تدوينة

يوفنتوس: يا قصة الحب العظيمة!

الأربعاء 24 أيار 2017

أشجع نادي يوفنتوس الإيطالي منذ عام 1998، حينها كنت طفلًا في الثامنة من العمر، ينتمي إلى عائلة تحب كرة القدم الإيطالية، ويشاهد مباريات يوفنتوس مع والده، الذي كان يشجعه هو أيضًا. سرعان ما بات ذلك الطفل يؤمن أن الكرة الإيطالية هي أفضل كرة قدم بالعالم، وأن نادي يوفنتوس هو «الأفضل» وإن كان ليس «الأقوى»، ولا يلعب كرة قدم ممتعة، إلا أنه يستطيع أن يهزم أي فريق على كوكب الأرض، على الأقل هكذا كنت أعتقد. لكن ذلك الاعتقاد سرعان ما انهار مع اقتراب الموسم الكروي من نهايته. تلك السنة بكيتُ مرتين، وفي المرّتين بسبب لاعب يوفنتوس، الفرنسي الجزائري، زين الدين زيدان، الأولى من أجله عندما خسر نهائي دوري أبطال أوروبا مع يوفنتوس أمام ريـال مدريد، والثانية بسببه عندما ساهم مع منتخب بلاده في إقصاء إيطاليا من كأس العالم.

في نهائي دوري الأبطال، وبعد هدف لاعب ريـال مدريد مياتوفيتش وخسارة يوفنتوس النهائي الثاني على التوالي، باتت مسألة تشجيع يوفنتوس والفوز بدوري أبطال أوروبا قضية شخصية تمامًا، يومها، هُزم الفريق الأفضل بالنسبة لوعي ذلك الطفل، ومنذ ذلك الوقت وهو يحاول ترميم تلك الصورة. واليوم، وبعد قرابة العشرين عامًا، فإنه لا يحتاج إلا لرؤية فريقه يفوز بنهائي تلك البطولة، ولو لمرّة واحدة، حتى يعود له إيمانه بأن فريقه هو فعلًا «أفضل فريق على كوكب الأرض».

اليوم، وبعد كل هذه السنوات تبدو اللقمة قريبة من الفم، صعبة ولكنّها قريبة جدًا. سيلعب يوفنتوس نهائي دوري أبطال أوروبا مطلع الشهر القادم، وللصدفة ستكون المباراة أمام ذات الفريق الذي أبكاني أوّل مرة، وضد اللاعب الذي بكيت عليه وأبكاني، زين الدين زيدان الذي صار الآن مدربًا للفريق الذي حرمه من البطولة كلاعب لليوفنتوس عام 1998.

في التسعينات، كان يوفنتوس، مثل برشلونة أو ريـال مدريد اليوم، فريق منذ عام 1996 وإلى 1998 وصل إلى نهائي دوري أبطال أوروبا ثلاث مرّات متتالية، وكان يدربه مارتشيلو ليبي الذي سيحقق كأس العام عام 2006، وفي ترسانته كلٌ من ديل بيرو وإنزاغي، وفي الوسط زيدان، وأنطونيو كونتي مدرب تشيلسي الآن، وديديه ديشامب مدرب منتخب فرنسا الآن، وإدغار ديفيدز، وفي الدفاع تشيرو فيرارا وأليساندرو بيريندلي، فكيف كان من الممكن أن لا تحب فريقًا كهذا.

بعض الأشياء، من الصعب علينا تفسيرها، ومن هذه الأشياء مسألة «عشقك» لفريق كرة قدم ما، خاصة إن كنت تشجع ذلك الفريق منذ أن كنت طفلًا، لأن علاقتك بفريقك تصبح أسلوب حياة، مسألة تتجاوز حدود العلاقة الطبيعية بين المشجع والنادي إلى حد التداخل مع كافة سماتك الشخصية وطريقة تفكيرك. وعندما يتملّكك عشق نادٍ مثل اليوفي فإنك تصبح عنيدًا مثل فريقك، تؤمن أنك قوي حتى حين يشكك فيك الجميع، تجد القوّة للوقوف بعد أن تسقط، وتعيش وتقاتل «بكل قلبك، وحواسّك».

