رأي

كيف خسرنا الكلاسيكو

الأربعاء 18 تشرين الثاني 2015

تبرز بين الأحداث العالمية مجموعة من الفعاليات التي تحظى بنسب مشاهدة خرافية، وعلى عرشها الكلاسيكو الإسباني كواحد من أكثر الفعاليات الرياضية، وغير الرياضية، مشاهدة عبر العالم. حيث يبلغ عدد مشاهدي هذه المباراة مئات الملايين الذين يفرقهم الدين والعرق والسياسة، ويجمعهم الانحياز إلى أحد فريقي إسبانيا الكبيرين ريـال مدريد وبرشلونة، أو على الأقل الرغبة في مشاهدة مباراة ممتعة.

ولذا فإنه من الطبيعي جدًا أن تحتوى أجندة مواعيد كل عاشق لكرة القدم على علامتين بارزتين، تخبرانه مبكرًا بموعد مبارتي الكلاسيكو اللتين تجريان كل عام، واللتين يستغلهما مهووسو كرة القدم لإعلان عشقهم لهذه اللعبة مرة جديدة. بحيث يجهّز نفسه، ويحصل على إجازة من عمله، ويتأكد من أن شيئًا لن يمنعه من مشاهدة عيد كرة القدم.
لكن وخلافًا لما يحدث في العالم، فإن هناك مجموعة من الأسباب المنطقية التي تدفع إلى التوقف عن مشاهدة الكلاسيكو رغم تشجيعي لفريق العاصمة الإسباني ريـال مدريد منذ سنوات.

تحوّلت اللعبة التي يؤمن بها ملايين البشر، ويعاملونها بقداسة تشبه تقديس المتدينين لما به يؤمنون، إلى تجارة، تجارة لا تحترم التاريخ، ولا التقاليد، ولا الشغف

يمكن إرجاع السبب الأول في التوقف عن مشاهدة الكلاسيكو إلى وضع كرة القدم العالمية بشكل عام، حيث تحوّلت اللعبة التي يؤمن بها ملايين البشر، ويعاملونها بقداسة تشبه تقديس المتدينين لما به يؤمنون، إلى تجارة، تجارة لا تحترم التاريخ، ولا التقاليد، ولا الشغف الذي يميّز الرياضات الجماهيرية. وأكبر دليل على تحول كرة القدم إلى مسخ بائس هو حال أندية تشيلسي ومانشستر سيتي وباريس سان جيرمان، هذه الأندية التي قام بعض الأثرياء بشرائها وتحويلها من أندية عاديّة إلى أندية من كوكب آخر، عن طريق شراء مجموعة من أفضل لاعبي العالم وتكديسهم فيها. وربما يكون فريق ريـال مدريد من أوائل الفرق التي سنّت هذه السياسة، خاصة مع قدوم فلورنتينو بيريز إلى الريـال ، وهذه السياسة هي التي جعلت نجومًا كبارًا من أمثال سمير نصري في مانشستر سيتي، ونوري شاهين في ريـال مدريد ، يجلسون على دكة البدلاء لشهور، فقط لأن النادي قرّر أن يشتري هذا اللاعب بفائض الأموال التي لديه، وبذا يحرم باقي الأندية من التعاقد معه، وربما يستفيد منه في قادم الأيام.

كما أن عملية شراء اللاعبين بأرقام فلكية تفتقر إلى المنطق السليم، فما الذي يعنيه أن يكون سعر لاعب، يمكن القول بسهولة أنه عاديٌ جدًا، كغاريث بيل أكثر من مئة مليون دولار، فيما تم التعاقد مع أفضل لاعب في تاريخ كرة القدم، مارادونا، بمليون فقط؟

