بلاك ميرور: عندما تُحقق التكنولوجيا أسوأ كوابيسنا

الإثنين 16 أيار 2016
black mirror

يتحسس الزوج قطعة إلكترونية وراء أذنه ليرجع إلى تسجيل تلك اللحظة التي دخل بها إلى حفل عشاء في منزل صديقه بعد عودته من السفر. يبحث الزوج الشكّاك عن أي دليل في شريط ذاكرته المسجلة على شريحة عقله، ليؤكد ظنونه بخيانة زوجته، فيقف على مقطع دخوله إلى المنزل ويتفحص تفاصيل مشهد وقفة زوجته ولغتها الجسدية مع ذلك الرجل قبل أن تتنبه إلى وجوده في قاعة الطعام.

هكذا يستشرف بلاك ميرور (Black Mirror) المستقبل. يتنبأ المسلسل البريطاني بأثر التكنولوجيا وتقنيات الاتصال والتوثيق الرقمي على علاقاتنا الإنسانية وانطباعاتنا عن الحقيقة ومفاهيم العقاب والثواب وسلطة الفرد والدولة. قدمت كل واحدة من الحلقات السبع سيناريو مختلفًا، راسمةً صورة غاية في البؤس عن حياة عصرية توفر أدوات يُفترض أنها صنعت لتيّسر على الإنسان حياته، لكنها تفعل العكس؛ عدسات رقمية توثق كل لحظة من حياتك كفيلم مستمر، خدمات تبعث روح من فقدناهم، أو تقطع التواصل مع الأشخاص على أرض الواقع.

طلب فريق حبر من مجموعة من المهتمين والتقنيين والصحفيين الذين كان لهذه الحلقات وقع كبير عليهم تقديم مراجعة للأفكار التي ترد في تلك الحلقات. كل منهم اختار مراجعة حلقة في محاولة للإجابة على الأسئلة التي يطرحها المسلسل، وانطباعاتهم حول الواقعية في المسلسل، دون إفساد متعة مشاهدة الحلقات التي تتواجد جميعها على الإنترنت. اضغط/ي على اسم الحلقة لقراءة المراجعة ومشاهدة الحلقة.

  • The national Anthem – ريم المصري

    «هذا الإنترنت اللعين»، قال رئيس الوزراء البريطاني عندما طلب من طاقمه إخفاء فيديو الأميرة المخطوفة. في الفيديو كانت الأميرة المنهارة تقرأ بيانًا من خاطفها لشرط تسريحها: أن يمارس رئيس الوزراء الجنس مع خنزير مباشرة على جميع قنوات التلفاز والساتلايت في بريطانيا في تمام الساعة الرابعة من نفس اليوم، أو يتم قتلها. ارتسمت على وجهه علامات الراحة عندما عرف أن وسائل الإعلام التزمت بقرار الحكومة منع النشر، ولكن ما أقلقه هو أن تلك المعلومة كانت من أكثر المواضيع تداولًا على تويتر ويوتيوب. يستهجن رئيس الوزراء غباء طاقمه لعدم تفكيرهم بفكرة إزالة الفيديو من موقع يوتيوب، ولكن يحاججه طاقمه بأرقام تثبت أن فيديو بهذا الجدلية له دورة حياة أزلية في اللحظة الذي يخرج بها الى العالم الرقمي. فحتى عندما أنزل طاقمه الفيديو الأصلي من اليوتيوب، والذي تم تحميله من عنوان مشفر لا يمكن معرفة مكانه، انتشر الفيديو مثل الفيروس على آلاف الحسابات الأخرى.

    أصبح الفيديو واقعًا يجب التعامل معه، فوسط صمت من الإعلام البريطاني ورئاسة الوزراء، كان من أكثر المواضيع أولوية على الإنترنت. وفي اللحظة التي قررت وكالة أمريكية نشر خبر الفيديو لم تستطع وسائل الإعلام البريطانية ورئاسة الوزراء الاستمرار في الانفصال عن الواقع.

    تشعر في هذه الحلقة بشفقة على رئيس الوزراء تتوافق مع شفقة الشعب البريطاني عليه، لكن في الوقت نفسه، تشعر برغبة وترقّب «مرضيين» لمشاهدة سياسي في وضع مهين أمام عامة الشعب. قد تكون هذه الرغبة نابعة من التعطش لأي مشاعر حقيقية لسياسي أمام الكاميرا وحتى إن كانت ناتجة عن إهانة.

