رأي

اعتقال أسانج: حرب أمريكية من أجل الأسرار

الثلاثاء 23 نيسان 2019
جوليان أسانج من الحافلة التي أقلته بعد اعتقاله من السفارة الإكوادورية في لندن قبل أسبوعين. وكالة الأنباء الإسبانية.

«حسنًا، لدينا رجل لديه آر بي جي، سأُطلق النار».

هكذا يصرخ أحد الجنود الأمريكيين من على ظهر طائرة أباتشي، في خلفية فيديو تتوسط شاشته علامة تصويب تتتبع عن بُعد مجموعة من العراقيين يمشون في ميدان مفتوح في بغداد. تجري مُحادثة بين الجنود على ظهر الطائرة يصفون فيها المشهد الذي نراه للقيادة المركزية، ويعبرون فيها عن شكهم بأن اثنين من المُشاة يحملان أسلحة على أكتافهما. تمنحهم القيادة المركزية الإذن بإطلاق النار، فنرى جثث المُشاة تتهاوى، وفي الخلفية أمر يتردد «استمر بإطلاق النار». يعلق أحد الجنود «جميل، انظُر لأولئك الأوغاد الميتين».

نشر موقع ويكيليكس هذا الفيديو التابع للجيش الأمريكي في 2010، بعد ثلاث سنوات من تاريخ العملية. كان الفيديو ضمن مئات آلاف الوثائق التي سربتها لموقع ويكيليكس المحللة الاستخباراتية في الجيش الأمريكي، تشيلسي ماننيغ، التي كانت حينها براد ماننيغ، ذا الثلاثة والعشرون عامًا آنذاك. استعانت ماننيغ، بمؤسس موقع ويكيليكس، جوليان أسانج، لفك الشفرة السرية لعدد من فيديوهات عمليات الجيش الأمريكي في العراق التي وُثقت بكاميراته. نشر أسانج بدوره عددًا من هذه الفيديوهات على موقعه بعنوان «قتل جانبي» (Collateral Murder)، كان ضمنهم الفيديو الذي وثق العملية أعلاه، التي أسفرت عن قتل 18 مدنيًا، من بينهم صحفيان في وكالة رويترز. سببت هذه الفيديوهات أزمة للإدارة الأمريكية، فقد أصرت روايتها الرسمية بأنه «لا شك بأن القوات الأمريكية كانت منخرطة بوضوح في عملية قتالية مع مقاتلين» وأن صحفيي رويترز قُتلوا بالمعية، بحسب المتحدث الرسمي للجيش الأمريكي آنذاك. لكن بعد ثلاثة أعوام، أظهر الفيديو أنه لم تكن هنالك أية معركة. أما صحفيا رويترز اللذين قُتلا بسبب «أضرار جانبية» فقد كانا ضمن أهداف الجنود لاعتقادهم بأن بمعدات التصوير على أكتافهم هي أسلحة آر بي جي.

«أبطال» أم «خونة»؟ هذا السؤال دارت حوله معركة سرديات في الولايات المتحدة، لتأطير «مُطلقي الصفارة» (أي المسرّبين من داخل المؤسسة الحكومية) والصحفيين الذين أعانوهم في تسريب وثائق سرية فضحت سياسة الولايات المتحدة الخارجية وتسببت في أزمات دبلوماسية. في السنوات العشر الأخيرة، تفجر هذا الجدل في الإعلام الأمريكي حول العديد من الشخصيات التي سربت آلاف الوثائق بالإضافة لأسانج وماننيغ، منها كان  المحلل الاستخباراتي لدى وكالة الأمن القومية إدوارد سنودن، والصحفيان لورا باتريوس وغلين غرينولد، اللذان عاونا سنودن في نقل الملفات لوسائل الإعلام المختلفة.

عاد هذا الجدل قبل أسبوعين عندما انتشر فيديو لمشهد درامي يُقاوم فيه أسانج عناصر الأمن البريطاني وهم يخرجونه عنوة من السفارة الإكوادورية في لندن، بعد أن احتما فيها من التوقيف القضائي آخر سبع سنوات. فعام 2012، في عهد الرئيس الإكوادوري اليساري الناقد لسياسات الولايات المتحدة، رافايل كوريا، منحت السفارة الإكوادورية في لندن أسانج اللجوء السياسي، بعد أن طلبه لحمايته من الترحيل إلى السويد، على اثر قضايا تحرش جنسي واغتصاب كانت قد رفعتها ضده امرأتان سويديتان عام 2010. كانت حجة أسانج في طلب اللجوء هي أن الامتثال للتحقيق في السويد يعني الترحيل إلى الولايات المتحدة في النهاية، وفقًا لمعاهدات الترحيل بين البلدين. ورغم أن القضاء السويدي أسقط قضية الاغتصاب في 2017 بسبب قانون التقادم الذي يُسقط أي قضية لم يجرِ عليها أي تحديث في التحقيق لمدة ثلاث سنوات، إلا أن المدعي العام السويدي صرح بإعادة فتح القضية بعد انتشار خبر اعتقال أسانج. اليوم، ينتظر أسانج قرار المحكمة البريطانية بترحيله، إما للولايات المتحدة أو للسويد.

