منتخب قطر: الصناعات الثقيلة في كرة القدم

الجمعة 08 شباط 2019
المنتخب القطري يحتفل بفوزه في كأس آسيا لكرة القدم. تصوير فرانسوا نيل، جيتي إيمجز.

ما كان العالمُ يعرف اسم المنتخب الآسيويّ الذي يبلغ عدد سكانه أقلّ من ربع مليون[1] في العام 1981 وهو يدخل كأس العالم للشباب في أستراليا، ويهزم خصومه واحدًا بعد آخر، إذ دهس في طريقه للنهائيّ المنتخب البرازيليّ، وبدا مُنتخب مهد كرة القدم إنجلترا يركض على عكازات في الملعب أمام سرعة مهاجميه وفرديّاتهم.

في تلك المباراة أمام إنجلترا، وصلت الكرة للمهاجم القطري بدر بلال على مشارف منطقة الجزاء ودون أن يرى المرمى نفّذ لعبة مقصيّة وظهره للمرمى ليسجلّ هدفًا سيساعد منتخب بلاده للوصول للنهائيّ لملاقاة منتخب ألمانيا. بعد 38 عامًا، ستتكرر هذه المقصيّة في نفس الظروف ومع جيل ذهبيّ آخرَ، لكن في بطولة أخرى.

مدرّب جيّد لاعب جيّد

كانت تلك أوّل مرّة يصل فيها مُنتخبٌ عربيّ لهذه المرحلة[2] من البطولة المخصصة للشباب، وكان لجوار صاحب المقصيّة بدر بلال، كل من: علي زيد، وخالد سلمّان الذي أخرج وحده البرازيل بهاتيرك. لم يكن الأمر يتعلّق بلاعبين شباب موهوبين، ذلك لا يكفي وحده لتحقيق هذه النتائج، كان خلف اللاعبين البرازيل بإرثها الكرويّ.

كان مدرب المنتخب القطريّ حينها الأسطورة البرازيليّة إيفاريستو دي ماسيد، بالإضافة إلى وجودِ 45 يومًا في السيرة الذاتيّة لهذا المنتخب الشاب في معسكرٍ مغلق للتدريب في البرازيل تلك السنة خضع فيها لتدريبات صباحية ومسائيّة. يُعلّق تقرير متلفز بعد انتهاء البطولة: «في سيدني، بأستراليا، تبيّن أنَّ دولًا صغيرة، مثل قطر، في الشرق الأوسط، تستطيع الوصول إلى النهائيّات، شرط أن تحظى بتدريبات ملائمة».

في العام 1984 كان لاعبون من الجيل الذهبيّ لمنتخب الشباب يصعدون للفريق الأوّل محمّلين بالروح البرازيليّة والخبرات من المشاركات الدوليّة، فتأهل المنتخب الأوّل للمرة الأولى إلى أولمبياد لوس أنجلوس، وعاد خالد سلّمان الذي أخرج البرازيل في كأس العالم للشباب قبل سنوات قليلة ليُحاول مرة أخرى، لكن مع المنتخب الفرنسيّ هذه المرّة، في المباراة الافتتاحيّة للأولمبياد. سجّل هدفين وكان الفرنسيون على شفير الخسارة لولا هدف متأخر لهم أنهى اللقاء بالتعادل بين منتخب قطر والمنتخب الذي سيحصد ذهبيّة البطولة لاحقًا في نفس الدورة.

توقف كل شيء تلك السنة، إذ خرجت قطر من بطولة أخرى هي كأس آسيا من دور المجموعات للمنتخبات، وظلت تخرج في كلّ دورةٍ،[3] ولم تتأهل لكأس العالم، رغم وجود نفس المدرب، وبعض لاعبي منتخب الشباب الذي كان وصيف بطل كأس العالم.

غادر المدرّب دي ماسيدو وبقيت الأمور على حالها، وكأن كل ما جرى كان طفرةً لن تعود مجدّدًا. أعادت قطر المدرب البرازيلي من جديد في العام 1992 فعاد المنتخب القطري من بعيد متصدرًا مجموعته ومتأهلًا لأولمبياد برشلونة. وعاد المدرب البرازيلي وقاد المنتخب القطريّ «للوصول إلى ربع النهائي في أولمبياد برشلونة 1992، إلى أن خسر أمام منتخب بولندا بهدفين نظيفين 2-0 في مباراة ملحمية على استاد كامب نو».

بعد تلك السنة، سيدخل المنتخب القطري مرحلة سبات جديدة، رغم تحقيقه بعض الإنجازات في بطولة الخليج. كانت تلك مرحلة المدرّب الجيد واللاعب الشاب الجيد، وهو ما يقوله اللاعبون أنفسهم.

