صناعة ألعاب الفيديو في الأردن: ألعابٌ عربيَّة للعرب

صناعة ألعاب الفيديو في الأردن: ألعابٌ عربيَّة للعرب

الأربعاء 28 آذار 2018

يجلس حسام الناطور إلى مكتبه في شركة (RABABA Games)، في منطقة الجبيهة بعمَّان، محاطًا بأرففٍ مليئة بنماذج الألعاب والأنمي البلاستيكية المُلوَّنة التي حملها إلى هذه الغرفة من شتّى بلدان العالم. كان هذا الواقع حلمًا نشده حسام منذ طفولته، لكنه لم يكن ليتخيَّل وصوله إلى هذا النجاح بهذه الطريقة. فرغم عمله لسنوات في مجال تجريب ألعاب الفيديو، إلا أن صناعة لعبة من الصفر كانت نقلة نوعية تمامًا. وربّما كان حلمه ليبقى خيالًا لولا إدراكهُ عند مرحلة ما أنه لن يتمكن من تحقيق ما يريده إلا بتركِ عمله وافتتاح شركته الخاصة، التي تطرقُ مجالًا جديدًا في المنطقة، وهو تصميم ألعاب الفيديو باللغة العربيَّة.

هوسٌ باللّعب


بدأ حسام مشواره مع الألعاب منذ طفولته المُبكّرة. فعندما كان في الثالثة من عمره، اشترى والده حاسوب صخر، وهو أول جهاز للحاسوب يُوفّر واجهةً باللغة العربية، ولم يطُل الأمر حتى أصبح حسام الطّفل متيّمًا بالجهاز الجديد، وكانَ في الرابعة عندما اختتمَ أول لعبة له، وهي لعبة ألغاز اسمها «وادي الملوك» (Kings Valley). كانت اللعبة مفيدة، بحسب تعبيره، في «تفتيحِ مُخّه» عندما أجبرتهُ على التعامل مع مشكلاتٍ معقّدة كان بحاجة للاستعانة بوالده وإخوته الأكبرِ سنًا في حلّها.

لكن حاسوب صخر، على ما يبدو، لم يكُن كافيًا لتلبية شغفِ حسام المُطّرد للعب، إذ لم تمضِ فترة طويلة حتى بدأ بتجربة مختلف أجهزة الألعاب التي وُجدت في أيامه. فسُرعَان ما حصلَ على الفرصة للعب على جهاز الفاميلي، والسيغا، والأتاري، ومن ثمَّ البلايستيشن، وهي منصة ألألعاب الأشهر والتي صدرت في عام 1995.

ولكن حتى بعد تجاوز حسام لمرحلة الطفولة لم يتناقَص ولَعه بألعاب الفيديو مطلقًا، وهو ما بدأ بإثارة قلق والديه، حيث قضى ليلة امتحان اللغة الإنجليزية في مرحلة التوجيهي بلعب لعبته المُفضّلة، (Devil May Cry)، لأنه لم يستطع «تحمّل» ابتعاده عن اللعبة على حدِّ تعبيره. رسبَ حسام في الامتحان ذلك اليوم، إلا أنَّ اللعب بدأ وقتها، بالتحوّل لما هو أكثر من محضِ هواية بالنسبة له. فعندما بلغ الثامنة عشرة من عمره، بدأ بالعملِ كمُجرِّب مُعتمَد للألعاب.

تجريب الألعاب: اللعب يصبح مهنة

في أحد الأيام، عرفَ حسام بوجود مسابقة إلكترونية عن أفضل لاعبٍ بالعالم في لعبته المُفضّلة (Devil May Cry)، وهي لعبة قتال ومغامرة مُصمَّمة لمنصة بلايستيشن 2. كان على الفائز أن يكونَ قد أنهى اللعبة بالكامل لأكبر عددٍ ممكن من المرَّات، إذ كان من المعتاد على محبّي اللعبة أن يعيدوا لعبها مرَّات متتالية من شِدّة ولعهم بها. وعندما دخلَ حسام في المسابقة، قائلًا أنه أنهى اللعبة بكاملها 135 مرة، لم يُصدّقه أحد، حتى أرسل إليه أحد مُصمِّمي اللعبة رمزًا خاصًا ليدخله في بطاقة اللعب ويستخرجَ منها رقمًا تسلسليًا يثبتُ كم مرة أنهى اللعبة. وما إن ثبتَ استحقاق حسام لهذا اللقب، حتى وصلته رسالة من شركة (Capcom) لمساعدتهم في تجريب الإصدار القادم من لعبته المُفضّلة.

