معجزة إسطنبول: 10 أعوام على النهائي الأعظم في تاريخ دوري أبطال أوروبا

الخميس 21 أيار 2015
Liverpool-Istanbul milan

ربما لأنهم يعتبرون أنفسهم إنجليزًا أكثر من الإنجليز أنفسهم، اجتمع في الرابع والعشرين من حزيران من العام 2013 أكثر من تسعين ألف أسترالي لمشاهدة مباراة فريق محلي وفريق ليفربول الإنجليزي. تسعون ألفًا أو أكثر، هذا العدد من الجماهير لم يجتمع للمنتخب الإسترالي الذي سيلعب نهائي كأس أمم آسيا لأول مرّة على أرضه بعدها بعام وسيشاهده ثمانون ألفًا في الملعب فقط.

ليس ولاء الأستراليين لمنتخبهم أمرنا اليوم، وإنما تلك الأغنية التي هتفت بها حناجر عشرات الآلاف من مرتدي اللون الأحمر في تلك الليلة، وهي أغنية «You Will Never Walk Alone».

تبلغ أغنية «لن تسير وحيدًا أبدًا» من العمر أكثر من خمسين عامًا، وهي بحسب ويكيبيديا قد صارت أغنية رسمية لنادي ليفربول الإنجليزي منذ العام 1963، وبل أنها كتبت على جدران ملعب الأنفيلد الشهير، الملعب الخاص بالفريق الإنجليزي العريق، وفي كل مباراة في مدينتهم، يقف جمهور النادي ذو الشعبية الجارفة على أقدامه ويرفع الرايات الحمر ويغني بأعلى صوت: لن تسير وحيدًا أبدًا.

غنى الجمهور هذه الأغنية آلاف المرات، في مناسبات حزينة وأخرى سعيدة، لكن المناسبة التي ستبقى حاضرة في أذهان الجماهير طويلًا، هي تلك المرة التي غنت فيها هذه الأغنية بين شوطي المباراة الأهم في حياة كل مشجع لليفربول. أعني في ليلة الخامس والعشرين من مايو 2005، في مدينة إسطنبول التركية، وفي نهائي بطولة دوري ابطال أوروبا لكرة القدم، التي تصادف هذه الأيام ذكراها العاشرة، وستبقى ذكرى تلك الأمسية حاضرة في ذاكرة مشجعي كرة القدم أبدًا على اعتبارها واحدة من أكثر مباريات كرة القدم إثارة وعجائبية.

الموقعة

كما أن حلم كل فيزيائي الحصول على نوبل، وكل عدّاء الفوز بذهبية الأولمبياد، ، فإن حلم كل لاعب كرة قدم أن يفوز بإحدى الحسنيين: إما كأس العالم، أو لعب نهائي بطولة دوري أبطال أوروبا، البطولة الأغلى والأجمل والأكثر إثارة ومتابعة على مستوى العالم.

على مدى نصف قرن أو يزيد من عمر البطولة، فإن فرقًا ثلاثة تمكنت من تحقيق إنجاز تاريخي فيها. هذه الفرق هي ريال مدريد الإسباني (10 مرات)، وإيه سي ميلان الإيطالي (مرات 7) وليفربول الإنجليزي (5 مرات). وفي ليلة الخامس والعشرين من أيّار من العام 2005، التقى فريقا ليفربول وإيه سي ميلان في ملعب أتاتورك في إسطنبول ليلعبا نهائي البطولة.

ما الذي يعنيه أن تقول لأبنائك مستقبلًا إنك شاهدت هذه المباراة ليلة بثها؟ أظن ألّا شيء يعادل هذا الشعور إلّا شعور والدك إذ يخبرك أنه شاهد مسرحية مدرسة المشاغبين في المسرح ذات شباب فرّ واندثر، أو أن يقول لك أحدهم أنه قد شاهد العرض الأول لفيلم «العراب» في السينما. الحدث عالمي وتاريخي، والأهم أن ما ستشهده الدقائق التسعون القادمات من إثارة كفيل بأن يشعر كل من أضاع فرصة مشاهدتها بالحسرة.