    في ظل هذا الترقب الشعبي لفيديو الرئيس، تتساءل عن تغيير معنى الإثارة البصرية على التلفاز ومعايير المحتوى الذي قد يولّد تفاعلا يشد الشعوب. فسهولة الوصول إلى المواد الرقمية التي توثق المعاناة الإنسانية أو حتى المحتوى الإباحي تغير معايير ما يتم اعتباره «مثيرًا» بصريًا. فنرى مثلا أنه بعد ثلاث سنوات من انتشار صور وفيديوهات دموية لجرائم جيش النظام السوري وداعش، كانت فيديوهات داعش القاطعة للرؤوس هي أكثر الفيديوهات التي ضجت بها مساحات الإعلام المجتمعي لمناقشة مفاهيم «الإرهاب» و«الوحشية». فكانت فيديوهات قطع الرؤوس وليس المجازر والدمار الناتج عن القنابل مثلًا، هي ما حركت الوعي الشعبي لما هو «غير مقبول»، ولكن بنفس الوقت «مثير». فعلى الرغم من أنه لم يكن يمكن استحمال هذه المقاطع إنسانيًا، كانت من أكثر الفيديوهات تناقلًا، بنفس الطريقة التي تحركت بها كل أعين الشعب البريطاني ترقبًا لفيديو ممارسة رئيس الوزراء الجنس مع خنزير.

    قد لا تكون الفكرة من المسلسل تقديم براهين تقنية لإثبات مستقبل التكنولوجيا التي يتم مراجعتها، إلا أن هذه الحلقة كانت من أكثر الحلقات واقعية تكنولوجية، ويمكنها أن تحدث في هذا الزمن.

  • Fifteen Million Merits – سوار مسنات

    في هذه الحلقة أرى عالمًا بين المألوف والغريب تمّ بناؤه من خلال إعادة تنظيم وتضخيم علاقة الفضاء الملموس بالفضاء الافتراضي. «بينغ»، وهو الشخصيّة الرئيسيّة في هذه الحلقة، يعمل على درّاجة توفّر الطاقة بينما يتقاضى أجره بعملة افتراضيّة تدعى «ميريتس» (استحقاقات). معظم التفاعلات الاجتماعيّة وطرق التعبير عن الذات في هذا العالم نُقلت إلى الفضاء الافتراضي الذي حصر وحدد الحكم الذاتي المتاح لـ«بينغ» وباقي الشخصيّات في تلقي مواد وسلع الفضاء الافتراضي. استمتعت بالتأليف البصري الذي يدمج ما بين الصورة «الحقيقية» والصورة الافتراضيّة. استجابتي العاطفيّة والذهنيّة لهندسة المكان في هذا العالم تتغيّر خلال زمن المشاهدة، وتكاد خلفيّة المشهد تصبح شخصيّة أتجاوب معها كما مع باقي الشخصيّات، فبعد أن تتلاشى بدعة العالم الغريب يقارب تجاوبي مع المكان تفاعل وتصادم «بينغ» مع محيطه.

    العالم الذي تعيش فيه الشخصيات تعتمد نظم تكوين وعزل الطبقات الاجتماعيّة فيه على الغنى الافتراضي المرتبط بالمظهر والقدرة الجسديّة. وبالرغم من اختلاف بعض من هندسته عن عالمنا يشوّشني ويريبني عالم هذه الحلقة الذي يكشف ترسّخ قيم مألوفة تستغّل الأجساد وتقصي وتتحكّم بكلّ من لا يقارب معايير ممنهجة للإنتاج. عالم الحلقة يحول نحو محو فضاء ثالث ما زال متاحًا في العالم الحقيقي وهو فضاء تعبيري شخصيّ واجتماعي، فكريّ وفنّي، ما بين الملموس والافتراضيّ، يمثّل مساحة احتمالية التواصل الانساني وحريّة الاختيار وبالتالي يمثّل أيضًا مساحة إمكانيّة التغيير ومقاومة المعايير والنظم السائدة.