تسريبات مانينغ شهرت ويكيليكس وصاحبه وجعلته ملجأ لآلاف الوثائق السرية التي حررها موظف من داخل المؤسسات الرسمية أو مُخترق تمكن من الوصول لها.

مُنذ أن أسس ويكيليكس، هدد أسانج كل الجهود التي بذلتها المؤسسة الأمنية الأمريكية لوقف تكرار حدث مثل تسريبات «أوراق البنتاغون» السرية عام 1971. كشفت أوراق البنتاغون عن أكاذيب إدارة الرئيس الأمريكي نيكسون في تقدم الولايات المتحدة بالحرب على فيتنام، وحولت الرأي العام الأمريكي ضد الحرب. حينها، وجهت المحكمة العُليا لجريدة النيويورك تايمز تحذيرًا للتوقف عن نشر الأوراق لمخالفتها قانون «الخيانة العُظمى»، لكن الصحيفة رفضت الطلب وتحدتّه في المحكمة العليا التي قضت بالنهاية لصالح النشر، وجاء في حكمها أن «الهدف الأساسي من التعديل الأول [First Amendment] حظر الممارسات الحكومية الواسعة في قمع المعلومات التي تُحرجها». كان قرار المحكمة العليا بقانونية نشر الأوراق في وسائل الإعلام لحظة فارقة وضعت قرار نشر بيانات ووثائق سرية بيد الإعلام والمُحررين فقط، لا بيد الحكومة الأمريكية.

توقفت الإدارة الأمريكية عن ملاحقة الجرائد والصحف بعد قرار المحكمة، ولكنها ركزت جهودها على ملاحقة «مُطلقي الصفارة» وجعل حياتهم جحيمًا لردع مثل هذه الأفعال. فمثلًا، أعيدت تشيلسي ماننيغ للسجون الأمريكية بعد يوم من القبض على أسانج لرفضها الإدلاء بشهادة في القضية التي رفعتها الولايات المتحدة ضد أسانج بتهمة «التآمر لاقتحام حاسوب». قضت تشيلسي سبع سنوات في السجن من أصل 35 كانت تنتظرها بعد توجيه القضاء الأمريكي إليها 22 تهمة، شملت تسريب معلومات متعلقة بالدفاع الوطني والتعاون مع العدو، والتآمر لاقتحام حاسوب. لكن قبل أن يترك باراك أوباما الرئاسة نهاية عام 2016، أصدر قرارًا بتخفيف عقوبة ماننيغ لسبع سنوات، لتخرج في 2017.

تسريبات مانينغ، التي سُميت «سجلات العراق 2010»، شهرت ويكيليكس وصاحبه وجعلته ملجأ لآلاف الوثائق السرية التي حررها موظف من داخل المؤسسات الرسمية أو مُخترق تمكن من الوصول لها. بهذه الطريقة، نشر ويكيليكس العديد من التسريبات كان من أشهرها، بعد تسريبات مانينغ، آلاف المراسلات الدبلوماسية أرسلتها السفارات والبعثات الأمريكية حول العالم لوزارة الدفاع الأمريكية (2010)، وإيميلات الرئيس السوري بشار الأسد (2012)، وايميلات حزب العدالة والتنمية التركي (2016)، وإيميلات هيلاري كلينتون والحزب الديمقراطي الأمريكي، التي اتُهم عبرها أسانج بالتأثير على نتائج الانتخابات الأمريكية في 2017.

انحرف موقع ويكيليس عن النموذج الشائع لنشر تسريبات الوثائق السرية، انطلاقًا من مبدأ الشفافية المطلقة والنفاذ المتساوي للمعلومات، الذي كان يروج له أسانج. فبدلًا من التعاون الحصري مع وسيلة إعلامية تُسرب لها الوثائق وتنشرها كما يراه مُحرروها مناسبًا، اتخذ ويكيليكس قرارًا بفتح التسريبات بالآلاف وللجميع، بعد ترتيبها وأرشفتها بطريقة قابلة للتصفح. بعد إعلان الموقع عن أي تسريب، كان مُحررو وصحفيو غرف الأخبار العالمية والمحلية ينهمكون في تمحيص هذه الوثائق لتحديد قيمتها الإخبارية في سياق المصلحة العامة. لكن هذا النموذج لم يحمِ ويكيليكس من الجدل حول أخلاقيات التسريب ودوافعها السياسية. مثلًا، أثيرت العديد من الشُبهات حول علاقة أسانج مع روسيا، خاصة بعد نشر رسائل الحزب الديمقراطي التي ادعى كثيرون أن محتواها أثر على نتائج الانتخابات الأمريكية. أيضًا، تعرض الموقع لانتقادات كبيرة بعد نشر إيميلات حزب العدالة والديمقراطية في 2016 دون تمحيص، لشمولها بيانات عن التوجهات الجنسية لمواطنين عاديين، لم تشكل قيمة إخبارية تساهم في المصلحة العامة، لكنها عرضتهم للخطر.