مدرّب جيد، لاعب جيّد مرّة أخرى

بالكاد أفلح الاعتماد على مدربين عالميين في تأسيس منتخب قويّ في قطر قادرٍ على مواصلة مسيرة كرة القدم التي لا تركن لطفرات تتمثّل بالحصول على مركز متقدم في بطولة والعودة للسبات. رغم حصول قطر في العام 2004 على كأس الخليج غير أن الأداء لم يكن مميزًا، تعادلان وفوز بمرحلة المجموعات، وفوز في الدور الثاني، ثم فوز آخر بالركلات الترجيحية في النهائي أمام عُمان، أي أن المنتخب كان مثل أي منتخب آخر يُمكن أن يُحالفه الحظ ويفوز بجهود مدربين عالميين. وقتها كانت المدرسة الفرنسيّة حاضرة في التدريب عبر الفرنسيّين: فيليب تروسيه (2003-2004) وميتسو (2008-2011).

في دورة الألعاب الآسيوية، في 2006 رجع المنتخب القطري من جديد وحصد ذهبية الألعاب الآسيوية لكرة القدم التي جرت على أرضه، كانت أرقامه لافتًة حينها، ففي مرحلة خروج المغلوب سجل القطريون ستة أهداف ولم يدخل مرماهم أي هدفٍ أمام مُنتخبات: تايلند، إيران، العراق. وفي دور المجموعات سجلوا سبعة أهداف ودخل مرماهم هدفان وبخسارة وحيدة. لكن المنتخب بعد هذه البطولة سيرجع للسبات من جديد، فيما بدا وكأنها طفرة ثانيةٌ إذ لم يحقق بعد ذلك أي أرقامٍ تُذكر.

من المدرب إلى التدريب

كانت الفكرة تتحوّل من الاعتماد على مدرّب جيّد (البرازيلي أو الفرنسيّ) إلى إيجاد آلة تدريب جيّدة، وجاء الحل في أكاديميّة أسباير الجديدةً والتي أُسست في 2004 لتقدم «التدريب الرياضي والتعليم للطلاب الموهوبين رياضيًا في قطر». وكان على القطريين الانتظار لعشر سنوات ليحصدوا نتائج ما ستقوم به الأكاديميّة في 2014.

التفّت الأكاديمية إلى المدارس القطريّة، باحثةً عن أطفال موهوبين في كرة القدم. تُظهر أرقام الأكاديمية الأخيرة أنَّ العام 2016 شهد مشاركة 4000 طالب من المدارس الحكوميّة القطريّة وحدها في اختبارات اكتشاف المواهب.

ليس في قطر فقط، إنما كذلك في 14 دولة، تختبر الأكاديميّة الأطفال من دول في إفريقيا وأميركا اللاتينية والشرق الأقصى. ويحصل أفضل عشرين ناشئًا بين هؤلاء على منح للدراسة في الأكاديمية، وهكذا «يمكن الاستفادة منهم في رفع مستوى الناشئين القطريين خلال التدريبات».

اهتمت الأكاديمية بالفئة العمريّة بين 9-12 سنة. وبدأ خطّ الإنتاج، إذ ولّى زمن المغامرات غير محسوبة العواقب من قبل اللاعبين في الملعب، ولّى زمن الفرديات والمهارات التي يضعها الربّ في أقدام اللاعبين وأجسادهم وعقولهم وهم يخرجون عن قانون ما تدربوا عليه، ليس في قطر إنما في العالم، وظهرت بدلًا منها الصناعات، صناعات كرة القدم من حارس المرمى وحتّى أوّل لاعب في خط الهجوم. باختصار: اصنع لاعبًا ثم درّبه بدلًا من تدريب لاعبٍ فقط.

خرجت آلات أسباير إلى مينمار في 2014 حيث ستقام بطولة كأس آسيا للشباب، وبدأ العمل؛ كوريا الشمالية، عُمان، الضحايا في دور المجموعات، وأفلت العراق بتعادل. في الدور الثاني وقعت الدفعة الثانية من الضحايا: الصين، ثم البلد المنظّم مينمار ثم كوريا الشمالية في النهائيّ. ليس الكأس وحده، كان الهدّاف من المنتخب القطريّ، وأفضل لاعبٍ، وأفضل خطّ هجوم في الأدوار الإقصائيّة برصيد 8 أهداف في ثلاث مباريات.

كانت تلك المرّة الأوّلى التي ذكّرت بجيل 1981. لم يكن اللاعبون وحدهم، كانت آلة التدريب تعمل منذ 2013 مع هذا الجيل الشاب، آلة التدريب الممثلة بالمدربين الأورغويانيّ خورخي فوساتي والإسبانيّ فليكس سانشيز، لكن العمل كان ضمن رؤية الأكاديميّة.

