نشر البنية التحتية للإنترنت: حلول أقل تكلفة

الأحد 10 كانون الثاني 2016
internet-wires

خلال الورشة التحضيرية للمنتدى العربي لحوكمة الإنترنت، ناقشت مجموعة من التقنيين والنشطاء العديد من المواضيع التي لها أثر مباشر على علاقة القطاعات الحكومية والخاصة والمجتمع المدني بشبكة الإنترنت. وخرج المجتمعون بمجموعة من التوصيات المعمول بها عالميًا، والتي تركز على تقديم حلول للنفاذ إلى الشبكة، وزيادة عدد المستخدمين المتصلين بشبكة الإنترنت.

تشير الإحصاءات إلى أن شبكة الإنترنت تصل إلى 52.2% من سكان الشرق الأوسط، البالغ عددهم 236 مليون. ويشير الخبراء إلى أن هذه النسبة يمكن لها أن تكون مرتفعةً أكثر، ويحول دون هذا ضعف البنية التحتية في المنطقة، والتي تقلل من قدرة الأشخاص على النفاذ إلى شبكة الإنترنت، كما تُصعب من عمل شركات الإتصالات التي تقوم كل واحدة منها بحفر وإعداد البُنية التحتية الخاصة بها، وهو الأمر الذي سيكلف مبالغ أكبر من التكلفة المفترضة لحل يرضي الجميع؛ من شركات إتصالات أو مستخدمين عاديين.

نقدم هنا بعض الحلول التي أثبتت جودتها في حل مشكلة ضخمة كمشكلة النفاذ إلى الإنترنت:

الشبكات المُتداخلة «Mesh Networks»

MeshNetwork


تُعد الشبكات المتداخلة من أكثر أنواع الشبكات متانة وفعالية من حيث الأداء، إذ ترتبط كل نقطة مع جميع النقاط الأخرى الموجود في تلك الشبكة. الاتصال المباشر بين نقاط الشبكات (nodes) بدون وجود وسيط تُنقل البيانات عبره يُسرّع من عملية النقل، بل وإن متانة الشبكة تزداد، حيث أن انفصال إحدى النقاط عن الشبكة لن يؤثر على باقي النقاط المتصلة بها.

في الماضي عندما كانت الشبكات تعتمد بشكل رئيسي على الاتصال السلكي كان بناء هذا النوع من الشبكات مكلفًا جدًا، وبناءها يحتاج إلى وقت زمني طويل ينفق في التحقق من تمديدات الأسلاك وإعداد الشبكة لتصبح جاهزة للإستخدام، بل وكان الحيز المكاني لتمديد مثل هذا النوع من الشبكات كبيرًا جدًا، وإضافة الأجهزة أو إزالتها في هذه الشبكة يعد أمرًا صعبًا ومزعجًا في أغلب الأحيان.

اليوم بعد انتشار الشبكات اللاسلكية وتطورها، أمكن التفكير في هذا النوع من الشبكات كحل حقيقي لمشكلة النفاذ، حيث ترتبط هذه الشبكات لاسلكيًا ببعضها البعض فتقل تكلفة بناء هذه الشبكة سلكيًا. وتستخدم الشبكة المتداخلة نوعًا خاصًا من «الموجهّات» routers كنقاط بث لإشارات الراديو، وترتبط مع الموجهات الأخرى لتكوّن شبكة أكبر بحجم المنطقة التي يغطيها ذلك الموّجه.

ولهذه الشبكة العديد من التطبيقات التي تُثبت حاجتنا إليها، ففي عام 2001 قامت شركة Metricom’s Richochet الأمريكية باستخدام هذا النوع من الشبكات في واحد من أوائل التطبيقات التجارية لها، حيث بدأت كشبكة من الحساسات اللاسلكية التي تقوم بقراءة عدادات مواقف السيارات، وبعد ذلك تطورت هذه الشبكة وأصبحت تُستخدم كنقاط نفاذ للإنترنت. وفي الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2012  قام «مارك بلوم» صاحب الثلاثة عشر ربيعًا، والذي كان قد تعلم مبادئ البرمجة بنفسه، بتأسيس شبكة متداخلة، والشبكة التي أُطلق عليها اسم NYC Mesh أصبحت شبكة محلية وتوسعت تدريجيا بإضافة المزيد من نقاط الربط لتغطية مسافة أكبر.

