الطباعة ثلاثية الأبعاد في الأردن وتعطيل المستقبل

الإثنين 09 أيار 2016
3d-printing

بقلم أكرم الحمود

لم ننسَ بعد جناية الدولة العثمانية علينا بحظرها الطباعة لمدة تقارب الـ250 عام لأسباب تبدو لنا الآن غاية في البؤس، بذريعة الخوف على القرآن من التحريف. ولم يعرف العرب الطابعات إلا مع حملة نابليون على مصر التي أحضر معه فيها أول طابعة وطأت أرضًا ناطقة بالعربية. ولعل هذا كان من أهم أسباب التأخر الكارثي في مجال العلوم والمعرفة الذي استمر لمدة تقارب الـ320 في نفس الوقت الذي كانت تدخل أوروبا فيه نهضتها الصناعية الثانية.

قبل ما يقارب السنة، اتصل بي أحد الأصدقاء عارضًا عليّ فكرة إنشاء شركة مختصة بتصميم وصناعة الطابعات ثلاثية الأبعاد في الأردن. بدت الفكرة وقتها بوابةً تستطيع أن تخرجني من دنيا الموظف إلى عالم أصحاب العمل. وفعلًا، أمضينا ما يقارب أربعة شهور في جهود مضنية لتعلم ما نحتاجه للخروج بطابعة ثلاثية الأبعاد تعمل على أتم وجه. كانت مهمتي في تصميم جسم الطابعة ونظام نقل الحركة الميكانيكي داخلها. وقبل بدء الشتاء الماضي كنا قد نجحنا في مهمتنا، كما بدا لنا وقتها. كان بين أيدينا نموذج تجاري أولي لطابعة ثلاثية الأبعاد تعمل جيدًا. لكن نجاحنا هذا لم يدم طويلًا، إذ تحول إلى تجربة مريرة حوّلت حماسنا إلى إحباط.

لكن بداية، ما هي الطباعة ثلاثية الأبعاد؟

عرّف مجلس مدينة فيلالفيا الأمريكية الطابعة ثلاثية الأبعاد على أنها «آلة مُقادة بالحاسوب، قادرة على إنتاج مجسمات ثلاثية الأبعاد من نموذج رقمي»*. ولزيادة الفهم، فالطباعة ثلاثية الأبعاد عملية صناعية «إضافية» تقوم خلالها الطابعة بإنتاج مجسم عن طريق إضافة مادة خام، طبقةً تلو أخرى، في فضاء ثلاثي الأبعاد من خلال عدة من الطرق، يقوم فيها الحاسوب بنقل إحداثيات المجسم من العالم الافتراضي إلى عالم الواقع. ونقصد بكون هذه العملية «إضافية» أنها ليست كطرق النمذجة الصناعية التقليدية التي يقوم خلالها الصانع بـ«نحت» قطعته من مادة خام أكبر حجمًا.

تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد ليست جديدة بالمطلق، فأول طلب براءة اختراع لطابعة ثلاثية الأبعاد قدمه هايديو كوداما في اليابان في أيار 1980. توالت بعدها براءات الاختراع في هذا المجال خلال فترة الثمانينات والتسعينات. إلا أن الكلفة العالية جدًا ومحدودية قدرة الحاسبات في تلك الفترة أخّرتا انتشار هذه التقنية إلا بين الأوساط القادرة على تحمل الكلفة والمعرفة اللازمة، مثل وكالة الفضاء الأمريكية ناسا التي استثمرت مبكرًا في هذا المجال. في عام 2014، أرسلت ناسا بريدًا إلكترونيًا يحتوي على نموذج لمفتاح ربط إلى محطة الفضاء الدولية، حيث «طبع» رواد الفضاء مفتاح الربط هذا باستخدام طابعتهم المخصصة للعمل في ظروف انعدام الجاذبية. الآن، ومع تطور تقنيات التحكم وهبوط أسعار القطع الإلكترونية اللازمة، أصبح بالإمكان شراء طابعة ثلاثية الأبعاد بأقل من 500 دولار.

لا يكاد أي مجال تقني يخلو من تطبيق يمكن استخدام تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد فيه. فمن تصميم النماذج الأولية للمنتجات المعدّة للاستخدام البشري، إلى الأطراف الصناعية رخيصة التكلفة، إلى تطبيقات الهندسة المعمارية وتطبيقات الصناعات الكيميائية. قد يكون أحد أكثر التطبيقات ألقًا هو دمج تقنية الخلايا الجذعية مع الطباعة ثلاثية الأبعاد لتخليق أعضاء بشرية بديلة ستغير من وجه عملية نقل وزراعة الأعضاء إلى الأبد.

