الأجهزة والسلطة والأنماط الجديدة من الوعي السياسي

الخميس 09 أيار 2019
طلبة يتظاهرون خلال إضراب «شباب من أجل المناخ» في لوزان في سويسرا، 18 كانون الثاني، 2019؟. تصوير فلنتين فلورو، أسوشييتد برس.

نشر هذا المقال بالإنجليزية في موقع دار النشر اللندنية بلوتو برس، بناءً على كتاب للمؤلف نفسه، صدر عن الدار في شباط 2019، بعنوان «الوعي بالأجهزة: الفكر والإرادة والفعل الجمعي في عصر وسائل التواصل الاجتماعي».

اتخذت الصحف الشعبية موقفًا معاديًا للأجهزة. فقد غذّت هذه الصحف تيارًا في الرأي العام انقلب على الأجهزة، وعلى وجه الخصوص، على الهواتف الذكية والأجهزة الرقمية المتصلة بالإنترنت، في سبيل سلامة الأطفال والدفاع النبيل عن صلاح البالغين. أبقت الهيئات الكبرى في السلطة الرابعة قراءها «على علم» بآخر الأبحاث والآراء الحديثة للغاية، والتي مفادها أن «إدمان الأطفال على هواتفهم المحمولة يمكن أن يهدد نسيج المجتمع ذاته»، أو أن «المراهقين المدمنين على هواتفهم الذكية يعانون من مستويات عالية من القلق والاكتئاب والأرق والاندفاع»، رغم أن رؤية الصحف الشعبية العالمية تشير إلى أن البالغين أيضًا في خطر شديد. فنحن «مدمنون على هواتفنا المحمولة»، بالنظر إلى أن «البريطانيين أصبحوا يتفقدون هواتفهم كل 12 دقيقة»، أو حتى أن «البريطانيين مدمنون للغاية على هواتفهم، لدرجة أنهم يفقدون الاتصال بالعالم الحقيقي».

هناك أيضًا تيقظ عالٍ إزاء الأخبار التي تتعلق السرطان والتأثيرات السيئة الأخرى للأجهزة، لذلك يجب أن يشعر المستخدمون بالقلق من وجود «أدلة مقلقة على أن المستويات العادية من إشعاع الهاتف المحمول يمكن أن تلحق الضرر بالدماغ»، ومن أن «الهواتف المحمولة في بورة مخاوف السلامة الجديدة بعد أن وجد العلماء أول دليل على وجود صلة لها بسرطان الدماغ».

بالطبع، ليست الهواتف وحدها ما يشكل خطرًا شديدًا على الصحة والسلامة العقلية، بل أيضًا تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي التي تملأ هذه الهواتف. لذلك، يقال لنا إن «ثلاثين أسرة تلوم شركات التواصل الاجتماعي على دورها في حالات انتحار الأطفال»، ويُحذَّر القرّاء من «انهيار جيل الألفية» لأن «وسائل التواصل الاجتماعي ترفع خطر الاكتئاب عند الشباب». مثل هذه الأخبار هي الآن العملة المتداولة في الصحافة الشعبية، ومن المفارقة أنها مدفوعة على الإنترنت بمنطق انخفاض المبيعات وجاذبية جني الأموال عن طريق العناوين المخادعة (clickbait).

يسود اليوم أيضًا فهم خاص لـ«الوعي» السياسي، يتجلى غالبًا في المخاوف من التلاعب النفسي و-في مفارقة إلى حد ما- «الأخبار الزائفة» التي تفسد تصوراتنا [للواقع]، إذ أصبحت شيطنة الآخرين في هذه الأخبار أمرًا مألوفًا. صورة العدو الروسي وصورة المخترق (المشيطن أصلًا) تتضافران جيدًا في بناء سردية قوامها الخوف والقلق. في هذه السردية، «تضرب شبكة مخترقين تديرها موسكو أهدافًا بارزة حول العالم». حيث أنشأ هؤلاء المخترقون، من بين أمور أخرى، المجموعة الوهمية «Fancy Bears»، النشطة في الاختراق لغايات سياسية (hacktivist). مرة أخرى، هذه السردية هي السائدة في تفسير الفعل السياسي، فقد قيل لنا إن «أعمال شغب» السترات الصفراء الفرنسية «تم تنشيطها بواسطة المتصيدين الروس على تويتر الذين يشاركون أخبار زائفة». ومثل هذه التقارير مثيرة للسخرية إلى حد ما بالنظر إلى أن صحيفة «الديلي ميل» ذاتها صُنفت بوصفها مصدر أخبار زائفة لما لديها من «سمعة في سوء التحقق من المعلومات والسعي نحو الإثارة»، بالإضافة إلى أن مصدر قصة صحيفة «الصن» هو منظمة تدعى «التحالف من أجل ضمان الديمقراطية»، وهي مجموعة غامضة مدعومة ظاهريًا من قبل المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الذين ينشرون الدعاية المضادة لروسيا.