وفي مدينة ليفربول كان الوضع كالآتي: المدينة خاوية على عروشها وأشبه ما تكون بمدينة أشباح، الحانات ملئى بالمشجعين المغنين المرتدين لألوان الفريق التقليدية، بينما ساحات مدينة ميلان تعج بالآلاف من المشجعين الذي تجمعوا أمام الشاشات العملاقة لمشاهدة فريقهم يلعب.

أما في المدينة التركية الجميلة اسطنبول فكان الوضع مختلفًا بعض الشيء، إذ أن أي زائر للمدينة في ذلك اليوم كان ليقول بلا شك أن المدينة وقعت فجأة تحت الاحتلال الإنجليزي، عشرات الآلاف من مشجعي الفريق الإنجليزي يحتلون مساحات المدينة وأزقتها، يشربون البيرة، يغنون بصوت مرتفع، ويرتدون اللون الأحمر، بينما كان عدد مشجعي ميلان الذين قرروا الحضور إلى تركيا قليلًا جدًا مقارنة بالإنجليز.

أما كيف وصل الفريقان إلى المباراة فيكفي أن نقول أن ليفربول قد فاز على كل من: تشيلسي ويوفنتوس قبل الوصول إلى المعركة النهائية، بينما فاز ميلان على مانشستر يونايتد الإنجليزي وعلى جاره في المدينة ذاتها، نادي إنتر ميلان.

كل هذا كان قبل المباراة، أما ما حصل فيها فتلك حكاية أخرى. إذ أن الأمور جرت على النحو التالي:

أسوأ ما يمكن ان يحدث لفريق ما هو أن يتلقى هدفًا في الدقائق الأولى من المباراة، لكن ما حدث هنا هو أن ليفربول يتلقى هدفًا بعد خمسين ثانية فقط من بداية المباراة، يلدغه أفضل مدافع في العالم (باولو مالديني) في مقتل. الأمر أشبه بأن تستيقظ من حلم جميل على صفعة. بالتأكيد لم يكن أحد يتوقع أن تكون المباراة سهلة، أو أن يقدمها الفريق الإيطالي على طبق من ذهب، لكن هدفًا في الدقيقة الأولى كفيل بإجبار الجماهير على أن تصمت، وكفيل بجعل المدرب يضرب أخماسًا بأسداس.

ومع مضي الدقائق، يحاول الفريق الإنجليزي استعادة الروح والعودة في المباراة، فسيدد على مرمى الحارس البرازيلي ديدا مرارًا لكن دون جدوى، حتى الدقيقة التاسعة والثلاثين التي تتكرر فيها الصفعة، أو ربما نقول أن الصفعة تتحول طعنة في الخاصرة، إذ يسجل الأرجنتيني الرائع هرنان كريسبو هدفًا آخر، جاعلًا من الليلة كابوسًا على أربعين ألف متفرج إنجليزي سافروا من بلدهم لتشيجع الفريق الأحمر. ولأن المصائب لا تأتي فرادى فإن النجم الأرجنتيني يكرر فعلته ويسجلًا هدفًا آخر بعدها بدقائق، الأمر الذي يجبر أحد المعلقين التلفزيونيين على هذه المباراة إلى القول أن ميلان يلعب كرة قدم ليست من هذا العالم، و«تصبح على خير يا ليفربول». وانتهى الشوط الأول بفوز ميلان بثلاثة أهداف للا شيء.

وكما حصل الفريقان على استراحة، فلنتوقف هنا قليلًا لنستوعب ما جرى. أسوأ كوابيس أي مشجع لليفربول قد حصل، حالة إحباط عامة تسود المدرجات والبيوت والحانات، أما في الجزء الآخر من العالم فإن مشجعي الميلان قد استعجلوا فتح زجاجات الشامبانيا احتفالًا بالنصر الذي يبدو أنه سيكون بنتيجة عريضة وغير مسبوقة.

وعن تلك اللحظات يقول مشجع إنجليزي: «الأمر أشبه بمشاهدة فيلم رعب بشكل بطيء للغاية، لقد تمت تعريتنا وإهانتنا أمام العالم أجمع».

