كلنا «سايبورغات»: كيف يمكن أن تصبح الآلة أداة نسوية

الخميس 02 أيار 2019

لعل أول ما يخطر ببالنا عندما نسمع كلمة «سايبورغ» هو مظهر تداخل الآلة مع الجسد البشري، أو ربما تطرأ في مخيلتنا صورة فرانكشتاين أو ربما صورة الرائد ميرا كيليان من أنيمي «Ghost in the shell». فالسايبورغ هجينٌ من الآلة والكائن الحي، وقد ارتبط المصطلح باسم العالم والمخترع والموسيقي مانفرد كلاينس، الذي استخدمه في مقالته المنشورة عام 1960 بعنوان «السايبورغ والفضاء»، والتي يتحدث فيها عن تعديل الجسد البشري ليلائم السفر إلى الفضاء.

لذا، قد نراه مفهومًا مرتبطًا بالمستقبل وبعيد عنا الآن، ولكن دونا هاراوي، عالمة البيولوجيا والنسوية الأميركية، تجادل بعكس ذلك، فهي ترى أننا جميعًا سايبورغات في وقتنا الحالي، والأهم من ذلك أنها تعتقد أن مفهوم السايبورغ قد يساعد في بناء عالم يتخطى حدود الفروقات الجندرية، وهو ما طرحته في مقالتها المنشورة عام 1985 بعنوان «بيان السايبورغ».

ولكن كيف يساعد مفهوم السايبورغ في فهم العالم على أساس ما بعد جندري؟ وكيف له أن يكون أداةً للنساء لتجاوز الأدوار المفروضة عليهن مجتمعيًا؟

السايبورغ والطبيعة البشرية

لطالما كان السؤال عن الطبيعة البشرية شغلًا أساسيًا لأي تيار فلسفي، ومنطلقًا لأية أيديولوجيا. فالإجابة عن سؤال «ماذا يعني أن تكون إنسانًا؟» هي إجابة تحدد الكثير من اتجاهات هذا التيار أو الأيديولوجيا. وقد اعتمدت المجتمعات الأبوية على مفاهيم جوهرية في تفسير طبيعة الإنسان لتبرير سلطتها على المرأة، بالادعاء بأن لكل جنس دورًا خاصًا فيه، فيكون الأنثوي خاضعًا للذكوري أو ثانويًا له، وتُفرض قيم محددة وأنماط سلوك تقيد كلا الجنسين.

في «بيان السايبورغ»، تدرس هاراوي تاريخ علاقة الإنسان بالآلة، قائلةً إن هناك ثلاثة حواجز تحطمت خلال التاريخ البشري، وغيرت تعريف ما يعتبر ثقافيًا وما يعتبر طبيعيًا. الحاجز الأول كان بين الإنسان والحيوان، وهذا ما حصل في القرن التاسع عشر، إذ أدى نشر كتاب «أصل الأنواع» لتشارلز داروين إلى نفي تميز الإنسان وسموه، مع اكتشاف صلته بيولوجيًا بجميع الكائنات الحية، ليشكل تطور الكائن الحي لغزًا أساسيًا لفهم معنى الوجود الإنساني.

أما الحاجز الثاني فيخص العلاقة بين الآلة والكائن الحي (سواء كان إنسانًا أم حيوانًا)، إذ أن الثورة الصناعية ودخول الآلة إلى كافة جوانب حياة الإنسان واعتماده عليها جعلها تصبح جزءًا منه وامتدادًا لقدراته.

أما الحاجز الثالث فهو يخص تطور الآلة وتلاشي الحدود بين ما هو مرئي وغير مرئي، وهذا يتمثل بالتطور التكنولوجي ورقاقات السيليكون المتواجدة في جميع مجالات الحياة. هذه التكنولوجيا صغيرة جدًا ومتواجدة في كل مكان حولنا وهي عمليًا غير مرئية، بالتالي أصبح من الصعب تحديد أين تنتهي الآلة وأين يبدأ الإنسان. هذه الآلة تمثل الثقافة الداخلة على الطبيعة والممتزجة معها، وبهذا تكون الحدود بين الثقافي والطبيعي قد أضحت غير ملموسة.

في هذا السياق تستخدم هاراوي السايبورغ كنموذجٍ لتقدم فيه رؤيتها إلى عالم يتخطى الفروقات الجنسية، معبرًة عن رفضها للتعريفات الأبوية. فلأن السايبورغ هجين من الآلة والكائن الحي معًا، فهو يدمج الطبيعة والثقافة في جسد واحد، فينفي بذلك الحدود بينهما، ويلغي التفسيرات الجوهرية لطبيعة الإنسان، ومن بينها تلك القائلة بوجود أدوار اجتماعية محددة للجنسين تابعة للفروقات البيولوجية بينهما، فضلًا عن فروقات العمر أو العرق.

أنت سايبورغ!

منذ بداية ممارسة الإنسان للزراعة واستخدام الأدوات لزيادة الإنتاج، وظهور اللغة وأدوات الكتابة، تمكن الإنسان من مضاعفة قدراته وتوسيع إمكانياته. واليوم، أصبح زرع الأعضاء الاصطناعية أساسيًا في مجال الطب، أما الهاتف النقال كمثال، فيمثل امتدادًا للذاكرة وللحواس وللوظائف العقلية أيضًا، بالإضافة إلى الـ(GPS) وشبكات الاتصالات التي تتيح خاصية الحضور عن بعد، والتواجد خارج أطر الزمان والمكان. كل مظاهر التكنولوجيا هذه هي امتداد لوجود الإنسان وزيادة لقدراته المعرفية والإدراكية.

