تقنيات تتبع الوباء والحق في الخصوصية

الخميس 30 نيسان 2020
تطبيق TraceTogether للتتبع في سنغافورة ضمن إجراءات السيطرة على كوفيد-19. تصوير كاثرين لاي. أ ف ب

إن كنت في كوريا الجنوبية، قد تصلك رسالة تحذيرية على هاتفك من وزارة الصحة الكورية تقول: «إصابة رجل في الثالثة والأربعين بفيروس كورونا، يسكن في مقاطعة ونو، أثناء حضوره ورشة عن التحرش الجنسي في مقاطعة مابو». تتبع هذه الرسالة سلسلة من الرسائل تُفصِّل المطاعم والمتاجر التي زارها الرجل وخطوط المواصلات التي ركبها في الأربعة عشر يومًا السابقة لإصابته. تتبع وزارة الصحة الكورية، بحسب خطة المسح الوبائي التي تنشرها على موقعها، تحركات المصابين الجُدد عبر التاريخ الشرائي لبطاقاتهم الائتمانية والأماكن التي ظهروا بها على كاميرات المراقبة وبيانات موقع هاتفهم، وتقوم «بمشاركتها بشفافية مع العامة لتجنب إصابات إضافية وإعانة الناس على معرفة إن خالطوا هؤلاء الأشخاص».

اختلف طيف التقنيات والبيانات الضخمة التي جمعتها وحللتها حكومات العالم لتتبع فيروس كورونا بحسب سياقها السياسي ومنظومتها التشريعية التي تحدد استخدامات الشركات والحكومات للبيانات الشخصية. بشكل عام يمكن تصنيف التقنيات التي استخدمتها الدول لتتبع الوباء بحسب الهدف المرجو منها إلى تقنيات تعريف المصابين ومخالطيهم، تقنيات مراقبة مدى التزام المصابين ومخالطيهم بالحجر الصحي وقواعد التباعد الاجتماعي وتقنيات تحديد بؤر الوباء والتنبؤ بها. 

خلقت تقنيات تتبع الوباء جدلًا كبيرًا في الأوساط الحقوقية حول المرونة التي يجب إبداؤها في الحق في خصوصية البيانات الشخصية في التقصي الوبائي، وحول طبيعة البيانات الفعالة في تقصي الانتشار. بدأ هذا الجدل حول تقنيات التتبع في الدول التي تفشى فيها الفيروس أولًا، مثل الصين وكوريا الجنوبية وسنغافورة، وانتقل اليوم إلى الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي التي تبحث حكوماتها عن حلول تقنية لتتبع المصابين. نعرض في هذا التقرير التقنيات التي استخدمتها دول العالم في التقصي الوبائي سواء في مرحلة حصر الوباء أو رفع الحظر، والنقاش الحقوقي الذي رافقها عن  المعايير الأخلاقية في استخدام البيانات الضخمة، وترك قرار فرض الحجر أو العزل على الأفراد لتقنيات الذكاء الاصطناعي. ويشتبك هذا النقاش مع سؤال فاعلية استخدام البيانات الضخمة مقابل الخسائر الحقوقية التي سوف تفرضها هذه التقنيات مُستقبلًا.

تعريف المُصابين ومُخالطيهم ومراقبة الالتزام بالحجر الصحي

يعتمد تحديد المصابين على نتائج الفحوص المخبرية الإيجابية لفيروس كورونا والماسحات الحرارية التي وضعتها السلطات في الأماكن العامة والمطارات لتمييز الأفراد ممن يحملون أعراضًا ظاهرة. عملية تحديد المُخالطين أو تصنيفهم بحسب احتمالية إصابتهم ليست بهذه المباشرة وتتراوح ما بين إجراء موظفي الصحة مُقابلات مع المصابين أو توظيف تقنيات لتتبعهم. وظّفت الصين أكثر الأنظمة تعقيدًا لتحديد المخالطين عبر خوارزميات ذكاء اصطناعي تعتمد على مجموعة من البيانات الشخصية. اعتمدت السلطات الصينية في تتبع الفيروس على تطبيق «علي بيي» (AliPay)، المحفظة الالكترونية التي استبدلت في 2015 النقود والبطاقة الائتمانية كنظام دفع سواء في المتاجر الضخمة أو حتى للتبرع لمشرد على حافة الطريق. ترتبط هذه التطبيقات بحساب البنك أو بطاقة الفيزا، ويصبح عليك فقط أن تمسح بكاميرا هاتفك رمزًا إلكترونيًا مربعًا (QR code) على ملصق بجانب نقاط البيع ليأخذك هاتفك إلى صفحة تحدد بها المبلغ الذي ستدفعه.