«قالولي بدنا نبعتلك مفاجأة»، يقول حسام، «وطلبوا مني عنوان البريد. لمّا فتحنا الصندوق، لقينا سي دي مكتوب عليه Devil May Cry 2». كانت مفاجأته كبيرة جدًا، بالتأكيد، بالحصول، دون مقابل، على واحدة من النسخ الأولى للإصدار الجديد من لعبته المُفضّلة، لكنه تفاجأ أكثر عندما راسلَ الشركة لشكرهم على اللعبة الجديدة، فأخبروه بأنها ليست اللعبة الفعليَّة، بل ما يُسمّى في مجال الألعاب بالـ«النسخة ألفا»، وهو إصدارٌ غير مكتملٍ من اللعبة يعتمدُ عليه المُصمّمون للحصول على آراء وملاحظات اللاعبين قبل إصدار منتجهم النهائي. تُسمَّى هذه العملية «تجريب» أو «اختبار الألعاب»، حيثُ يطلبُ مصمّمو اللعبة من أشخاصٍ متطوّعين أو مدفوعي الأجر أن يختبروا النسخة الأولية من لعبتهم بحثًا عن الأخطاء والمشكلات التي يجبُ إصلاحها.

كانت هذه بداية حسام في مجال تجريب الألعاب. منذ ذلك الحين فصاعدًا، بدأت تصلهُ مراسلات من مختلف الشركات الكبيرة في عالم ألعاب الكومبيوتر ومنصات الألعاب، مثل (EA Games) و(Rockstar Games) و(Kojima) وغيرها، لكي يتولّى إجراء اختباراتٍ لإصداراتها القادمة. لم يكُن الأهل متجاوبين جدًا مع الأمر في البداية. فقد كان ردَّهم على ما يفعله بوقته هو «خليه يطعميك خبز». هذه النظرة اختلفت حين بدأ بتحصيل المال من هوايته: حيثُ ارتفعَت مرتبته ودخله كمُجرّب، خلال سنوات قليلة، من بضعة دولارات على الساعة إلى ما يزيدُ على المئة. وقد اعتمدَ حسام على هذه الفرص كمصدرٍ للرِّزْق بعد إنهاء المرحلة الثانوية، إذ أنَّه فضَّل عدمَ إكمال دراسته الجامعية.

«عكس ما كُنّا زمان، لما كان لازم تدرس، وتخلص، وتروح تتدرَّب بشركة، وترجع تتدرب بالشركة اللي بعدها، واللي بعدها»، يقول حسام عمَّا دفعهُ لعدم متابعة تعليمه الجامعي، «صرت إنت بتقدر تنتج لحالك، بتقدر تعمل لحالك بدون جميلة أي حد». عوضًا عن متابعة تعليمه الجامعيّ، قرَّر حسام، بعد عدم نجاحه في امتحانات التوجيهي، أخذ درجة انتساب من معهد أمريكي، من خلال الإنترنت، في مجال «التحريك» أو «الأنميشن» (Cartoon Movies Maker: Multimedia & Animation)، نظرًا لكونه المجال «الأقرب لصناعة ألعاب الفيديو» بالنسبة له.

لم تكُن تجربة الدراسة سهلة، فقد كانت الجامعة تستوجبُ على طلاّبها حضورَ الدروس والمحاضرات في الجامعة ولكن لتلبية طلب حسام بالدراسة عن بُعْد، فقد وافقوا على توفير بثّ حيّ له بالصوت والفيديو. فضلًا عن ذلك، فإنَّ التعاملَ مع فارق التوقيت بين عمَّان ومعهده في فلوريدا لم يكُن سهلًا، حيث كانت تعطى الدروس أحيانًا بعد منتصف الليل، واضطرَّ حسام للاتفاق مع مقهى إنترنت للسَّماح لهُ بالبقاء لساعات متأخرة للدراسة.