إضافة إلى هذا فإنه من المزعج جدًا تحوّل كرة القدم، على الأقل في إسبانيا، من رياضة اندفاع بدني، واحتكاكات حقيقيّة، إلى لعبة تتطلب لاعبين قدرتهم على السقوط أرضًا أعلى من قدرتهم على التسجيل، لاعبين وبمجرد أن يتم لمسهم يبادر الحكام إلى منحهم ضربات جزاء، وكأن كريستيانو رونالدو وليونيل ميسي لاعبان يُمنع التعامل معهما بجدية، لاعبان يسمح فقط للكاميرات أن تقترب منهما، مع أن لاعبين أفضل منهم بكثير، كان المدافعون يتعاملون معهم كما يجب، من دون كل هذه الحساسيّة. ويمكن بالطبع عزو هذا الأمر، وهذا الحنان المفرط، إلى الأسعار المبالغ فيها والتي يتم فيها التعامل مع ميسي ورونالدو، بعد أن تحوّلا من لاعبين جيدين جدًا، إلى ماكنتي إعلانات تدرّ مبالغ خيالية.

تحول الدوري الإسباني برمّته إلى بطولة ميسي ورونالدو، فهما هدافا الدوري ومحطما الأرقام القياسية فيه

كذلك ما الذي يعنيه تحول فريق بحجم برشلونة إلى فريق ليونيل ميسي، فيما يتحوّل الريـال بعظمته وتاريخه إلى فريق كريستيانو رونالدو، وهو الأمر الذي لم يحصل عندما امتلأ الريـال بالنجوم في الحقبة التي جمعت رونالدو وراؤول وزيدان وفيجو وبيكهام وآخرين؟ تحول الدوري الإسباني برمّته إلى بطولة ميسي ورونالدو، فهما هدافا الدوري ومحطما الأرقام القياسية فيه، وهما المرشحان لنيل جائزة أفضل لاعب في العالم، وهما اللاعبان اللذان تتسابق الصحف على تغطية أخبارهما، وهما اللاعبان اللذان يسجّلان عادة.

يمكن القول أن هذه الأسباب موجودة طيلة الموسم، فما الذي يمنع من مشاهدة الكلاسيكو ويسمح بمشاهدة باقي المباريات؟ ربما يكون الجواب على هذا التساؤل أن هذه الأسباب تتكثّف في الكلاسيكو، وتبدو جلية واضحة فيه دونًا عن غيره. في الكلاسيكو كاميرات فقط تراقب خطوات ميسي وهمسات رونالدو. في الكلاسيكو يتم إرعاب الحكّام من خطورة لمس ميسي أو رونالدو. في الكلاسيكو ميسي ورونالدو، وعشرون لاعبًا آخرون لا يهم معرفة هويتهم.

أما السبب الشخصي الذي يدفعني، على الأقل كمدريدي، للتوقف عن مشاهدة الكلاسيكو، فهو الفارق الشاسع في المستوى بين ريـال مدريد وبرشلونة، حيث أن برشلونة تفوق على ريـال مدريد في السنوات العشرة الأخيرة، وبات فريقًا من زمن آخر، وهو الأمر الذي أفقد الكلاسيكو متعته، أفقد الكلاسيكو عنصر المفاجأة، ولم تعد كمتفرّج محايد أو كمشجع مخلص قادرًا على الجزم بأن المباراة غير محسومة سلفًا لصالح الفريق الكاتالوني. فمنذ عهد رونالدينو، والأهداف التي راوغ قبل تسجيلها كل دفاع الريـال ، وحتى خماسية مورينيو وما تلاها، والريـال يعاني من أزمة مواجهة برشلونة، وسيان في هذا الأمر اللعب في الكامب نو، معقل البلوجرانا، أو في السانتياجو برنابيو. يمكن عزو هذا إلى مجموعة من الأسباب، على رأسها امتلاك برشلونة لأكاديمية مرموقة، فيما اعتمد الريـال في الحقب التالية لبيريز على شراء اللاعبين جاهزين من الأندية الأخرى.

هل سأشاهد الكلاسيكو؟ على الأغلب أنني سأفعل، لكنني سأشاهده وبي حنين إلى الكلاسيكو الذي كنا نشاهده ونحن نكبر. أو ذاك الذي نقرأ عنه أو يخبّرنا عنه معلقو مباريات كرة القدم.