طلبت حكومة إقليم هانغتشو المحلية منتصف شباط من شركة «آنت فاينانشال» -المالكة الجديدة للتطبيق- أن تُدرج نموذجًا في علي بيي يُسجل من خلاله سكان الإقليم معلوماتهم الشخصية ويحدد لكل منهم لونًا لـ«كود الصحة» الإلكتروني من ثلاثة ألوان: أخضر؛ يسمح لك بالتحرك دون قيود ودخول المجمعات العامة والمولات، أصفر؛ يطلب منك أن تخضع نفسك للعزل لمدة سبعة أيام لاشتباه مخالطتك لمُصاب، أو أحمر، يعني أن تعزل نفسك لأربعة عشر يومًا. تحدد خوارزميات الذكاء الاصطناعي اللون بحسب بيانات المواقع التي ترسلها ملايين الهواتف المُسجلة بالتطبيق، ومدى مخالطتك لأشخاص وجد لاحقًا أنهم يحملون المرض، إلى جانب الأعراض التي صرّحتَ بها عند التسجيل. يعطى مثلًا اللون الأصفر والأحمر إن وجدت الخوارزمية أنك خالطت أحد المصابين، أو مررت على بؤرة للفيروس. بدأ العمل بهذا النظام في إقليم هانغتشو وانتشر لاحقًا في مئتي مدينة أخرى في الصين. وبحسب تحقيق أجرته صحيفة النيويورك تايمز، فإن التطبيق يرسل عند الانتهاء من التسجيل به ملفًا لخادم مركزي (server) في مديرية الأمن العام الصينية يتضمن البيانات الشخصية وبيانات الموقع.

تتبعت كوريا الجنوبية المخالطين عبر مقابلات المصابين وسجلات هواتفهم وتاريخ حركاتهم المالية التي زودتها بها شركات الاتصالات والبنوك. وأجبرت المصابين على تحميل تطبيق على هواتفهم النقالة لتحديث تطور أعراضهم والتأكد من التزامهم بالحجر. أما اليوم، تبحث حكومة كوريا الجنوبية عن خيار مراقبة التزام المصابين عبر إلباسهم السوار الإلكتروني المستخدم في تطبيق الحجر المنزلي القضائي، والذي لاقى اعتراضًا من مفوض حقوق الإنسان الكوري. 

في تايوان، رافق تفشي الفيروس موسم احتفالات السنة القمرية الجديدة الذي يقضي فيه الملايين إجازتهم بين الصين وتايوان. لم تُعنَ تايوان بفحص جميع القادمين من الصين، بل بتحديد الأكثر عُرضة وتأثرًا بالمرض عبر ربط قاعدة بيانات الهجرة مع قاعدة بيانات التأمين الصحي الوطني الشامل. حددت خوارزميات الذكاء الصناعي صفات الأفراد القادمين الذين وجب فحصهم، مثلًا إذا كان عمرك فوق الستين عامًا وقدمت من ووهان وتعاني من أمراض القلب أو السُكري، ستضطر للوقوف على خط الفحص الطبي في المطار. 

أمّا سنغافورة، فجعلت تحميل تطبيق تتبع المصابين والمخالطين طوعيًا يقدم من خلاله المصاب بياناته الشخصية بما فيها رقم هاتفه ورقمه الوطني. في دولة الاحتلال الإسرائيلي، أعلن بنيامين نتنياهو عن حالة طوارئ منحت جهاز الأمن المركزي الإسرائيلي، الشين بيت، صلاحية تتبع مواقع المصابين دون إذن محكمة وإلزامهم في بيوتهم. 