في بداية الأمر كان تجريبُ الألعاب محضَ شاغلٍ ثانوي في حياة حسام، إلا أنَّ العبء تزايد مع مرور الوقت. فعندما كان حسام في العشرين من عمره، حصلَ على عرض عملٍ في شبكة روبيكون، وهي شركةٌ تتخصَّصُ بإنتاج رسوميات الأفلام والمسلسلات الكرتونية وألعاب الحاسوب تتمركزُ في عمَّان. وسُرعَان ما وجدَ نفسه محاصرًا بين ضغط عمله في الصَّباح، والتزاماته العائلية، وهوايته باللّعب، وعمله في تجريب الألعاب مساءً، ولم يجِد طريقة للجمع بينها كلّها سوى بالتضحية بوقته الوحيد المتبقي: وهو ساعات نومه. «صفّت إنو قعدت خمس سنين أو ست سنين عم بنام ساعتين باليوم، يعني بنام مغمى عليّ»، يقول حسام «حتى في مرَّة صحيت لقيت الكيبورد مطبّع على وجهي. صارت أشياء زي هيك، مرَّات بغفّي بالشغل بكون قاعد بشتغل وأنا نايم، صارت روتين الشغلة، بعدين خلص تعوَّدت».

مع الوقت، تطوَّرت مهنة حسام في تجريب الألعاب إلى مهمة استشارية (Game Consultant) لدى شركات مثل سوني، حيثُ أصبح مسؤولًا، من منطلق خبرته، عن إبداء الآراء والاقتراحات على مزايا الألعاب دون أن يطلبَ منهُ لعبها مباشرة. ولكن مع نهاية عشرينياته، وصلَ حسام إلى نهاية المرحلة العمرية للمهنة.

«هلأ إنت كل ما تكبر بالعمر، كل ما يحكولك إنو هاد خلص رح يبلش هو يفكِّر بأفكار غريبة من عنده»، يقول حسام، «رح يصير يقترح علينا زيادات على اللعبة. بس هم بدهم ناس بس تحكي عن التعديلات»، حيث أنَّ شركات الألعاب تتطلَّع (لتخفيف الوقت والتكاليف) لتحسين اللعبة بشكل بسيط عوضًا عن تغييرها جذريًا. كما أنَّ ألعاب الفيديو، بطبيعتها، تستهدفُ جمهور الشباب صغار السنّ، ولذلك تُفضِّل الشركات أيضًا أن يختبر منتجاتها لاعبون شباب. وهكذا وجد حسام نفسه، عند بلوغه عامه الثلاثين، فاقدًا للمهنة التي شغلتهُ وقرَّبته إلى هوايته.

من لاعبٍ إلى صانع ألعاب

في عام 2013، اتخذَ حسام قرارًا حاسمًا بالنسبة له، وهو تركُ عمله في شركة روبيكون ليؤسِّسَ شركته الخاصة: (RABABA Games). «أنا هون خلص، وقفت»، يقول حسام، «فِش إشي أتعلّمه جديد. صفّت إنو خلص روتين روتين روتين، فلأ بدي أطلع أنا أجرّب تجربة جديدة». لكن لم يكُن لدى حسام أي رأسمال ليبدأ به شركته الجديدة، فقرَّر أن يبدأ بالعمل من منزل والديه، حيث حوَّل غرفة الضيوف في المنزل إلى مقرِّ عملٍ لهُ ولصديقه.

في البداية كانت التجربة صعبة، حيث أنَّ نقص المال والموارد وضعَ الشركة الناشئة في موضع خطرٍ دائم. «كنا نطلع نسلّك حالنا، من اللي كنت محوشه من أول، وكنا نشتغل، كنت أشتغل أي اشي»، بحسب وصفِ حسام لحياته في تلك الفترة، «فيه فريلانسنغ، فيه أشياء زي الخضرة، طوب، أي اشي. المهم سلّك حالك. بدك تعيش».

حاولَ حسام وثائر في البدء صناعة لعبة هاتف تحاكي «الأفعى والسلّم»، وهي لعبة شائعة للأطفال، مع تنويعٍ في المشاهد والبيئات للمشاركة بمسابقة أجنبية للألعاب، وكذلك لعبة باسم «الفيروسات المجنونة»، حيثُ يحاول اللاعب منعَ الفيروسات من التكاثر بدرجة لا يمكن السيطرة عليها، لكن هذه المحاولات لم تأتِ بثمارٍ تذكر. فقد حصلت ألعابُ الشركة الناشئة على عددٍ قليل من التحميلات، ولم تُحقّق مردودًا ماديًا يكفي لتأمين دخلٍ لحسام ورفيقه، بعد تفرّغهما للعمل على مشروعهما الخاصّ لحوالي العامَيْن.

