زين الدين «يزيد»: من لا كاستنيانا إلى مدريد

الأربعاء 01 تشرين الثاني 2017

«أنا ليست لدي رسالة أريد إرسالها إلى أحد»

*زين الدين زيدان عقب فوز منتخب فرنسا تحت قيادته بكأس العالم للمرة الأولى صيف عام 1998.

الحجرة صغيرة وخانقة رغم كل التجديدات عليها، الدهانات البيضاء رغم لمعانها إلا أنها لم تخفّف حالة عدم الارتياح. محاولةُ اختيار نقطة في الفراغ من أجل التحديق والشرود أثناء سماع التوبيخات أمر يصبح أكثر صعوبة في الغرف الصغيرة نسبيًا. زين الدين زيدان يختار فقط أن يعقد ذراعيه، مبتلعًا حبوب الصمت التي يحملها في جيبه، وقت الحاجة، منذ أن بدأ يتقاضى نقودًا من كرة القدم. كل شيء في غرفة تغيير ملابس فريق جيرونا يذكره بمثيلتها قبل نحو ثلاثين عامًا في فريق كان، رائحة أنصاف الرواتب، وأرباع الطموحات، وكل الصلوات لتجنّب الفشل والبقاء في ذلك العالم كلاعب صاعد، وهذه المرّة كمدرب يستمع لتعنيف من رئيس نادٍ مثل ريـال مدريد. فلورنتيينو بيريث «يغسل» لاعبيه بعد الهزيمة من الفريق المحلي يوم الأحد، بأضعاف الرواتب، بأنصاف الجهود، بكل الميزانيات، بأصفار الشعور بالأمان الوظيفي. في كرة القدم أحيانًا النهايات تشبه البدايات.

كل حبوب الصبر التي تعلّم زيدان تناولها في غرفة خلع الملابس بملعب جيرونا، هي نسخة من كل الحبوب التي تعلّم تناولها في كل محطة من محطات حياته، والتي جعلت من قربه الشكلي من كلينت إيستوود أو شخصية سبوك في سلسة «ستارتريك» قربًا جوهريًا أيضًا. شخص هادئ الطباع قليل الكلام، ذو فراسة، منطقي رزين، بارد أحيانًا، له ماضيه المجهول الذي يتردد كثيرًا في الإفصاح عنه، الحامل لبركان مشاعر قد ينفجر على هيئة حمم قد تعصف به هو شخصيًا قبل الآخرين. بالنسبة للجميع هو أنيق، لبق، التألق يلاحقه في مطلع كل يوم جديد، السهولة ترافقه في كل خطوة مثل كل تمريرة خطفت الأنفاس في أول مباراة له مع المنتخب الفرنسي أمام التشيك قبل 23 عامًا. الرأس الحليقة تجعل منه رجلًا أوروبيًا عصريًا، ولكنها تخفي كل الشعر الأبيض الذي كان من المفترض أن يرثه عن والده إسماعيل، والتي بدأت في الظهور منذ رحلة الهجرة الأولى من بجايا إلى باريس في خمسينيات القرن الماضي. إلا أنّه لم يتمكن من إخفاء الشعر الأبيض الذي يسكن الروح ناتجًا لفكرة خطر الرحيل، الاستغناء، الهجرة مجددًا، الرقص المستمر مع التاريخ، القبيلة، فرنسا، المؤسسات الرسمية، غيوم تورينو، حزب الجبهة اليميني المتطرف، عشرات الذوات المتضخمة من اللاعبين والمدربين، مقصلة فلورنيتنو بيريث في ريـال مدريد، حتى لو كان هذا بعد أسبوع من حصوله على لقب أفضل مدرب في العالم، ولقبين متتاليين لدوري أبطال أوروبا للمرة الأولى منذ عام 1990.

الرأس الحليقة تجعل منه رجلًا أوروبيًا عصريًا، ولكنها تخفي كل الشعر الأبيض الذي كان من المفترض أن يرثه عن والده إسماعيل