واصل فليكس سانشيز مع بعض الآتين من منتخب الشباب في منتخبات تحت 20 و 23 سنة، وفي 2017 كان منتخب قطر الأوّل تحت قيادة الإسبانيّ ولديه من منتخب الأحلام للشباب المعز علي، وأكرم عفيف.

لكن أكان ذلك وحده؟ لا، سعى القطريون لإدخال لاعبين دوليين في الدوري القطريّ أضافوا للاعبين القطريين خبرات أخرى. كان منهم؛ ماكينة الأهداف الأرجنتينية باتيستوتا 2003 إلى النادي العربي، جوارديولا 2003 إلى الأهلي، فرناندو هيرو 2003، الهولنديان فرانك ورونالد دي بور 2004 إلى الريّان، جونينهو البرازيلي المتخصص بالضربات الحرّة 2009 إلى نادي الغرافة، راؤول طفل مدريد المُدلل إلى السد في 2012، مهندس العمليات في برشلونة الأحلام تشافي 2015 إلى السدّ، وحديثًا مدافع يوفنتوس المهدي بن عطيّة إلى الدحيل، وغيرهم الكثير.

بالإضافة إليهم كان لاعبون من أمريكا الجنوبيّة، ومصر، والسودان، والبرتغال، والعراق ودول أخرى يأخذون الجنسيّة القطريّة، ولعلّ أبرزهم الهداف التاريخي للمنتخب ذو الأصول الأوروغويانيّة سيباستيان سوريّا، وآخرون تربوا وولدوا في قطر وحافظت عليهم الأكاديميّة إلى أن مثلّوا منتخب قطر. هكذا رجع الجيل الذهبيّ في الثمانينيات لكن مع تعديلٍ جوهريّ: بدل المدرب هناك التدريب.

لم يكن الفوز بالكأس هو اللافت فقط في بطولة كأس آسيا 2019، هذه حقيقة ناقصةٌ دون الانتباه للألقاب التالية: جائزة أفضل لاعب، والهدّاف، وأكثر لاعب تسجيلًا للأهداف في نسخة واحدة في تاريخ البطولة، وأفضل حارس مرمى، وأفضل خط دفاع، وأقوى خطّ هجوم، وأوّل لاعب يصنع 10 أهداف في نسخة واحدة من البطولة، وتجنب البطل الخسارة في جميع مبارياته في البطولة، وأخيرًا: حقق المنتخب الياباني صاحب أكثر عدد من الألقاب في تاريخ البطولة (4 مرات) في مباراته النهائيّة أمام قطر أسوأ رقم منذ بداية جمع أرقام البطولة 2007 إذ لم يسدد غير تسديدة واحدة على مرمى الخصم، الأدق، لم يُسمح له بالتسديد على المرمى.

وبعد 38 سنة على الظهور اللافت للمنتخب القطري للشباب في العام 1981 سيعود لاعب المنتخب القطري المُعزّ عليّ للتسجيل في المباراة النهائيّة بكأس آسيا 2019 وبنفس طريقة بدر بلال منفّذًا لعبة مقصيّة وظهره للمرمى ليسجل الهدف الأوّل ويساعد فريقه في الفوز بكأس آسيا للمنتخبات. وبين المقصيّتين كانت الحكاية.

أخيرًا، في تقليدٍ عريق افتتحه المُنتخب الإيطاليّ في 2006 يقوم على العلاقة التالية: المُنتخب الذي يحصل على بطولةٍ كأس العالم يخرج من النسخة التي تليها بأداء ضعيف ويُغادر من الدور الأوّل مبكرًا. فازت إيطاليا بنسخة 2006 وخرجت من الدور الأول في نسخة 2010، ثم إسبانيا بطلة 2010 خرجت من الدور الأوّل في 2014، ثم ألمانيا بطلة 2014 خرجت من الدور الأول في 2018.

وفي كأس آسيا، كانت أستراليا في 2015 بطلًا، وبمعجزة وصلت دور الثمانية في 2019، وكان العراق بطلًا في 2007 وخرج من الدور الثاني في 2011، فهل تكون كرة القدم في قطر خارج هذا التقليد الآسيوي والعالميّ وتُثبت أنَّ ما حققته لا يتعلّق بطفرة كرويّة؟

  • الهوامش

    [1] بحسب أرقام جوجل المستندة على بيانات البنك الدوليّ.

    [2] كانت منتخبات المغرب مصر العراق وصلت للمركز الثالث في تاريخ هذه البطولة لكن ليس المركز الثاني.

    [3] باستثناء دورتي 2000 و2011 تأهلت للدور الثاني.