«قعدنا بعديها وقلنا طيب أوكي، هي آخر محاولة، بعديها منسكّر»، يروي حسام مشاعره آنذاك، حيثُ كان مستعدًا لإغلاق شركته والبحث عن عملٍ في حال فشل مشروعه القادم. ولكنَّ إنتاجه الأخير حقَّق نجاحًا باهرًا، وهو لعبة لقيادة السيارات باسم هَجْوَلَة (بمعنى «التفحيط» أو الـ«Drifting»)، والتي أطلقها في بداية عام 2016.

«أول اشي كنا نحكي: ليش ما في ألعاب عربية؟»، يقول حُسَام، عمَّا دفعه للبدء بمشروع شركته الخاصة لصناعة الألعاب، «طيب أحسن، إحنا لازم نتعلم كل شي إنجليزي عشان نعرف نلعب، فتعلمنا غصب عنا. بس كان في زمان أشياء بالعربي وقصص عربية من عنا، زي أيام كومبيوتر صخر، كان عليه شغلات متل «حساب الفضاء» و«اختبر معلوماتك» و«اختبر ذكائك»، هدول كانوا حلوين إنهم بالعربي. بعد هيك اختفى العربي، نهائيًا. وهاد كان الحلم اللي بدنا نرجع نسوّيه».

وقد كان أحد العوامل المُحفِّزة لحسام في الشّروع بمشروعه هو، عدم قدرة الألعاب الأجنبية على تمثيل الثقافة العربية بطريقة سليمة. «في لعبة Assassin’s Creed، طالعين المصاروة غلط، يا منطلع قتالين قتلى يا شو اسمو. مش ثقافتنا اللي بتطلع»، يقول حسام، مؤكدًا على أهمية دور الألعاب في تشكيل صورة الثقافة والهوية العربية، «إحنا لازم نفرجيهم هاد الإشي. الهدف الأكبر إنو الكل يعرف إحنا كيف بنفكّر».

يتطلَّعُ حسام للعمل بنفسه على تصميم ألعابٍ جديدة تعكسُ الثقافة العربية بصورة أفضل، لكنه لا زال ينتظرُ سعةً من الوقت والإمكانات المادية الضروريَّة لإطلاقها. «الأفكار جاهزة»، يقول حسام، «عنا أكتر من فكرة مكتوبين جاهزين، بس التكلفة هي العالية». بحسب توقَّعاته، يفترضُ أن يكون فريق شركته جاهزًا خلال عامَيْن تقريبًا للعملِ على ألعابٍ أكثر تعقيدًا لتعكسَ طموحاته القادمة، حيث أنَّهم أصبحوا الآن «أكثر نضجًا» على حدِّ قوله.

لُعبة هَجوْلَة

لكن حسام لا زال يُركّز في الوقت الحاليّ على تطوير وتحديث ألعابه الموجودة، وأهمَّها لعبة هجولة التي نجحت بتكوين مجتمعٍ من اللاعبين العرب والأجانب لا يستهان به، بعدَ ملئها لإحدى الفجوات القائمة في سوق الألعاب العربي. يكمنُ أحد أسرار نجاحِ هذه اللعبة، بحسب حسام، بأنَّها واحدةٌ من ألعاب الفيديو النادرة التي صُمِّمَت لتكونَ لغتها الأساسية هي اللغة العربية، عوضًا عن الاكتفاء بترجمة واجهتها عن لغة أخرى. «اللعبة كانت بتحكي عن نفسها»، يقول حسام، «لأنو كل اللعب التانية كانت معرَّبة، إحنا الوحيدين اللي اشتغلنا إشي من الصِّفر».

لكن الأمرَ لا يقتصرُ على لغة اللعبة فحسب، فقد صُمِّمَت لعبة هجولة، بحسب حسام، لتعكسَ ثقافة قيادة السيارات في البلاد العربية، وخصوصًا منطقة الخليج. فطبيعة طرق القيادة في اللعبة صحراوية بالكامل، لأنه، وفقًا لحسام، أكثر شارعٍ «يلعب فيه العرب». تُوفّر اللعبة أيضًا شخصيات بمظاهر وألبسة تعكسُ طابع الثقافة العربية، فضلًا عن أن مفهومها بأكمله (وهو مصدرُ كلمة هَجْوَلة) قائمٌ على أسلوب قيادة السيارات الشائع في دول الخليج.

