رأي

دفاعًا عن حقنا في عشق كرة القدم

الخميس 30 حزيران 2016

الشوط الثاني من مباراة إيطاليا وجمهورية إيرلندا، آخر مباريات الجولة الثالثة من دور المجموعات والتي تقرر نتيجتها المتأهل الأخير للدور الثاني من بطولة أمم أوروبا. مضطرّة لتعقّب النتائج عبر تويتر وتوسّل لاعبي إيرلندا أن يسجلوا هدفًا واحدًا، هدفا واحدا لا غير، لكي يحجزوا المقعد الأخير في الدور الثاني. أعرف أنه ما كان علي مغادرة المنزل ومصير أحد المنتخبات التي أشجع على المحك. ولكن ما العذر الذي يمكن اختلاقه لتبرير امتناعي عن تلبية دعوة أقرب صديقاتي؟ أليست المباراة المصيرية عذرًا مقنعًا؟

أليس من الأفضل لسلامتي النفسية تجنب مشاهدة المباراة ومعاناة ألم الهزيمة لوحدي؟ خسارة الفريق الذي تحبين موجعة وقاسية، ولكن وطأة الألم تخف قليلًا إذا تجنّبت مشاهدة المباراة حتى ولو كان هذا الهروب قسريًا.

قرر أصدقائي المغادرة أخيرا، وظننت أن الخلاص قد جاء حين توقفوا لزيارة أحد مقاهي رام الله لبضع دقائق. سأشاهد الدقائق الأخيرة من مباراة إيطاليا وإيرلندا هناك، وسأتعامل مع أي نتيجة مهما كانت مخيبة بمنتهى العقلانية والروح الرياضية. لكنني فوجئت حين سألت الشباب في المقهى عن إمكانية مشاهدة المباراة: ليس لديهم تلفاز في المقهى وهم لا يكترثون أصلًا بـ«مثل هذه الأمور».

أحترم الأشخاص الذين يقاومون الثقافة السائدة والاستهلاكية ويرفضون مجاراة الرّائج. من حقهم ألا يعيروا كرة القدم أي اهتمام، ولكن لمَ يجب عليهم تسخيفها والتعامل معها باحتقار واعتبار المولعين بها قطيعًا من المضللين أو المهووسين أو المدانين بجريمة ما؟

انكفأت على نفسي وتابعت الدقائق العشر الأخيرة عبر تويتر.

«هدف لإيرلندا!!!!»

فعلها روبي بريدي، رأسيته قبل خمس دقائق من نهاية المباراة منحت إيرلندا بطاقة العبور إلى «ليون» لمواجهة المستضيفة فرنسا، لقاء مثخن بالذكريات المرّة والمظلوميات. ولكن من يهتم بفرنسا الآن؟ إيرلندا تغلّبت على إيطاليا. صحيح أن إيطاليا لم تلعب بأقوى تشكيلة لها وصحيح أن بوفون كان يشاهد المباراة من مقاعد الاحتياط وأن أنطونيو كونتي كان مشغولًا بالتخطيط والتحضير لمباراته أمام إسبانيا. قد لا يكون فوز إيرلندا هذا سوى ملاحظة هامشية لن تذكرها الأجيال القادمة وستنسى بعد أيام معدودات، ولكن كل هذا لا ينتقص من إنجاز إيرلندا بتحقيق فوز مستحق على إيطاليا العظيمة.

البطولات، بالنسبة لمن لا يشجعون الفرق الكبرى على الأقل، لا تُختزل بالكؤوس والألقاب بل تشكّلها التفاصيل الصغيرة والحكايا والمفاجآت. قد تغيب هذه الحكايا عن معظم سجلات المؤرخين ولكنها تبقى في الذاكرة الجمعية للشعوب التي تفرح بهدف واحد كفرحتها بكأس العالم. لا تقاتل منتخباتها من أجل الألقاب بل من أجل اجتراح المعجزات الصغيرة والتحايل على موازين القوى والسعادات المستقطعة وتسخير الإرادة لتقليص الفجوات في الموهبة والعراقة.

ليس سهلًا أن يتصالح محبو كرة القدم الملتزمون بالعدالة الاجتماعية مع تحول الرياضة التي نعشق إلى آلة لإعادة إنتاج الظلم والقهر والذكورية.

كنت أتمنى لو كان بإمكاني أن أقفز وأصرخ وأعانق المارّة وأحتفل بهدف إيرلندا التاريخي، وأن يشاركني أصدقائي فرحتي هذه ولا يعتبروها محض مبالغة أو أمرًا سخيفًا.

ذاك الفضاء اليساري في المقهى الذي لا يتّسع لجنون كرة القدم وشعبويتها وشغفها وشقائها يكاد يطبق على أنفاسي. صوت لطفي بوشناق على الرغم من جماله لا يعادل جمال وصدق أصوات الإيرلنديين المنتشين بفوز منتخب بلادهم. كنت مستعدة لأهب كل ما أملك لكي أكون في إحدى حانات دبلن لحظة تسجيل الهدف لأحتفل بالنصر مع إيرلنديين ثملين وأصغي لأهازيجهم وهتافاتهم وأشاركهم دموع الفرح ولنغني معًا.

يصعب على من يعتبر كرة القدم مجرد لعبة سخيفة يركض فيها 22 لاعبًا خلف كرة أن يفهم هذا الشغف الذي يربط أفئدتنا بتحركات وتمريرات وتسديدات هؤلاء اللاعبين.