لا تزال حكومات الدول الأوروبية تدرس التقنية المناسبة لتتبع الفيروس بما يتوافق مع اللائحة العامة لحماية البيانات (GDRP). تشترط اللائحة موافقة الأفراد قبل استخدام بيانات تفصيلية عن حياتهم الخاصة. في الحالات الطارئة مثل انتشار وباء، تسمح اللائحة للحكومات الوصول إلى بيانات الأفراد الصحية دون موافقتهم لأهداف دراسة المرض، أو استخدام بيانات مُجمعة عن تحركات السُكان، لكن بعد تجهيلها، أي بعد إزالة معلومات مُعرفة لهويات أصحابها مثل أسمائهم وأرقامهم. هكذا تمكنت ألمانيا وإيطاليا والنمسا أن تطلب من شركات الاتصالات تزويدها ببيانات مُجمعة عن مواقع هواتف السكان، ليتمكنوا من تحديد الأماكن التي لا تزال حيوية في المدن، ومدى التزام السكان بالمباعدة الاجتماعية. 

أما في الولايات المتحدة، فلجأ مركز الوقاية من الأمراض لشركات الإعلانات للوصول لبيانات الموقع الجغرافي لملايين الأمريكيين، فعادة ما يمنح المستخدمون تطبيقات مثل موقع الطقس إذن الحصول على بيانات الموقع (GPS)، التي تحدد موقع الهاتف في محيط خمسة أمتار. استخدمت هذه البيانات لإعداد خريطة لـ500 مدينة أمريكية توضح مدى استجابة السكان لقواعد التباعد الاجتماعي وتأثيرها على انتقال الفيروس. 

نشر المعلومات العامة عن أماكن الوباء واحتمالية الإصابة

كان أحد أسباب تأخر كوريا الجنوبية في احتواء فيروس ميرس عام 2014 حجب الحكومة للبيانات المهمة عن تنقل المصابين وأعداد الوفيات. أدى هذا التأخر لسن قانون «مكافحة الأمراض المعدية والوقاية منها» بعد سنة على انتهاء وباء ميرس. بالإضافة لرفع جاهزية الفحص والعزل بالمستشفيات، يشترط هذا القانون على السلطات الصحية نشر وتزويد المواطنين بمعلومات تفيدهم للوقاية من الأمراض المعدية. «من باب الشفافية» وتنبيه الأفراد باحتمالية إصابتهم، نشرت هيئة الوبائيات الكورية بيانات تفصيلية عن المصابين الجدد، لا تتضمن أسماءهم، لكن معلومات عن عمرهم، نوعهم الاجتماعي والأماكن التي ارتادوها في الأربعة عشر يومًا السابقة لإصابتهم. وصف مفوض حقوق الإنسان الكوري هذه البيانات بـ«المفرطة» بحسب بيان صادر عنه، وطالب بالاكتفاء بنشر معلومات عامة عن الأوقات والأماكن التي ارتادها المصابون دون تاريخ تحركاتهم، نظرًا لكشف هذه البيانات عن هوياتهم وتعريضهم للتنمر والشعور بوصمة المرض. بحسب البيان، أدى نشر بيانات الأفراد الذين تظهر عليهم الأعراض إلى عزوفهم عن الفحص، خوفًا من تعرضهم للوصم مستندًا إلى دراسة قامت بها دائرة الصحة العامة في جامعة سول الوطنية.

بشكل عام، اعتبرت الحكومات معلومات المصابين والأماكن التي أصيبوا بها ضمن نطاق البيانات العامة بمستويات مختلفة. نشرت الحكومة السنغافورية قاعدة بيانات عامة تضمنت أسماء المطاعم والمدارس والأماكن التي ظهر بها الفيروس، ومعلومات عن أوائل الحالات ودرجة قرابتهم بمصابين آخرين. أما الصين، فلم تعطل شبكة مواصلاتها كاملة، بل عطلت فقط المواصلات من وإلى ثلاث مدن في مقاطعة هوبي، أحدها العاصمة ووهان. ولرفع الوعي نشرت الحكومة بيانات عامة عن مدى انتشار الفيروس في المواصلات العامة بالتعاون مع الشركات الخاصة. شاركت الحكومة الصينية مع شركة «كيهو 360» للحلول أمنية قاعدة بيانات حاملي الفيروس، وقاعدة بيانات الركاب، حتى توفر خريطة لركاب القطارات ليتمكنوا عبرها من معرفة ما إذا كان أي من حاملي الفيروس قد استقل مقطورتهم خلال الأسبوعين السابقين لرحلتهم.