وعلى هذا الأساس، فإن السايبورغ حاضر هنا والآن. في مقابلة معها على مجلة «Wired»، تقول إن كونك سايبورغ لا يعني بالضرورة أن تملك رقاقة السيليكون تحت جلدك، أو أجزاءً آلية تضاف إلى جسدك، بل يعني اكتساب الجسد ميزات ربما لم يكن ليستطيع أن يطورها وحده، كتمديد معدل الحياة. بل أن حالة السايبورغ حاضرة في أشكال أبسط من ذلك، كالمحافظة على اللياقة البدنية والذهاب إلى النادي الرياضي واستخدام الآلات لبناء الجسد المرغوب، وتناول أطعمة خاصة ببناء الأجسام، بالإضافة ارتداء ملابس وأحذية رياضية خاصة بكل رياضة. كل هذا لم يكن ليوجد دون التفكير بالجسد كآلة عالية الأداء.

من جهة أخرى، فالسايبورغ «مخلوق من الواقع الاجتماعي ومن الخيال أيضًا»، بحسب بيان هاراوي. إذ وفرت شبكات الإنترنت القدرة على إحداث تغييرات في الوعي البشري ونفسية الإنسان، فالواقع الافتراضي لا يحيط بنا فحسب، بل يشركنا فيه. والجانب الاجتماعي للتكنولوجيا يساهم في بناء هويتنا، سواء كان عن طريق الألعاب على الشبكة، أو منتديات المناقشة في شبكة الإنترنت، أو على مواقع التواصل الاجتماعي التي تعددت الهويات فيها بتعدد منصاتها.

وهكذا يمكن القول إننا جميعًا سايبورغات، لأن التكنولوجيا «ليست حيادية. نحن بداخل ما صنعنا، وهو بداخلنا»، كما تقول هاراوي. وفي الحياة المعاصرة أصبحت العلاقة التي تجمع التكنولوجيا والإنسان وثيقة للغاية لدرجة أننا لا نعرف أين ننتهي وتبدأ الآلات.

السايبورغ والنسوية

إن قضايا النسوية تكمن في قلب مفهوم السايبورغ، كونه ينفي التناقضات الكبرى بين الثقافة والطبيعة، فلا يعود من الممكن توصيف دور ما على أنه طبيعي. فعندما يستخدم الناس في المحادثات كلمة طبيعي لوصف شيء ما هم يعبرون عما هو العالم وكيف يجب أن يكون، وعن أن هذا لا يمكن تغييره.

في هذا السياق، يخلخل السايبورغ الحدود بين الجنسين. فلأجيال عدة، قيل للنساء إنهن «طبيعتهن» تجعلهن ضعيفات، خاضعات، مبالغات في العاطفة، وغير قادرات على التفكير المجرد. وإن طبيعتهن تكمن في أن يكنَّ أمهات وزوجات فحسب. إذا كانت كل هذه الأشياء «طبيعية»، فهن غير قادرات على التغير، كما تقول هاراوي.

ولكن بالمقابل، إذا كان مفهوم «البشري» نفسه غير «طبيعي»، بل مبنيًا اجتماعيًا، فإن مفهومي «المرأة» و«الرجل» مبنيان اجتماعيًا كذلك، ولا شيء «طبيعي» أو حتمي فيهما. فنحن كلنا مبنيّون عندما نعطى الأدوات المناسبة. باختصار، سمح السايبورغ بتمييز جديد للأدوار لا يعتمد على أساس الجنس أو العرق، لأنه أتاح الحرية للإنسان أن يبني نفسه من جميع الجوانب.

لذا، تدعو هاراوي من خلال مفهوم السايبورغ إلى نسوية جديدة، تأخذ بالتغييرات الجذرية التي تُلحقها التكنولوجيا بأجسادنا، لترفض الثنائيات التي تمثل القانون العام لفهم الأشياء ضمن النظام الأبوي؛ ثنائيات مثل الجسد/النفس، المادة/الروح، العاطفة/العقل، الطبيعي/الاصطناعي، الذكر/الأنثى، الأنا /الآخر، الطبيعة/الثقافة. فالتكنولوجيا ببساطة هي إحدى الوسائل التي بفضلها تمَّحي الحدود بين الهويات. كما أن السايبورغ، فضلًا عن كونه هجينًا، هو متجاوز للثنائية الجنسية، بالتالي يمكن أن يشكل طريقةً للخروج من الثنائيات التي نصنف من خلالها أجسادنا وأدواتنا، وهو بذلك «يؤدي إلى الانفتاح ويشجع على التعددية واللاتحديد».

إن فكرة هاراوي قائمة على الإدراك الفعلي لما تتيحه التكنولوجيا من زيادة للقدرات، وبالتالي إتاحة الفرص لبناء الفرد نفسه خارج أطر التنميط. وعلى الرغم من أنها تصف «بيان السايبورغ» على أنه ميثولوجيا سياسية ساخرة من المجتمع الأبوي، ولكنها تهدف من خلاله إلى التمهيد لبناء مجتمع نؤسِّس فيه علاقاتنا، لا على أساس التشابه، بل على أساس التوافق والانسجام.