لكن اللعبة أيضًا نجحت في تلبية توقّعات جمهورها مُتعدّد الثقافات وطلباته المستمرَّة، حيثُ أن المجتمع النامي للاعبين (من عربٍ وأجانب) كانوا مُتطلّعين دائمًا لإضافات جديدة إلى اللعب ترضي أذواقهم. «شو ما بيحكوا منحط كلامهم بعين الاعتبار، ما بطنشنهم»، يقول حسام، رُغْم الغرابة الظاهرة لبعض الطلبات التي تلقّوها أحيانًا، «بالعراق واحد طلب تانك مي. قلنا إيش بدو هاد؟ بعدين تفاجئنا، إجا خمس آلاف عراقي بده تانك. حطينالهم إياه. بعد شوي السعوديين صار بدهم السطحة (اللي هي الونش)، حطينا الونش. بأمريكا عاملين مجتمع للاعبين اسمه (RABABA Truck Racing)، بتشوفهم دايمًا ما بيلعبوا غير بالتركّات».

وقد اكتسبت اللعبة، رغم البيئة والثقافة العربية التي بُنِيَت عليها، شعبية خاصة في اليابان، حيث تكوَّن حولها مجتمعٌ كبيرٌ من اللاعبين اليابانيين الذين صمَّمُوا موقعًا خاصًا باللعبة، وكان لهُم نصيبهم من الطلبات، حيثُ دفعوا حسام وزملائه إلى إضافة حافلات النقل (المنتشرة في بلادهم) خصيصًا إلى هجولة. وقد ازدادَ عددُ اللاعبين اليابانيين إلى درجة اضطرَّت شركة (RABABA Games) لتحمِّل تكاليف خوادم خاصَّة بهم، وذلك بعد اعتراضِ اللاعبين السعوديِّين على إغراق اللعبة بدردشاتٍ طويلةٍ جدًا باللغة اليابانية.

في شهر أكتوبر 2016، دُعِيَت الشركة للمشاركة في معرض يوم اللاعبين بالرياض، وهو مهرجان سنويّ لألعاب الفيديو في السعودية. قبل المعرض بأيام، عرفَ حسام بأنَّ شوهي يوشيدا، وهو رئيس شركة سوني العالميَّة للألعاب، سيكونُ حاضرًا في المهرجان، وكانت تلك لحظة مهمَّة بالنسبة له. «هون صار في إشي. خفت، اتوتّرت، صرنا نداوم ليل نهار. صرنا إنو أبصر إيش بدنا نلعبه؟ إيش بدنا نعمل؟»، يقول حسام «لما إجا يوشيدا وشاف اللعبة، تفاجأ من الكواليتي تبعها. شوي شوي قعدنا نشرحله عن الجيم، وإجا بده يلعب، فاللاعبين السعوديين ما خلوه يلعب». حيث أنَّ اللاعبين، الذي كانوا بانتظار دورهم للعب منذ ساعات، لم يتقبَّلُوا أن يأخذ منهم دورهم مدير شركة سوني.

بيئة تطوير الألعاب في الأردن

في عام 2011، تأسَّس مختبر الألعاب الأردني في مجمع الحسين للأعمال في عمَّان، وهي مؤسسة تعملُ (بالتعاون مع شركاتٍ كبيرة في المجال مثل Sony وMicrosoft وUnity) على بناء مجتمعٍ لصانعي ألعاب الفيديو أردنيًا. يقيم المختبرُ ورشات عملٍ ونشاطاتٍ دوريَّة لتدريب المُهتمِّين في مجال البرمجة وتصميم الألعاب، كما يُوفّر مرافق وأجهزة لدعمِ المشاركين. وقد توسَّع نشاطُ مختبر الألعاب، خلال السنوات الماضية، ليفتتح فروعًا جديدةً في إربد والعقبة ومعان، وليَضُمَّ حوالي 5,000 عضوٍ منتسب.

كان حسام، لفترة من الوقت، أحدَ الأعضاء النشطين في مختبر الألعاب، حيثُ كان يتطوَّعُ لتقديم بعض الورشات والدورات التدريبية التي يستضيفها المختبر في مجال اختبار الألعاب وتجريبها قبل إطلاقها، أو ما يُسمّى الـ«Beta testing». وعندَ بدء حسام لشركته الناشئة في مجال تصميم الألعاب، حاولَ أن يستفيدَ من تجهيزات المختبر ومرافقه كموقع عملٍ له ولزملائه، لكنَّ انطباعه عن التجربة لم يكُن إيجابيًا كثيرًا. «اشتغلنا تقريبًا 6 شهور باللاب، بعدين اكتشفنا إنو ما منقدر نضل هناك»، يروي حسام تجربته، «لأنو فِش سرية: أي حدا بيقدر يستعمل الجهاز اللي إنت عليه، أي حد بيقدر يشوف الداتا اللي إنت بتشتغلها. فقرَّرت إني أرجع اشتغل من البيت».