إذن، أين تكمن المشكلة؟

في عام 2013، نشر أحد طلبة القانون في ولاية تكساس الأمريكية مخططات لسلاح ناري «مطبوع» بإمكانه إطلاق رصاصة واحدة. ثارت ثائرة الأجهزة الأمنية حول العالم مذّاك، إذ سادت المخاوف من انتشار هذا السلاح الذي يمكن تهريبه عبر كواشف المعادن المنتشرة في البوابات الأمنية عبر العالم. وإلى اليوم، لم تكن مهمة أهل القانون سهلة في صياغة نصوص تقونن استخدام الطابعات ثلاثية الأبعاد في صناعة السلاح. إلا أن مجلس مدينة فيلادلفيا مرر في خريف عام 2013 قانونًا يحظر استخدام الطابعات ثلاثية الأبعاد في صناعة الاسلحة النارية1.

عودةً إلى تجربتي غير اللطيفة بالمرّة، وصلتنا أخبار أن دائرة الجمارك والأجهزة الأمنية صادرت وحجزت طابعات مستوردة من الخارج تعود لإحدى الشركات الزميلة الناشئة في عمان بحجة المخاوف الأمنية. في ذلك الوقت كنا قد انتهينا من التصميم النهائي لمنتجنا التجاري، وطلبنا لوحتي تحكم إلكتروني لطابعتين لغايات العرض في نهاية أيلول 2015، كنا على أمل أننا –كمصنعين لا مستوردين- سننجو من فخ الحظر غير المعلن، لكن كنا نحضر أنفسنا نفسيًا للأسوأ. وصلت القطع إلى مطار الملكة علياء مع بداية تشرين أول، وحجز جهاز الأمن العسكري داخل المطار لوحات التحكم الإلكتروني ومنعَ تخليصها، وباءت كل محاولاتنا لتخليص القطع من الحجز بالفشل الذريع.

في تلك اللحظة أيقنتُ أن شركتنا التي لم تولد بعد أصبحت بحكم المنتهية، وأن الاستمرار بهذا «الكار» مع الحظر القائم يجعل مني سواء بسواء مع تجار السلاح في السوق السوداء، وأنا رجل عندي عائلة كما يقولون!

الفرج الحكومي: سماح بنكهة الحظر

في نهاية نيسان 2016، أعلنت وزارة الصناعة والتجارة والتموين الأردنية في بيان صحفي عن صدور تعليمات السماح باستيراد الطابعات ثلاثية الأبعاد. عند قراءة البيان الصحفي، أخطأت مجددًا باقتراف جريمة الأمل، لكن عند رؤية التعليمات أدركت أن هذا سماح بنكهة الحظر وأن الأمال فعليًا شبه منتهية لقيام نواة تقنية متخصصة أردنيًا في هذا المجال. لنطلع على بعض التعليمات الخاصة بقضيتنا، التي حوّلت المسألة من قضية تقنية إلى مسألة أمنية بحتة:

13162385_10153648066038437_744656874_n

1- الحصول على موافقة أمنية مسبقة على الاستيراد من وزارة الداخلية.

2- حصر الاستخدام بالجهات الحكومية والمستشفيات والجامعات والشخصيات الاعتبارية، أي أن البيع  للأفراد ممنوع ضمنيًا.

3- تلتزم الجهة المصرح لها باستخدام هذا النوع من الطابعات بتزويد وزارة الداخلية بأسماء الأشخاص المخولين حصرًا استخدام الطابعات، على أن تقوم وزارة الداخلية بتزويد الأجهزة الأمنية بهذه الأسماء.

4- ضرورة قيام الأشخاص الذين بحوزتهم هذا النوع من الطابعات مراجعة اقرب مركز أمني وحسب الاختصاص لتوثيق كافة البيانات المتعلقة بها واسم مستخدمها لتزويد وزارة الداخلية بإحصائية بهذه الطابعات وأسماء حائزيها.

5- تلتزم الجهة الاعتبارية المصرح لها باستخدام الطابعة ثلاثية الأبعاد بتركيب كاميرات مراقبة في موقع الاستخدام والاحتفاظ بسجلات التصوير لمدة ثلاثة أشهر.