وحتى شهر حزيران من عام 2014 كانت هذه الشبكة تحتوي على 10 نقاط رئيسية تكلفة كل منها 99$ والنقطة الواحدة قادرة على تغطية ميل كامل في اتجاه واحد، و25 نقطة عامة «public nodes» تكلفة النُقطة الواحدة 22$ تبث إشارة بجميع الاتجاهات بمسافة 200 متر. تُستخدم نقاط الوصل الرئيسية ، والتي تستمد طاقتها من خلال خلايا شمسية، لإيصال الشبكة إلى أبعد نقطة ممكنة، كوصل أحياء ببعضها البعض، أما بالنسبة للنقاط العامة فإنها تُستخدم لتوفير الاتصال بالشبكة بالمنطقة المحيطة بهذه النقطة.

حاول أصحاب هذه الشبكة التفكير بنمط بقاء الإنترنت، والتركيز أيضًا على الجانب الاقتصادي للشبكة حيث أن هذه الشبكة قد تصبح وسيلة سريعة لوصول المعلنين إلى السكان المحليين، وهذا سيزيد من قيمة هذه الشبكة واهتمام الناس بها، وحتى تشجيع الناس على بناء شبكاتهم الخاصة لربط مُدنهم لحل مشاكل نفاذ الإنترنت.

مع أن إيجابيات هذه الشبكة كثيرة، إلا أنها لا تختلف عن الشبكات الأخرى في المخاطر التي قد تواجهها، فعندما يرتبط الجهاز بأكثر من جهاز آخر بنفس الوقت، فإن هذا يعني أن النقاط التي يمكن أن تعرض الجهاز للقرصنة أكثر، وأحيانًا قد يلجأ المخرب إلى تعطيل الموجهات الرئيسية في الشبكة مما سيؤثر على بقية النقاط في الشبكة. كما أن الشبكات المتداخلة أكثر عرضة لهجمات إنكار الخدمة أو ما يسمى بـ Distributed Denial of Service  DDoS. هذا النوع من الهجمات تقوم به مجموعة من المخربين عبر إرسال كميات هائلة من البيانات الخبيثة لإيقاف خدمة أو جهاز على الشبكة. في الشبكات المتداخلة يستطيع المخرّبون الوصول إلى مجموعة أكبر من الأجهزة من خلال النقاط العامة أو الموجّهات المستخدمة. ولكن هذه المخاطر موجودة في العديد من أنواع الشبكات الأخرى، وهناك وسائل وقاية يتّبعها من يقوم ببناء هذه الشبكة لضمان عدم السماح للمخربين بدخولها والعبث بالأجهزة المتصلة بها.

الشبكات المتداخلة اللاسلكية هي حل فعّال في بناء شبكات متينة، عالية الكفاءة، بتكلفة منخفضة مقارنة مع تكاليف تمديد شبكة الإنترنت التي تحتاج إلى بنية تحتية ثقيلة، وهي حل فعّال ليس فقط لزيادة أعداد مستخدمي الشبكة، بل وأيضًا لزيادة كفاءة الشبكة وتقليل فرص انقطاعها في بعض الأحيان، وهي وسيلة جيدة لتوفير الإنترنت في أماكن يصعب عمل تمديدات الإنترنت فيها.

المساحات البيضاء «Whitespaces»

WiFi-vs-TVWS

تُعرف مساحات الترددات البيضاء بالمساحات غير المستخدمة ولكن المخصصة لفصل البث التلفزيوني لمختلف قنوات التلفاز. تختلف ترددات هذه المساحات من منطقة لأخرى ولكنها عادة ما تقع بين 470-790 ميغاهيرتز. تشبه هذه المساحات، الترددات التي تستخدمها شبكات الجيل الرابع 4G، ويمكن لأجهزة الخلوي والحواسيب النقالة تعريفها والوصول إليها من خلال محطات طاقة ثابتة.