في غرف الملابس، كان المدرب رافائيل بينيتيز يخاطب اللاعبين محاولًا إنقاذ ما يمكن إنقاذه، أنت ستغادر، وفلان سيلعب، علينا أن نفعل كذا وكذا، لكن الحقيقة أن اللاعبين بالكاد كانوا يستمعون إليه، ما زالوا تحت وقع الصدمة، ما زالوا غير عارفين إن كان ما حدث مجرد كابوس جماعي سيستيقظون منه بعد قليل ليجدوا أن المباراة لم تبدأ بعد.

وفي وسط هذا الجو المهزوم تمامًا خرج من المدرجات صوت يعرفه اللاعبون جيّدًا، آلاف الحناجر تغني بصوت واحد ما بات أشبه بنشيد وطني لأبناء النادي، هل قلت نشيدًا وطنيًا؟ لا، الليلة كان في صوت الجماهير وأدائها لهذه الأغنية أمر مختلف جعل من الأغنية تتحول إلى صلاة، صلاة تخبر اللاعبين بأنه لا بأس، مهما حصل من أمر فنحن معكم، إن كنا سنخسر فلنخسر سويًا، وإن كان هناك من أمل فلنبقه حيّا سوية.

ومع الدقيقة الرابعة والخمسين من عمر المباراة بدا أن زمن المعجزات لم ينتهي بعد، ترفع الكرة عاليًا باتجاه منطقة جزاء الميلان، ليقفز لها كابتن الفريق ونجمه الأول ستيفن جيرارد. ولو أن روائيًا ما كتب هذا السيناريو لاتهمناه بالمبالغة، لكن الواقع كان مصرًّا على أن يكون أغرب من الخيال. يرتقي جيرارد وبرأسية فيها من الحظ بقدر ما فيها من البراعة يضع الكرة في زاوية المرمى معلنًا أن ليفربول لا زال حيّا، صارخًا لن نموت من دون قتال.

يسجل الهدف ويركض مسرعًا نحو دائرة المنتصف ليتم استئناف اللعب، لكن الأهم هو أنه قام بدور القائد كما ينبغي له، أعطى الأمل للاعبين وللجمهور وأصر عليهم أن يستمروا. لو تعامل جيرارد مع هذا الهدف على أنه هدف شرفي أو هدف تعزية لاختلف كل شيء. هو تعامل مع الهدف على أنه مقدمة لما هو أكبر وأفضل، وما أراده كان. إذ أتت ثمرة هذا الهدف هدفًا ثانيًا يسجله اللاعب التشيكوسلوفاكي سميتشر فقط بعد هدف جيرارد بدقيقتين، قبل أن يفكر مدرب ميلان بإجراء أي تعديل حتى. وبعدها بأقل من أربع دقائق، يسقط القائد جيرارد في منطقة الجزاء ليحصل على ضربة جزاء.

«نعم المعجزات ممكنة» هذا ما يقوله المعلق، بينما يتقدم تشابي ألونسو ليسدد ضربة الجزاء، لماذا لم يسددها جيرارد على اعتبار أنه المتخصص بركلات الجزاء، وفوق هذا هو القائد، لا أحد يدري.

وعلى الرغم من أن ضربات الجزاء عادة ما يكون للمهاجم فيها الأسبقية إلّا أن ضربة جزاء على الحارس ديدا ذي الطول الفارع والمهارات الخيالية ليست بتلك السهولة التي تظن، يركض ألونسو نحو الكرة ويسددها ليصدها الحارس العملاق، الزمن الآن بطيء جدًا، وفيلم الرعب يشاهده مشجعو ميلان كما يشاهده مشجعو ليفربول، ما من لاعب في الملعب إلّا وجرى نحو الكرة، لكن ألونسو كان أسبق، فوضعها في سقف المرمى، معلنًا عودة المباراة إلى نقطة البداية، «والمهمة المستحيلة أتمت بنجاح».