شكلت شخصية أسانج الغريبة وتعقيدات قضيته أرضًا خصبة لشيطنة فعل تسريب الوثائق السرية وتشتيت الرأي العام حول أسباب اعتقاله.

من المهم الفصل بين الاتهامات التي وجهت إلى أسانج، سواء كانت الاغتصاب أم علاقاته السياسية مع دول أخرى، وتسريب وثائق سرية أصلية كانت الفائدة منها أكبر بكثير من الضرر الذي تسببت به. فعلى أسانج أن يواجه تُهمة الاغتصاب، وعلى وسائل الإعلام أن تنظر للوثائق التي ينشرها الموقع في سياق دوافعها السياسية، لكن ذلك لا يجعل مثول أسانج أمام القضاء الأمريكي بتهمة التآمر لكشف انتهاكات الجيش الأمريكي للمدنين في العراق وأفغانستان منصفًا. لقد تجاوزت فائدة هذه الوثائق السرية كشف أسرار السياسة الأمريكية، إذ كشفت أيضًا معلومات عن علاقات سياسيين في دول قمعية مع ممثلي الحكومة الأمريكية لم تكن لتخرج للرأي العام إلا من خلال تسريبات «كيبل غيت» في 2010. الكوابل التي أُرسلت من السفارة الأمريكية في الأردن مثلًا كشفت عن محادثات سياسين أردنيين مع ممثلي السفارة الأمريكية، منها ما أفصح عنه رئيس الوزراء الأسبق عبد الكريم الكباريتي في لقاءه مع السفير الأمريكي في 2002 عن التحويلات غير الشرعية للنفط العراقي. أحيانًا تسرب ويكيليكس وثائق حصريًا لمؤسسات إعلامية للدول المعنية بها، إذ تعاونت المؤسسة مثلًا مع موقع مدى مصر حصريًا للكشف عن وثائق أثبتت تورط مسؤولين مصريين بإعانة سعوديين في تهريب أموالهم بطريقة غير قانونية.  

شكلت شخصية أسانج الغريبة وتعقيدات قضيته أرضًا خصبة لشيطنة فعل تسريب الوثائق السرية وتشتيت الرأي العام حول أسباب اعتقاله. وساهم الرئيس الإكوادوري في إضافة بُعد آخر لشخصية أسانج، بعد أن صرح لوكالة البي بي سي بأن فظاظته وآثار الغائط التي تركها على حائط السفارة كانا سببين كافيين لطرده. عبر تناقل هذا التصريح كتبرير لطرد أسانج، شاركت وسائل الإعلام الأمريكية في تصويره على أنه شخص فظ وشرير، دون التركيز على الدوافع السياسية، وما يبدو أنه صفقة بين الإكوادور والولايات المتحدة تمثلت في قرض بلغ أربعة مليارات دولار، استطاعت الإكوادور أخيرًا الحصول عليه من صندوق النقد الدولي في شباط من هذا العام.

حتى في أكثر الدول ادعاءً لتقديس حرية التعبير، هنالك أسرار يحاول السياسيون حمايتها بحجة أنها مدمرة لسمعة الدولة ولعلاقاتها مع الدول الأخرى. ولن نرى سياسيين وردت أسماؤهم في وثائق بنما وثبُت ضلوعهم بالتهرب الضريبي يدافعون عن حرية التعبير ودور الصحافة في نشر انتهاكات السُلطة. بعد اعتقال أسانج بيوم، نشرت وزارة العدل الأمريكية تصريحًا فيه رسالة مُبطنة لكل من يُفكر مستقبلًا بتسريب وثائق سرية والتعاون مع صحفيين على نشرها مفادها: ستواجهون الملاحقة القضائية. يبرر التصريح اعتقال أسانج ومثوله أمام القضاء بتهمة «التآمر على اختراق حاسوب» التي قد تصل عقوبتها إلى السجن خمس سنوات. بالرغم من أن التصريح قصد الترهيب من التسريب، إلا أن أكثر عبارة مؤثرة فيه كانت محادثة يُقنع بها أسانج ماننيغ بالبحث عن وثائق أكثر، قائلًا له «العيون الفضولية لا تجف أبدًا».