في دول أوروبية كإسبانيا وفرنسا وإيطاليا، تنشر الهيئات الخاصة بمكافحة الوباء تقارير يومية لبيانات توزيع حالات المصابين حسب خصائصهم الديموغرافية مثل العمر، الجندر، المُقاطعة ومدى تأزُم حالتهم. وجب على هذه البيانات أن تكون مجمعة، إذ تمنع اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR) نشر أي معلومات شخصية تعرف بهويات الأفراد أو تقود إليها كأماكن تحركهم. 

الحق في الخصوصية في زمن الأوبئة

منذ تفشي الوباء، طلبت 23 حكومة حول العالم بيانات موقع هواتف السُكان من شركات الاتصالات، ولجأت أربعة عشر دولة أخرى إلى تطوير تطبيقات تتبع الفيروس عبر GPS، سواء لحصر المرض أو للتفكير برفع الحظر تدريجيًا، بحسب تقرير أعدته منظمة الخصوصية الدولية.

نالت تقنيات تتبع الفيروس في الصين القسط الأكبر من اهتمام بعض المؤسسات الحقوقية، إذ وصفتها  الهيومان رايتس ووتش  بـ«القمع الآلي». جاءت أكثر الانتقادات في سياق استخدام السلطات الصينية ذات التقنيات لتبع معارضيها وخاصة مسلمي الإيغور، وعدم وضوح الخوارزميات المسؤولة عن تحديد كود الصحة الذي يسمح أو يمنع الأفراد من الدخول إلى الأماكن العامة. امتدت الانتقادات حول مخاوف اختراق خصوصية المواطنين لتطال تقنيات تتبع كوريا الجنوبية وسنغافورة ودولة الاحتلال الإسرائيلي.

على الحكومات ألّا تستغل تتبع الوباء للدخول في حقبة جديدة من الرقابة الشاملة.

بحسب بيان وقعته أكثر من مئة مؤسسة حقوقية ومدنية، منها منظمة الخصوصية الدولية ومنظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش؛ على الحكومات ألّا تستغل تتبع الوباء للدخول في حقبة جديدة من الرقابة الشاملة. حثت هذه المؤسسات الحكومات على الالتزام بثمانية معايير عند استخدام التكنولوجيا في مكافحة الوباء، منها أن تكون عملية جمع البيانات قانونية ومتناسبة مع هدف تتبع الوباء، وأن يكون هناك دليل واضح على فاعلية هذه البيانات في مكافحة الوباء، وأن ينتهي الجمع والمعالجة بانتهاء الهدف، وأن تضع ضمانات واضحة لحماية حقوق الأقليات. 

هل يمكن تتبع الفيروس دون تتبع تحركات الأفراد؟ 

اليوم تنشغل دول الاتحاد الأوروبي في نقاش محتدم حول تطوير تقنية تتبع موحدة بين دولها الثمانية والعشرين لرفع الحظر التدريجي والسماح للأفراد بالتنقل بين حدودها مع حفظ خصوصيتهم. اشتبك النقاش مع سؤالين: كيف يمكن تصميم تطبيق يوفر ضمانات بنيوية لخصوصية الأفراد وتحقق الهدف المرجو من تتبع الوباء؟ وما البيانات التي يمكن أن تشكل معيارًا دقيقًا لتتبع تقارب الأفراد من بعضهم البعض واحتمالية مُخالطتهم للمصابين؟ 

في أول نيسان أعلنت ألمانيا أنها تعمل على تطوير تقنية تتبع تتبناها جميع حكومات الاتحاد الأوروبي. في معهد هينريتش هيرتز الألماني لبحوث الذكاء الاصطناعي، اجتمع فريق مكون من 150 خبيرًا لتطوير مشروع سُمي بـ«تطبيق تتبع المقاربة الحافظ للخصوصية والعابر لأوروبا» أو PEPP-PT. بالنسبة لفريق المطورين تعتمد هذه التقنية على مبدأ أساسي: ليس من المهم أن تعرف هوية من خالطت وتفاصيل تحُركاته، بل أن تعرف أنك خالطت مُصابًا بغض النظر عن هويته لفترة تعرضك للإصابة. يشبه هذا التطبيق ما تبنته الحكومة السنغافورية، إلا أنه لا يُعرف السلطات بهوية أصحابه. 