نهائي «كارديف»، حيث سيقام نهائي دوري الأبطال هذا العام، ليس نهائيًا عاديًا بالنسبة لمشجعي يوفنتوس، وإن كان الثاني خلال ثلاث أعوام، لكنه قد يكون الأهم بالنسبة للفريق الذي لم يحقق اللقب في الألفية الجديدة، وإن سألت أي مشجع لماذا يعتقد أن هذا النهائي هو الأهم، سيجيبك بدون تفكير، من أجل بوفون!

جانلويجي بوفون هو حارس يوفنتوس الأوّل منذ العام 2001، قدم إلى الفريق بأعلى صفقة انتقال حارس مرمى بتاريخ كرة القدم، وهو الآن قائد الفريق. لعب نهائي دوري أبطال أوروبا مرتين وخسرهما مع اليوفي عام 2003 ضد ميلان وعام 2015 ضد برشلونة، ونهائي «كارديف» سيكون الثالث، وربما الأخير، لأن بوفون قرر الاعتزال بعد كأس العالم العام المقبل، مما يعني أن هذا النهائي قد يكون الأخير للاعب الذي فاز بكل البطولات الممكنة محليًا وقاريًا إلا بطولة دوري أبطال أوروبا.

من المستحيل أن أنسى الخيبة على وجه بوفون يوم أن خسر يوفنتوس نهائي عام 2003 ضد الميلان في مدينة مانشستر، يومها تصدى لأكثر من هدف محقق من بينها رأسية فيليبو إنزاغي في الشوط الأوّل، وهو ما ساهم بأن تصل المباراة لركلات الترجيح. تصدى بوفون لركلتين، إلا أن الفريق خسر في النهاية. غبتُ عن المدرسة في اليوم التالي، لم أستطع تحمل فكرة أن تفعل كل شيء من أجل شيء ما ولا تحققه في النهاية.

وصل فريق يوفنتوس عبر تاريخه إلى نهائي بطولة دوري أبطال أوروبا ثمان مرات، خسرها في ست منها، ليكون أكثر فريق يصل النهائي ويخسره في تاريخ البطولة. لا يوجد حظ أسوأ من هذا. وإن كان الموضوع مرتبطًا كذلك بقضايا أكبر من الحظ.

عشرون عامًا ويوفنتوس من دون لقب دوري أبطال أوروبا، شاهدتُ الفريق خلالها يلعب بالدرجة الثانية عام 2006 بقائمة لاعبين حققت بعض الأسماء فيها كأس العالم قبل شهور، وشاهدته لا يحقق أي بطولة بعدها حتى عام 2012، شاهدتُ ديل بيرو يلعب ويعتزل، شاهدت بيرلو يلعب ويعتزل، وشاهدت الفريق يفوز بـ22 بطولة محلية، بينها 12 بطولة فقط منذ عام 2012 وحتى الآن. أحب كل لحظة في تلك السنوات، أحب فكرة أنني أشجع هذا النادي حتى الآن، لكن اللحظة التي سيحمل فيها بوفون الكأس «ذات الأذنين» لا شك ستكون غير. وسيكون الفوز بالنهائي بمثابة العودة العظيمة للواجهة الأوروبية مجددًا كما يجب. والأجمل أن هذا الفوز، إن حصل، سيكون الهدية الأجمل لجيل عشق يوفنتوس ووقف معه في الضرّاء قبل السرّاء.

أخيرًا، من المنتظر لهذا النهائي أن يكون جميلًا وممتعًا لعشاق كرة القدم، أمّا بالنسبة لنا، نحن مشجعي اليوفي، فسنتجاوز الخوف والقلق، وسننشد ما ينشده جمهور ملعب يوفنتوس في مدينة تورينو قبل كلّ مباراة: «خذنا حيث تريد .. فأينما تصل، سيكون ذلك تاريخنا جميعًا، يوفنتوس يا قصة العشق العظيمة». لذا، مهما حصل في النهائي، سيبقى يوفنتوس قصة حبّنا العظيمة، وسيكون تاريخنا جميعًا، ومن ضمننا، طفل في الثامنة ما زال ينتظر رفع «سوبرمان» لكأس دوري أبطال أوروبا، فيكون فريقه أفضل فريق كرة قدم على كوكب الأرض.