6- تلتزم كافة الجهات المصرح لها باستخدام الطابعات ثلاثية الأبعاد بتحديث قائمة مستخدمي هذه الطابعات شريطة الحصول على موافقة وزارة الداخلية المسبقة على قائمة التحديث وبشكل دوري.

7- كل من يخالف أيًا من أسس وشروط إدخال واستخدام الطابعات الثلاثية الأبعاد يحال للحاكم الإداري المختص لاتخاذ الإجراءات الإدارية اللازمة بحقه.

أعتقد أن أغلبنا ما زال يذكر الحظر الذي تم فرضه على طابعات الليزر الملونة، وأجهزة الـGPS، ومناظير التلسكوب والقائمة تطول. الآن أغلب الأجهزة الذكية تحتوى خدمة الـGPS، وطابعات الليزر الملونة تباع بشكل اعتيادي. بكل بساطة، لا أحد يستطيع وقف قطار التقنية مهما حاول. كل ما يفعلونه الآن هو تعطيلنا وتضييع سنوات ثمينة من عمرنا انتظارًا.

الأردن بشبابه هو الخاسر الوحيد أمام أي عرقلة لطريق السائرين في ركب التقنية، فبدلًا من تشجيع قطاع يعتمد بشكل كبير على تقنية المصدر المفتوح المتوفرة للجميع عبر الإنترنت، تُغرس الفكرة الكاذبة أن هنالك استخدامًا رئيسيًا مهيمنًا للطابعات ثلاثية الأبعاد وهو صناعة السلاح. هذا بدلًا من أن ننظر لهذه التقنية كنافذة للقطاع الصناعي المتعثر أصلًا، وكحل سهل ورخيص للمستفيدين منه مثل الأطفال الذين يحتاجون أطرافًا صناعية جديدة مكلفة كل فترة وأخرى بسبب نموهم المستمر، وكفرصة لشباب طموح يأمل أن يخلق قصة نجاح في شرق مضنى بالدم والقهر.

القاعدة هي أن لا جريمة إلا بقانون، هذا أولًا. أما ثانيًا، فإن المعالجة القانونية للطباعة ثلاثية الأبعاد حول العالم لم تتطرق أبدًا إلى الطباعة نفسها بل ركزت على قانونية المنتج المصنع عبر هذه التقنية، من ناحية سلامة الاستخدام وحفظ حقوق الملكية والعشرات من القضايا الأخرى التي أغفلتها الدولة الأردنية بالمطلق، وركزت بطريقة فجة على استخدام ثانوي قد يشكل حقًا مشكلة يجب التعامل معها بكل حزم، ولكن بطريقة أخرى، لا بالحظر. ثم هل انتهت مشاكل السلاح الحقيقي في الأردن لنركز فقط على إمكانية صنعه بالطباعة ثلاثية الأبعاد؟!

ختامًا، مقارنة كريهة

إذا كنا نريد معالجة المسألة من مقاربة أمنية، فسأذكر -مضطرًا- تجربة الكيان الصهيوني في الاستثمار في تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد. فبالرغم مما تعتبره دولة الكيان مخاطر أمنية وعسكرية، إلا أن ذلك لم يمنعها من أن تطلق على نفسها لقب «أمة الشركات الناشئة». الشاهد على ذلك هو أن شركة ستراتاسيس (Stratasys) الأمريكية-الإسرائيلية كانت من أوائل الشركات المستثمرة في تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد وهي الآن من أكبر أصحاب الحصص السوقية في هذا المجال. ففي عام 2007، زودت ستراتاسيس 44% من احتياجات السوق في هذا المجال، وفي عام 2013 استحوذت ستراتاسيس على شركة ماركت بوت (MakerBot) الرائدة بصفقة وصلت إلى 403 مليون دولار.

عشرات الشركات الناشئة في «إسرائيل» تعمل ليلًا ونهارًا لأخذ حصتها في هذا السوق الريادي، وأنا لا أستطيع أن أشتري سلكًا بلاستيكيًا طوله متر من المادة الخام، دون أن أمر على نصف دزينة من الأجهزة الأمنية وعشرات التواقيع.

أفرجوا عن عقولنا!

City of Philadelphia council, BILL NO. 130584. September 12, 2013