«زيزو» في حقيقة الأمر هو «يزيد»، فتى غير مميز بشيء على وجه التحديد، صبي قادم من سبعينيات مارسيليا، عاشق للأفيون الشعبي حسب رؤية النخب المبشرة بقدوم عصور الانحطاط في فرنسا. تاريخيًا طالما كانت لعبة المهاجرين، بالنسبة لابن حارس أمن ليلي وربة منزل هي الملاذ. هي السبب وراء كل شرخ في كل نافذة في غرفة المعيشة، كل ملصق لإنزو فرانسيسكولي بقميص راسينج باريس مثبت بصمغ متهالك في غرفته، صوت المعلق بيير كانيوني ليلة كل أحد، والذي يوقظه من كل يأس يحيط بحلمه أن يصبح لاعب كرة، كل حجر يتم استخدامه كعارضة مرمى في محيط حي لاكاستيانا ذي السمعة السيئة، كل محاولة لتحويل قبح الجيتوهات الفرنسية إلى فردوس مؤقت عن طريق ميليشات المراهقين، تحويل الأسفلت والأسمنت إلى مقطوعات في الارتجال، تحويل اللا مساحة إلى بروفة أولية لخلق كل المساحات الممكنة مع كل تمريرة في يورو 2000. كل المهاجرين، أضغاث الأحلام، أنصاف الفرص، أضعاف مساحات الخيال، أحيانًا البدايات في كرة القدم تشبه النهايات.

«يزيد» هو «زيزو»، لا يوجد شيء جديد، هو لم يبدأ حملة، لم يخترع موضة، لم يشعل ثورة، لم يبتكر طريقة لعب جديدة، هو مجرد قدم في صحراء عامرة بآثار خطوات مهاجري الكرة الفرنسية؛ ريموند كوبا، رشيد مخلوفي، جوست فونتين، مصطفى دحلب. يزيد ولد بعد أسبوعين من المشاركة الأولى لجان بيير آدامز، أول لاعب أفريقي أسود يلعب كأساسي بقميص منتخب فرنسا، وبعد شهر من آخر مظاهرة قادها جان ماري لوبان في حزب الجبهة القومية المعادي للمهاجرين. جان بيير آدامز يرقد في غيبوبة بسب خطأ طبي في عملية جراحية منذ عام 1982. في حال استيقاظه المتوقع في كل لحظة، ومع إخباره بكل ما فاته خلال الـ35 عامًا الماضية سيمكن التعرف على سيل الثورات الصامتة التي قادها «يزيد» في فرنسا جديدة، فعلها دون استخدام كليشيه عرقي أو ثقافي أو اجتماعي واحد. فعلها كهدفه البليغ أمام النرويج عام 1998، في ما يبدو بأنها لمسة واحدة ولكن خلفها مئات من المحاولات الفاشلة.

حبوب الصمت في كل تمريرة مقطوعة قام بها مع فريق كان في سن الـ19 عامًا، أو الخسارة بثلاثية برفقة بوردو أمام بايرن ميوينخ في نهائي الإتحاد الأوروبي عام 96، الأداء الهزيل طيلة يورو نفس العام، قلّة الحيلة برفقة اليوفنتوس في نهائي أبطال أوروبا أمام بروسيا دورتموند في العام التالي، تيه ضياع اللقب المحلي وسط أوحال بيروجا في عام 2000، الخسارة أمام اليوفي نفسه كلاعب لريـال مدريد في 2003، الإهانة في مونديال 2002، والعجز أمام اليونان في يورو 2004، ركل السعودي فؤاد أنور دون كرة، الخسارة كمدرب للريـال أمام برشلونة في البيرنابيو بهدف في الدقيقة الأخيرة، ومن بعدها ست نقاط في آخر ثلاث مباريات للموسم دون أي مبرر. وأخيرًا أمام جيرونا أفقر أندية الليجا، والذي استدان لدهان غرفة خلع الملابس التي ظل «زيزو» يحدق في بياضها عقب اللقاء.

إذا كان يمكن لهدفه في النرويج أن يخبرنا عن شيء، فسيخبرنا عن قدرة «يزيد» على الرقص حتى ضد المنطق، صنع اللحظة من أشباه اللمحات، لا شيء يوحي بالخطورة منذ تسلمه الكرة من يوري دجوركاييف من ظهره، وأمامه ثلاثة مدافعين نروييجين، النتيجة هي هدف عن طريق لمستين. الخدعة هي الإيحاء بأن كل شيء يبدو سهلًا، ولكنها القدرة على الرقص مع الواقع قليلًا. هي نفس القدرة التي جعلته أيقونة في تسعينيات فرنسا، ليصبح مرادفًا لحركة تغيير في المزاج الفرنسي الجديد، جنبًا إلى جنب الممثل جمال دبوز، مغني الراب إخناتون، مقدم البرامج ناجي، دون اللعب بأي بطاقات راديكالية. بداخله غضب يماثل حنق شخصيات الجيل الثاني من المهاجرين التي يعج بها فيلم «الكراهية» الشهير لماتيو كاسوفيتتس، ولكنه اختار أن يكون خافتًا كأغنيات سيرج جينسبورج، حركة تغيير صامتة، تجعل من رحلة شخص مثل جان بيير آدامز منطقية، رغم عبثيتها الظاهرة.