إن إستغلال هذه المساحات في إيصال شبكة الإنترنت إلى المناطق النائية أمر فعّال جدًا، ويزيد من كفائتها ويقلل أيضًا من تكلفة بناء البنية التحتية وتجهيزها، حيث أن الشبكة تعمل كشبكة «WIFI» بعيدة المدى، تسهل عملية ربط الأجهزة بها وتُعطي قدرة أكبر للمزودين بالتحكم بالخدمات التي توفر عبرها.

كما تستخدم هذه المساحات لتحسين جودة الخدمات المقدمة من مزودي الإنترنت، من خلال تخفيف الضغط على شبكتي 3G/4G خاصة في الأماكن التي تحتوي على كثافة سكانية عالية، حيث أن ازدياد الطلب على هذه الخدمات يزيد من الضغط على الشبكة وبالتالي تخفيض كفاءة الشبكة وفعاليتها.

في الفترة بين تشرين الأول من عام 2014 وتشرين الثاني من عام 2015، قامت شركة جوجل بالتعاون مع حديقة لندن العلمية للحيوان، بتجربة استخدام المساحات البيضاء. هذه التجربة كانت ناجحة في إيصال شبكة الإنترنت إلى المناطق البعيدة في المحمّية وتغطية مسافات كبيرة منها، حيث وضعت مجموعة من الكاميرات في المحمية، وركّبت أجهزة الراديو الخاصة ببث الإشارات في المساحات البيضاء،  لتتمكن قناة المحمية من بث فيديوهات لأكثر من ربع مليون شخص حول العالم. هذه التجربة أثبتت أن استغلال المساحات البيضاء له أهمية وتطبيقات ستساهم في تغيير مفاهيم اتصال الإنسان بشبكة الإنترنت.

كما أن المساحات البيضاء قد تكون من أفضل الحلول للتعامل مع تحديات الاتصال في الكوارث. في 2013 ضرب إعصار «هايان» دولة الفيلبين، الأمر الذي  أدى لخسائر كبيرة؛ حيث لقي أكثر من 6000 حتفهم، وتشرّد أربعة ملايين شخص. وقتها قامت شركة مايكروسوفت باستخدام المساحات البيضاء لتوفير الإنترنت للمنطقة، الأمر الذي ساهم في إنقاذ المئات من الناس، وتوفير أكثر من 75 ألف ساعة اتصال عبر Skype، وتوفير اتصالات مباشرة بين أكثر من 5000 عامل إنقاذ، وهنا تظهر قدرة هذه الشبكات على العمل في الظروف الصعبة من الحروب والكوارث الطبيعيّة. وفي عام 2013 استخدمت هذه التكنولوجيا لتوفير الإنترنت في مواصلات النقل الخاصة بجامعة غرب فيرجينيا «WVU»، التي تُستخدم يوميًا من قِبل 15 ألف طالب.

تقوم حاليًا العديد من الدول الساعية إلى جعل مدنها مدنًا ذكيّة باستخدام المساحات البيضاء، نظرًا لحاجة هذه المدن إلى ربط أجهزة أكبر إلى شبكة واحدة، وخاصة بعد بدء ظهور صناعة «إنترنت الأشياء»، والتي تحتاج إلى اتصال عالٍ وفعّال مع شبكة الإنترنت.

هذه الحلول يمكن لها أن تزيد من عدد مستخدمي الإنترنت في المنطقة وفي العالم، وستمكن البشر من النفاذ إلى الإنترنت بكل ما يعنيه هذا الكلام من نفاذ إلى الأسواق العالمية، وتمكينهم من الاستفادة من الكم الهائل من المعلومات الذي تتيحه شبكة الإنترنت. فضلًا عن أن هذه الحلول توفر خدمة إنترنت سريعة، وبتكلفة منخفضة.