يصعب على من لا يهتم سوى بنتائج المباريات وبالفوز والخسارة أن يستوعب كيف تغني جماهير الفرق المتنافسة النشيد ذاته بصوت واحد وأن تغالبه القشعريرة حتى ولو لم يكن في الملعب.

يصعب على من لم يعانِ خيبة الهزيمة والإخفاقات المتكررة أن يتفهّم عاصفة السعادة التي تجتاح أجسادنا وأرواحنا بعد انتصار غير متوقع أو بعد هدف للاعب عظيم ظن معظمنا أن القطار قد فاته.

كيف لهم أن يحسوا بتلك السعادة المباغتة التي تلفح قلوبنا بعد انتصار لم يكن بالحسبان، هذه السعادة ليست عقلانية أو منطقية، ولكننا نتمسك بها بكل ما أوتينا من ظمأ للفرح كي لا تتسرّب من بين أصابعنا كسائر الأشياء الجميلة والثمينة.

تمجيد كرة القدم بوصفها انتصارًا للجمال والإرادة البشرية وفضاءً يحتضن أصوات المنسيين والمغيّبين لا يعني تجاهل الكارثة التي ألمت بالرياضة ونقلت الحق الجمعي بامتلاكها من الأزقة والشواطئ والملاعب إلى مكاتب ومصارف سويسرا. الرياضة التي منحت أطفال العشوائيات في «ريو» الحرية في التعبير عن أنفسهم صارت وبالًا عليهم فاستخدمت لتبرير هدم بيوتهم وتهجيرهم من أحيائهم لئلا يشوّهوا منظر المدينة أمام السياح. رياضة الشعب أصبحت مرتعًا للفاسدين والمرتشين وفرصة ذهبية لرجال الأعمال وأصحاب الشركات الخاصة بتضخيم ثرواتهم.

ليس سهلًا أن يتصالح محبو كرة القدم الملتزمون بالعدالة الاجتماعية مع تحول الرياضة التي نعشق إلى آلة لإعادة إنتاج الظلم والقهر والذكورية.

ولعل الكاتب الأوروغوياني الراحل إدواردو غاليانو هو أفضل من عبّر عن هذا التناقض والصراع في كتابه «كرة القدم بين الشمس والظل» وفي مقالات عديدة. ففي الوقت الذي احتفى فيه غاليانو بالطاقة التحررية والجمالية والإبداعية التي يمكن لكرة القدم تفجيرها، أدان تحويلها إلى سلعة تهيمن عليها البيرقراطية وإلى منجمٍ يدر الأرباح على الأثرياء ويساهم في إفقار الفقراء.

يعي غاليانو أسباب سخط الكثير من المثقفين على كرة القدم وازدرائهم لها. فالمثقفون المحافظون لا يرون بالكرة إلا صنمًا تقدسه الجماهير ونموذجًا لتغلب الغريزة الحيوانية على العقل وتغلب الجهل على الثقافة. أما المثقفون اليساريون فيعتبرون الكرة أفيونًا يخدّر العمال ويتحكم بالجماهير ليخمد طاقتهم الثورية.

المشكلة في ادّعاء الصنف الأول من المثقفين أنهم لا يقدّرون مستوى الذكاء والمهارة المطلوب لتنفيذ تمريرة تخترق الدفاع المحكم أو للتفكير في حلول فردية أو جماعية لقلب مسار المباراة.

كيف يمكن أن تشاهد لاعبين (فنانين) كإنيستا وميسي وأوزيل ومودريتش وتوتي وباييت دون أن يلفتك ذكاؤهم المتّقد في صناعة الهجمة وبنائها وخلق المساحات بلمسة واحدة ورؤية الخطوة القادمة قبل حصولها؟

أما المثقفون اليساريون الذين يظنون أن سبب تأخر الثورة القادمة هو ولع العمال والكادحين بكرة القدم فربما لم يكن لديهم الوقت الكافي للاطلاع على دور بعض الأندية المهمة وأبرزها نادي كورينتيانس البرازيلي في مكافحة الفاشية والديكتاتورية. شكّلت ملاعب الكرة في الكثير من الأحيان مساحة للهتاف ضد السلطات الحاكمة والتعبير عن التضامن مع قضايا المضطهدين، وساهمت قواعد المشجعين ولا تزال بالتعبئة الجماهيرية والحشد ضد الأنظمة الحاكمة ضمن الهامش المتاح لها.

لا يعني هذا أن صناعة الكرة المستفيدة من شعبية الرياضة وسهولة تسويقها ورواجها ليس بوسعها صهر الوعي ولكن هذا ليس أمرًا ثابتًا كما يحاول البعض تصويره.

يحلو للسلطة، كما يكتب الفيلسوف الفرنسي جان بودريار، تحميل كرة القدم المسؤولية الشيطانية عن تخدير الجماهير، ولكن لماذا يتقبل الكثير من المثقفين اليساريين هذا التنميط دون أي تفكير نقدي؟

ليست هذه دعوة لكارهي كرة القدم بالانضمام لنا، نحن قطيع الشغوفين والمسحورين والمضلّلين، ولكنها مطالبة بحقنا بالشغف والاستمتاع والاحتفاء والتمزّق العاطفي دون أن يتم تبخيس مشاعرنا أو أن تُلصق بنا التعميمات الجاهزة والأحكام المسبقة.

*الصورة من إحياء مجموعة ألتراس أهلاوي لذكرى شهداء أحداث بورسعيد.