«يزيد» ليس مهووسًا ثوريًا مثل جوارديولا، لا يحمل مفكرة مارتشيلو ليبي كإنجيله الخاص مثل أنطونيو كونتي، ولا تقاليد آياكس على كتفيه مثل فرانك دي بور، ولا يحمل ثقافة كيان مثل دييجو سيميوني، ولا هو عاشق للهيفي ميتال مثل يورجن كلوب. ولكنه حليف للمنطق، الأمر الذي غاب عن جدران ريـال مدريد طويلًا، وهو الكيان الذي كان يرفض التعامل مع نفسه كفريق كرة في المقام الأول، مفضلًا أن يكون سيركًا متنقلًا، يسعى لضم أحدث مجموعة من النمور والأسود والخيول دون أي محاولة لترويضها داخل بوتقة فريق واحد، في الوقت الذي كان ينادي فيه «زيزو» مساعد المدرب أو المستشار بأن المستقبل يمكنه أن يكون برفقة أناس مثل هازارد أو دريكسلر أو جوتزه. هذه المرة كمدرّب أحبط رغبات رئيسه المقامر بيريث، مثبتًا أنه يمكن الفوز بأهم بطولة كروية سنوية بأسماء مثل ناتشو وكاسيميرو وأسينسيو، الكثير من المنطق والقليل من الأكروبات، بعض من المخاطرة دون الكثير من الارتجال. ففي ظل وجود مودريتش وكروز في وسط الملعب، سيرخيو راموس في الخلف، ورونالدو في الأمام يصبح استخدام المنطق أمرًا حتميًا حتى في ظل غياب نجوم شباك مجانين مثل جاريث بيل أو خاميس رودريجث.

«يزيد» ليس مهووسًا ثوريًا مثل جوارديولا، لا يحمل مفكرة مارتشيلو ليبي كإنجيله الخاص مثل أنطونيو كونتي، ولا تقاليد آياكس على كتفيه مثل فرانك دي بور

في نوفمبر 2005 كان «يزيد» مجرد لاعب في شهوره الأخيره كمحترف، منهيًا ضجره من المنتخب الوطني، مقررًا العودة عن قرار اعتزاله الدولي. شيء أشبه باستعانة العجائز بالنوستالجيا أثناء خوضهم لحرب قاسية، لم يكن أحدٌ يتوقع منه أحد شيئًا في سن الخامسة والثلاثين، مع فريق مهلهل بمدير فني مذبذب، ولكنه اختار الوقوف على أبواب مدخل ملعب البيرنابيو أمام صحفي، هو كاتب هذه السطور، يتحدث بإسبانية ممزوجة بلكنه عربية لم يخطئها «يزيد»، ليخبره بأنه يشعر بتفاؤل غريب إزاء مغامرته الأخيرة كلاعب في مونديال 2006، معربًا عن توقعه بالوصول للنهائي.

في كرة القدم البدايات شبيهة بالنهايات، «يزيد» كان يرغب في المجد، عرف الجحيم لاستعادة مستواه البدني قبل البطولة، وجحيمًا آخر لعبور الدور الأول بعد عروض مخجلة، ثلاث مباريات للعمر أمام إسبانيا والبرازيل والبرتغال قبل الصعود للنهائي، الاقتراب من شمس الفوز باللقب، ثم الاحتراق بنطحة في صدر ماتيراتزي، بعد تلميحات وقحة عن الأخت، مزقت ذكريات مشاهدة المباريات مع الشقيقيْن نور الدين وفريد، صوت بيير كانيوني، ومراوغات إنزو فرانسيسكولي، قبل الخروج من ملعب برلين مطاطئ الرأس، في خجل يوازي خجل الخوف من فشل الاختبارات الأولى في نادي سان هنري للناشئين. البدايات في كرة القدم مثل النهايات، وفي أغلب الأحيان إلى نقطة الصفر.

«هذه الخوذة تخفي خليطًا من المشاعر لا يمكن وصفه»

*البرازيلي إيرتون سينا سائق الفورميلا وان متحدثًا عن تجربته قبل خوض أي سباق.