنه لا يمكن أن يرضي من ينظر إلى كرة القدم على أنها ثقافة، وعلى أنها لعبة جماهيرية، وعلى أنها مسألة مصيرية. الريال يصبح أغنى، وبرشلونة وأتلتيكو مدريد يحوزان الألقاب. أشبعتهم شتمًا، وفازوا بالإبل.

لو كنت مكان زيدان اليوم، لرفضت تدريب الفريق الأول في ريـال مدريد في ظل إدارة كالإدارة الحالية، ولاكتفيت بالعمل الحثيث على خلق جيل من شبان ريـال مدريد القادرين على مقارعة كبار القارّة، من دون الحاجة لإنفاق الملايين.

المميز في زين الدين زيدان، هو أنه وعلى خلاف باقي نجوم ريـال مدريد التاريخيين، عرف اللحظة المناسبة للاعتزال. بلغ قمة المجد التي يمكن للاعب أن يصل إليها، ومن على تلك التلّة اعتزل، محتفظًا بحب الجماهير وتقدريها له، غير مضطر للعب في أميركا أو في الخليج للحصول على أجر نهاية الخدمة.

ولكن ما يخشى على زيدان اليوم، أن يكون قد اتخذ القرار الذي سيسيء لمسيرته كلاعب عظيم، ولمهنته الوليدة كمدرّب.