ست دقائق كانت كفيلة بنقل الكابوس من ليفربول إلى ميلان، وبدا أن الأقدار قد تبتسم للفريق الإنجليزي الذي لم يحصل على أي بطولة دوري منذ العام 1990 ولا على بطولة دوري أبطال أوروبا منذ العام 1984. والمشجعون حول العالم جنّ جنونهم، ومن كانوا قد غادروا الملعب او أطفؤوا التلفاز حزنًا ويأسًا سيندمون طويلًا على تفويت هذه الدقائق.

هل كان ميلان قادرًا على العودة؟ نعم، وجدًا، والدقائق التالية أثبتت قدْر الميلان، إذ سيطر الفريق الإيطالي على المباراة بشكل كامل، وانهالت الكرات على حارس ليفربول كما المطر، لكن الجميع كان يضيع، حتى أتت الدقيقة السابعة عشر بعد المئة، أي قبل ثلاث دقائق من إعلان انتهاء المباراة بالتعادل وانتقال الفريقين إلى الركلات الترجيحية. إذ ترفع الكرة باتجاه منطقة جزاء ليفربول، ويضرب أفضل مهاجم في العالم الكرة فيصدها الحارس، لتعود مجددًا إلى شيفشينكو الذي يسددها في جسد الحارس فتخرج خارج الملعب، حتى هذه اللقطة لم يكن لاعبو ليفربول يصدقون أنهم قد يفوزون بالكأس وكل ما أرادوه هو خسارة «مشرفة» لكن هذه الفرصة أتاحت لهم الحلم وأباحته، وصدقوا في أنفسهم أن الليلة قد تكون ليلتنا.

تصل المباراة إلى الركلات الترجيحية، معنويات الفريق الإنجليزي عالية جدًا، بينما الفريق الإيطالي يصارع حتى لا ينهار مزيدًا من الانهيار، وفي المدرجات كان الأمر مختلفًا إذ لا زالت الحناجر الحمراء تغني: لن تسير وحيدًا يا ليفربول.

الركلات الترجيحية

يتقدم سيرجينو -لاعب ميلان- إلى الكرة بينما تسمع في خلفية المشهد حناجر جماهير ليفربول تهتف بذات الأغنية. يمنة ويسرة يتحرك الحارس البولندي جيرزي دوديك علّه يشوش عليه، يتقدم من الكرة واحد من أفضل مسددي ركلات الترجيح في العالم، وبكل ما في كرة القدم من غرابة يضع الكرة في السماء.

عندما يسدد أندريا بيرلو ركلة حرّة يعلم الحارس والجمهور أن احتمالية تسجيل الهدف تفوق بكثير احتمالية صد الكرة، وتزداد هذه الاحتمالية إن كان بيرلو يسدد ضربة جزاء، لكن كما حصل مع سيرجينيو، يضيع بيرلو ضربة الجزاء، فيما يتمكن كل من هامان وسيسي -لاعبا ليفربول- من تسجيل ضرباتهما.

يتقدم للضربة الثالثة لميلان اللاعب الدنماركي تومسون، ويسجلها، بينما يضيع ريزا -لاعب ليفربول- كرته، وهذا يعني أن الفارق بين الفريقين قد تقلص، وأن كرة القدم تمارس هواية العبث بالأعصاب كما تشاء.

يتقدم البرازيلي كاكا من الكرة ويسجل، وكذلك يفعل سميتشر، وهذا معناه أن الركلة الخامسة والأخيرة هي التي ستحدد كل شيء، إن سجّل شيفشينكو فإن آمال ميلان ستظل حيّة، وإن صدها دوديك فإننا سنقول لميلان تصبحون على خير.

يتقدم شيفشينكو ويسدد الكرة في المنتصف، بينما جسد دوديك في الهواء راحلًا نحو زاويته اليمين، لكن الحظ، أو المهارة، أو كلا الأمرين مكناه من إدراك الكرة وصدها، ليعلن بذلك ليفربول فائزًا ببطولة دوري أبطال أوروبا.

مع فوزهم بالكأس للمرة الخامسة، بات بإمكان النادي الإنجليزي أخيرًا أن ينال بالكأس الأغلى في عالم أندية كرة القدم. لتثبت كرة القدم مجددًا أن المعجزات تتحقق، فقط إن آمنت بها، وإن لها غنّيت.