لا يعني هذا القول إن هذه التقارير ببساطة خاطئة، أو أنها لا تحتوي مثقال ذرة من حقيقة، بل إن هذا التركيز على التفسيرات الأشد وضوحًا والأسهل استهلاكًا للمشاكل المعقدة هو ما يجدر التفكير فيه. إن استهداف أحدث التقنيات أوسعها رواجًا ثقافيًا بالنقد يخلق مزاجًا اجتماعيًا أو «بنية شعور». لقد حدث ذلك مع الفيلم، ثم التلفزيون، ثم الفيديو، والإنترنت. واليوم، باتت الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي ومنصات الاتصال الجماهيري، كلها مذنبة. ربما كان إلقاء اللوم على تويتر وبلاكبيري مسنجر خلال أعمال شغب لندن عام 2011 هو فاتحة هذه الموجة. فالجذور الاجتماعية والسياسية العميقة [للشغب] كانت أصعب وأشد تعقيدًا من أن يغطيها الإعلام، كما أنها لم تتناسب مع مجرى السردية، إذ لا يمكن اختزالها في مقطع صوتي يبث في نشرة أخبار على مدار 24 ساعة. السردية «الرسمية» رسمت صورة عملاء سذّج فردانيين، متأثرين أو مهيمن عليهم من قبل قوى خارجية شائنة، ذات وعي سياسي مخدَّر ومقموع ومتلاعب به، يدافع عنه أصحاب النفوذ الحاليين.

وجهة النظر هذه التي ترى مستخدمي الأجهزة مخدَّرين تم احتواؤهم لم تغب عن الكتابات والشروحات الأكثر جدية أيضًا. يقيم جارون لانيير، مؤلف كتاب «أنت لست جهازًا» (2011)، الحجة ضد الأجهزة. فنحن، بالنسبة له، محتَجزون ومُحتوون فيها، لأنها تتسم بـ«الانغلاق». إذ أُدخلت في برمجياتها قيود ومحددات لا يمكن تغييرها، تحصر مستخدميها بشدة، أو حتى تحظرهم. رغم أن هذا الكتاب يعكس بعد النظر، إلا أنه لا يرى أي غموض. إذ تخلق هذه الحجة علاقة عمياء وغير مبررة إلى حد كبير بين «الغوغاء» و«الجماعة»، دون الالتفات للأشكال الأقل بروزًا من التضامن والخيال والوعي الجمعييْن. تكمن مشكلة هذا النقد في أنه يستهل بفكرة أننا وحدات أولية -في هذه الحالة، وحدات اقتصادية- وأن الأزمة تمخضت عن أشياء مثل الثقافة المفتوحة، وعجز رأس المال عن إنجاح استثماره في إعادة إنتاج قوة العمل. الحل الذي يقدمه لانيير هو نظام للدفع المصغر لكل الأنشطة عبر الإنترنت، وهو نظام قريب من شركة Task Rabbit، لكن على نطاق أوسع. ومع ذلك، يشير هذا إلى وجود «انغلاق» نيوليبرالي أوسع.

التفاعلات المكثفة والمدروسة لعشرات الآلاف من الناس يمكن أن تخلق (..) أشكالًا جديدة من الوعي الذاتي من خلال حلقات التواصل والاعتراف المتبادل.

ينطبق الشيء نفسه على الانتقادات السياسية الأكثر وضوحًا. فمثلًا، يجادل إيفيني موروزف في كتابه «وهم الشبكة» بأن الشبكات ووسائل التواصل الاجتماعي هي كيانات للمراقبة والسيطرة السياسية تتخلى فيها الجماعات الناشطة عن طيب خاطر عن أعضائها واستراتيجياتها وتكتيكاتها، بعيدًا عن الرأي القائل إن هذه الكيانات هي قوى تحررية وفرصة سياسية (وهي وجهة نظر شاعت بعد الربيع العربي). ادّعاء موروزوف مقبول، لكنه يستخف بحقيقة أن خلق قضية مشتركة ينبع من جانب أشد جوهرية وعمقًا في الكينونة الجمعية، ولا يمكن لمجموعة معينة من أصحاب السلطة توظيفه ببساطة.