قرر هؤلاء الخُبراء، من ضمنهم ممثلين عن مفوضية حماية البيانات الألمانية، التخلي عن بيانات موقع الهاتف (GPS) لتتبع المكان الجغرافي المحدد، والاعتماد على البلوتوث لقياس تقارب الأشخاص من بعضهم البعض. تتواصل الهواتف عبر البلوتوث إذا كانت على بُعد متر ونصف، مما يجعل البلوتوث مؤشرًا أدق لقياس المخالطة من الـGPS. يمسح التطبيق عبر البلوتوث الهواتف الموجودة حوله باستمرار، فإذا بقي أحدها بقرب الجهاز مدة 15 دقيقة، يُنتج التطبيق هوية مُميزة للهاتفين (لا للأشخاص) تُخزن على كلا الهاتفين. إن أصيب أحد أصحاب الهاتفين، وتطوع بالتبليغ عبر التطبيق، يُرسل التطبيق الهوية المُميزة للهاتف المصاب إلى قاعدة بيانات مركزية تنفذ إليها السلطات الصحية، تقوم بتنبيه أصحاب جميع الهواتف التي كانت على مقربة من هاتف الشخص المصاب بأنهم خالطوا مُصابًا وعليهم عزل أنفسهم، دون الكشف عن هوية المُصاب.  

بالرغم من ترويج مشروع PEPP-PT كبديل يحفظ خصوصية وهويات الأفراد، إلآ أن تسجيل الهويات، وإن كانت مُجهلة، على قاعدة بيانات مركزية تنفذ إليها السلطات اعتبرت ثغرة بنيوية في تصميم التطبيق. نشر أكاديميون وباحثون انشق بعضهم عن فريق PEPP-PT، وثيقة فصلت ثغرات التطبيق وأصرت اعتماد تصميم غير مركزي يسجل الهويات على أجهزة أصحابها ويحدد هويات المخالطين ويتواصل معهم مباشرة. فحتى وأن كانت البيانات مُجهلة على القاعدة المركزية، توضح الوثيقة الثغرات التي يمكن للسلطات استغلالها لكشف هوية المصابين. بناءً على هذه الوثيقة بدأ فريق سويسري بتطوير تطبيق مفتوح المصدر يُشبه PEPP-PT بالاعتماد على البلوتوث كمعيار للتقارب، لكن اختلف عنه بلامركزية تصميمه التي تسجل البيانات على أجهزة أصحابها فقط، سميت هذه التقنية بـDP-3T. أما الانتقاد الآخر لـPEPP-PT فكان حاجة الأفراد لإزالة القفل عن أجهزتهم وتركها مفتوحة حتى تستمر خاصية البلوتوث في العمل.

بالتوازي مع الانقسام الذي شهدته الأوساط الحقوقية بين التصميم المركزي وغير المركزي لتقنية التتبع، أعلنت شركتي آبل وجوجل تحديث خاصية البلوتوث في أنظمة تشغيلهما حتى توائم متطلبات تطبيقات تتبع الفيروس المعتمدة على بلوتوث. ابتداءً من منتصف أيار، ستتمكن الأجهزة من تشغيل البلوتوث في خلفية النظام دون الحاجة لإزالة قفل الجهاز وتعريضه لتلصص الآخرين أو إنهاك بطاريته. لم يكن التحديث من صالح مشروع PEPP-PT نظرًا لأنه سيمنع الحكومات من تنبي أي تطبيق تتبع يُرسل بيانات إلى قاعدة مركزية. رفضت الشركتان طلبين من PEPP-PT ودائرة الصحة البريطانية بتعديل التحديث ليوائم التطبيقات التي ترسل البيانات مركزيًا. 

«سيفقد الأفراد ثقتهم في أي منظومة تتبع تحفظ البيانات مركزيًا، حتى وان كانت مُجهلة»، حسم البرلمان الأوروبي الجدل في منتصف نيسان في قرار يمنع حكومات الاتحاد من استخدام تطبيق يحفظ البيانات مركزيًا. أرسل ذات الرسالة أكاديميو دائرة الصحة الوطنية البريطانية، طالبين منها التخلي عن تبني تطبيق مركزي قد يكون حجة لمنظومة رقابة و«ممارسات قمعية» على مواطنيها. في السادس والعشرين من نيسان تراجعت الحكومة الألمانية عن تبني التصميم المركزي لتطبيق PEPP-PT ووجهت العاملين على المشروع لملائمته مع تقنية DP-3T التي يتوافق تصميمها مع شروط آبل وجوجل.