بالإضافة إلى مختبر الألعاب، تشهدُ مدينة عمَّان، منذ ست سنوات، قمَّة سنوية تختصّ بمناقشة مسرح الألعاب الإلكترونية، وكانت آخرُها القمة السابعة التي انعقدت في شهرين تشرين الثاني لعام 2017، بحضورٍ يُقدَّر بحوالي 500 شخص. وتترافقُ مع انعقاد القمَّة السنويّ مجموعة من ورشات العمل المُتخصِّصَة والمعسكرات التدريبية في مجال صناعة الألعاب الإلكترونية، وتنعقد هذه النشاطات في عمان والعقبة وإربد. برأي حسام، تساعدُ هذه القمة في التسويق لقطاع صناعة الألعاب المحليّ، ولكنَّها تحتاجُ إلى المزيد من التطوير لتكتسب «إبداعًا وتميزًا» أكثر. «ما في حد يساعد المطورين من ناحية تعليمهم كيفية العمل بإحترافية»، يقولُ حسام، في مثالٍ على الدور الذي يتطلَّعُ لأن تؤدِّيه القمَّة، «أو على الأقل كيف يتعاونوا مع بعض، مثل المصمم والمبرمج».

يجدُ حسام أن مختبر الألعاب ناجحٌ بما يكفي في أداء مهمَّته بتدريب الجيل الناشئ على تصميم الألعاب، وفي إعطائهم طرف الخيطِ للبدء بتعلّم المهنة، ولكنه يفشلُ في دعمه لأكثر من ذلك. «إنت ما عم تعمل إشي، تعال نعلمك كيف تصير تعمل جيم بسيطة، بس. بعد هيك روح دبّر راسك»، بحسب تعبيره، «لو بدك تعمل لعبة زي ماريو، مثلًا، بعلموك أساسياتها بس ما بيعطوك الاحترافية تبعتها. بس بعد ما الواحد يتعلم ويصير عنده خبرة، ببطّل هاد المكان كويس لإله، لازم يدور على اشي أكبر». وأما عن ماهية «المكان الأكبر» الذي يفترض بمُصمِّمي الألعاب التوجّه إليه بعد ذلك، فيرى حسام أنه لا زال غير موجودٍ الآن، وذلك جزءٌ من المشكلة.

برأي حسام، التمويل هو أكبرُ المشكلات التي يواجهها سوق ألعاب الفيديو الناشئ في المنطقة. «المستثمرين أكبر مشكلة عنا»، حسب قوله، «إنت لما تروح على مستثمر عربي، بيجي بقولك: (لا، جيمز انسى)، أو (جيمز تبع ولاد صغار)، أو (أنا أروح أعملي شركة أبلكيشن أحسنلي)». وعلى حدِّ وصفه، كانت الظروف المحلية المحيطة، بالنسبة لعمله الناشئ، «دائمًا ضدَّه»، بحيث سبَّبت له إحباطًا من محاولة البحثِ عن داعمين. فهو لم يجد دعمًا مرضيًا لآماله حتى من الجهات المحلية التي من المفترض أنها مُختصَّة بدعم العاملين في مجال الألعاب، ممَّا جعلهُ يُفضّل أن يذهبَ للعملِ لوحده عوضًا عن الاستعانة بأحد.

تستعدّ (RABABA Games)، في الوقت الحاليّ، لإطلاق النسخة الثانية من لعبتها، وهي هجولة 2. فبعدَ مرور خمس سنوات على تأسيس شركته، استطاع أخيرًا أن يُؤمِّن لنفسه مركزًا جيدًا في صناعة ألعاب الفيديو عربيًا وعالميًا. وتمكن من تحويلِ هوسه بألعاب الفيديو إلى مهنة ناجحة، ولكن التحديات لا زالت موجودة بالنسبة للكثير من زملائه من روَّاد مجال تطوير الألعاب العربية، الذين لا زالوا يحاولون إيجادَ موطئ قدمٍ لهُم في هذا المجال.