هذه المداخلات ليست خاطئة في حد ذاتها، فهي قيمة وضرورية، لكنها أحادية الجانب وغير جدلية. إنها لا تأخذ في الحسبان الوضع برمته أو، بتعبير المنظر الثقافي العظيم ريموند ويليامز، لا ترى «طريقة الحياة بأكملها».

المداخلات النقدية للأجهزة التي أجدها أشد إقناعًا هي تلك التي تُستمد من السياق الكامل للأجهزة. يسأل فرانكو بيراردي مثلًا كيف أن أجهزتنا المتصلة تنبع من ضرورات الرأسمالية، داعمةً ثقافة العمل المحفوف بالمخاطر، التي يحتاج فيها العمال إلى أن يكونوا مستعدين دائمًا لتلبية النداء، وحيث يتم تسليع كل جانب من جوانب الحياة الاجتماعية والاتجار بها، وحيث نجد «أنفسنا في العمل». هذا ليس بسبب التكنولوجيا، بل لأن التكنولوجيا تمكّن وتكثف منطق ورغبة هذا الشكل الوحشي من الرأسمالية.

ومع ذلك، حتى في هذه الانتقادات التكنولوجية والاجتماعية الأوسع نطاقًا، هناك شيء مفقود. بوصفها شكلًا من الوعي يسيطر عليه عملاء التسويق، يمكن للمنصات والخوارزميات تخدير شرائح كاملة من المجتمع وتحويلها لضحية. لذا، فإن التفاعلات المكثفة والمدروسة لعشرات الآلاف من الناس يمكن أن تخلق منظورًا مختلفًا، إذ يمكنها أن تعيد انتباهنا إلى أنفسنا وتخلق أشكالًا جديدة من الوعي الذاتي من خلال حلقات التواصل والاعتراف المتبادل. بذلك، ننتج نوعًا مختلفًا من قوة الإرادة. هذا هو ما أسميه «الوعي بالأجهزة» (Gadget Consciousness).

يمكن تشكيل التعاونيات باستخدام الأجهزة، لغايات تشاركية معينة، وهناك أمثلة عديدة ومتزايدة باستمرار على هذا النوع من التعاون. فقد استخدمت حركة #MeToo إحدى خصائص تويتر لحشد العديد من التجارب وتحويلها من لحظات معزولة من المعاناة إلى لحظة وعي جماعي مرئية، وأصبح هذا أساسًا لمزيد من العمل والتضامن. يمكننا أن نرى هذا حاضرًا اليوم في مجموعات مثل «تمرد ضد الانقراض» (Extinction Rebellion) ونداء الإضراب من أجل المناخ. نتج عن ذلك خروج آلاف الأطفال من المدارس في 15 شباط 2019 (16 عامًا بعد أول وأضخم الاحتجاجات المنظمة [في لندن] ضد حرب العراق عام 2003) للاحتجاج على فشل الحكومات في التصدي بجدية للتغير المناخي. وقد بدأت هذه الحركة باعتصام السويدية غريتا توونبرج، ذات الـ15 عامًا، خارج مبنى البرلمان السويدي، وبنشر نداء بليغ وقوي للعمل، عبر وسائل التواصل الاجتماعي. عبر هاشتاج #schoolstrike4climate، أصبح انتشار الوعي والإرادة الجمعية مصدر أمل مثيرًا ومبهرًا، حيث يرد الأطفال الضربة ويقاومون السرديات التي تكتب عنهم بوصفهم ضحايا للتكنولوجيا. الهدف من ذلك هو ألا نركز الانتباه على قصص الرعب، أو نحاول الوصول إلى معنى الأجهزة في إطار أخلاقي واحد بسيط، بل أن نعترف بالحقيقة الأعمق المتمثلة في أن الأجهزة باتت متداخلة مع عالمنا، وهي موجودة لتبقى.

نحن بحاجة إلى فهم الطريقة المثلى للتجمع معًا من خلال أجهزتنا، وكيف يمكننا تشكيل السياق الاقتصادي والاجتماعي لمزيد من التطور، وما إذا كنا نفعل ذلك بعقلية الوحدات الاقتصادية المنعزلة والخائفة، أم عبر الاهتمام المتبادل والوعي الجماعي. إن الخوف من هذا الوعي والتمسك بتلك العقلية هما ما يقف وراء جزء كبير من المواقف المعبر عنها في الصحافة الشعبية وغيرها. فعندما تكره «الديلي ميل» و«الصن» شيئًا ما، علينا أن نتوقع أن نجد قيمة وقوة فيه.