كيف تحسم المُقاربة: البلوتوث أم الـGPS؟ 

وفق منظمة الصحة العالمية فإن انتشار الفيروس يحصل بين الأشخاص الذين يتقاربون لمسافة أقل من متر عبر رذاذ عطاسهم. يمكن للفيروس أن ينتقل عبر لمس الأسطح أو في الأماكن المزدحمة المغلقة. شككت بحوث درست تقنيات تتبع مرض الإيبولا بأساس فاعلية بيانات الموقع الجغرافي في تتبع المرض ودقتها في تعريف المُخالطين، خاصة بمرض ينتقل عبر حبيبات الرذاذ. لا يمكن توفير بيانات دقيقة عن تقارب الأشخاص من بعضهم البعض عبر بيانات موقع أبراج الاتصالات، نظرًا لتراوح محيط المساحة التي تغطيها أبراج الاتصالات بين 50 إلى 100 متر. قد تمنح بيانات الموقع (GPS) التي تحصل عليها تطبيقات التتبع عبر الهاتف دقة أكبر بمحيط خمسة أمتار إن تواجد الشخص في أماكن خارجية، لكن الـGPS لن يخبرك عن مدى تقارب الأفراد في مكان داخلي متعدد الطوابق. 

وجه الانتقاد ذاته لمُعسكر التطبيقات التي ستعتمد على تقنية البلوتوث لقياس التقارب بدلًا من الموقع الجغرافي. تختلف المساحة التي تغطيها تقنية البلوتوث بحسب الهواتف الذكية؛ فعلى سبيل المثال تغطي معظم أجهزة شركة سامسونغ مساحة عشرة أمتار. قد يكون محيط المساحة التي تغطيها تقنية البلوتوث أصغر من GPS إلا أنها قد تعطي تنبيهات كاذبة عن التقارب نظرًا لتمكنها من اختراق الجدار. فإذا أصيب جارك الذي يسكن فوقك أو بجانبك، قد يعطيك التطبيق تنبيهًا كاذبًا عن احتمالية مخالطتك له حتى وإن لم ترَهُ بحسب تصريح كاسبر روسمان، أستاذ علوم الكمبيوتر في جامعة أكسفورد لمجلة وايرد. أما النسخة المتطورة من البلوتوث 5.1 التي تحدد اتجاه الهواتف بقربها فتتوفر في قلة قليلة من الهواتف الذكية.

لا تزال مسألة فعالية التطبيقات التي تعتمد على التحميل والتحديث الطوعي للبيانات غير محسومة.

فضلًا عن ذلك، لا تزال مسألة فعالية التطبيقات التي تعتمد على التحميل والتحديث الطوعي للبيانات غير محسومة، ففي غياب ما يجبر المواطنين على تحميل هذه التطبيقات والإبلاغ عن أعراضهم أو إصاباتهم أو مخالطتهم، تظل دقة تتبع الانتشار محدودة. 

لن تنتظر حكومات العالم عام إلى حين إنتاج لقاح ناجع واسع الانتشار حتى ترفع حظر التجول الذي أنهك اقتصادها. لذا فهي تبحث اليوم عن وسيلة تمكنها من استرجاع الحياة الطبيعية تدريجيًا مع تجنب مباغتة انتشار الفيروس لذروة تنهك القطاع الصحي. تتسارع اليوم تطورات تقنية التتبع المثالية، ومعها يتسارع النقاش حول فاعليتها أو مدى حفظها لخصوصية الأُفراد. إلا أن تحديث جوجل وآبل على أنظمة تشغيلهما حسم على الأقل شرط لامركزية تصميم أنظمة التتبع المعتمدة على البلوتوث. نظرًا لكون تقنية DP-3T  اللامركزية مفتوحة المصدر، فقد أعلنت دول مثل سويسرا وألمانيا والنمسا وإستونيا وألمانيا تبنيها.

بشكل عام، ليس التتبع إلا أحد عناصر تسطيح المنحنى الثلاثة، إلى جانب العزل والفحص، بحسب تيودروس أدهانوم، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية. بالإضافة إلى تطبيق نظام تتبع معقد للمخالطين، طورت كوريا الجنوبية آلية فحص مبتكرة، وسعت من جاهزية مختبراتها، اقتصدت في استخدام الأقنعة وعزلت المشتبه بإصابتهم والمصابين بأمراض طفيفة في مناطق عزل محددة أو في بيوتهم عوضًا عن المستشفيات حتى لا تنهكها.