  • The Entire History of You – ريم المصري

    هذه الحلقة من أكثر الحلقات التي دفعتني للتفكير. تركتني أتساءل عن رغبتي بالتوثيق الرقمي لمواقف حياتنا وحياة من حولنا تمامًا كما رأتها أعيننا وليس كما شعرنا بها؟ ربما ليس لدينا رقاقة تخزن الذاكرة في المخ الآن، ولكن أشعر بأننا لسنا بعيدين عن ذلك الزمن، خصوصًا أننا محاطون بأدوات نوثق بها طوعًا حياتنا الشخصية مثل الفيسبوك والواتساب، ومحاطون بتقنيات تعمل بشغف لقنص تفاصيل اهتماماتنا وعلاقاتنا لتجعل منها سلعة. كل وسائل التوثيق هذه سهلت الرجوع إلى المواقف التي لا نرغب بتذكر تفاصيلها أحيانا.

    أذكر هجوم مستخدمي فيسبوك على الشركة عندما قررت أن تقحم فيديو يجمع ذكرياتك في العام السابق على الموقع في بداية سنة ٢٠١٥ لأنها أيقظت مشاعر حاول أصحابها نسيانها.

    ما يخيفني في التوثيق هو ضياع عنصر السياق. فالتعليق الذي أكتبه أو المشاعر التي أشاركها كلها تخضع لمعادلة واحدة تحاول تصنيفي دون اعتبار التغييرات التي تطرأ على منظورنا للواقع مع مرور الأيام. فقد أكون تحمست في تعليق على حائط الفيسبوك مثلًا على إزاحة مرسي من منصبه في لحظة عباطة تاريخية. أندم الآن على تسرعي وسطحيتي في فهم الأشياء حينها، إلا أن هذا التعليق، إن لم أقم بحذفه، سيظل يلاحقني لتصنيف وجهات نظري بغض النظر عن التغييرات في قناعاتي. أحن للزمن الذي كانت محاولتي لاسترجاع موقف تعتمد تمامًا على مدى إثارته لمشاعر معينة، لا على توثيق لحظي لها. ذلك الشيء الذي يجعلك تتذكر أسماء أشخاص في أول مقابلة لهم وتنسى أسماء آخرين. إلا أن السؤال ماذا لو كان هذا التوثيق لذكرياتك سيبرز تفاصيل صغيرة لم تكن لتنتبه لها إن لم تلتقتطها عدسة كاميرا، هذه التفاصيل قد تقلب عالمك وتغير جذريًا في الواقع كما تراه كما حصل مع الممثل في الحلقة؟ هل نريد كل الحقيقة، أو أن ما لا نعرفه لن يضرنا؟

  • Be Right Back – لميس عسّاف

    في هذه الحلقة، كما باقي حلقات بلاك ميرور، نتعرف على تطبيق تكنولوجي رائع سيساعد البشرية بلا شك، وما أن تعجبنا الفكرة حتى يكشف لنا المسلسل الجانب المظلم لهذه التكنولوجيا. لم تكن لحظات تحول القصة في هذه الحلقة بحدة مثيلاتها في باقي الحلقات، إلا أنها بالتأكيد لم تقل إثارة وتشويقًا.

    بعد وفاة شريكها آش في حادث سير، تبتعد مارثا دائمًا عن مواجهة الموقف الصعب، فتغلق الباب بوجه الشرطة قبل حتى أن تتحدث معهم، وتتجاهل الحديث مع أختها التي تعتبر صديقتها المقربة، لتتعرف بعدها على خدمة تستطيع عبرها استبدال شريكها المتوفي بروبوت سيتحدث تمامًا وكأنه هو. تبدو أحسن حالًا بعد حديثها مع هذا البديل، وربما لهذا تصرّ على متابعة العلاقة مع هذا الروبوت البارد الذي تحاول أن تقنعه أن يدّعي التنفس والنوم وهي تعلم بأن هذا لن يعيد آش المرح إلى الحياة.

    بعد معرفتي بالتكنولوجيا المطروحة في هذه الحلقة شعرت بشيء من القرف والانزعاج، كم من الممكن استغلال حزن الناس لكسب المال؟ وفي حال تواجدت خدمة كهذه، وهو الأمر الذي ليس بعيدًا، كم من الممكن أن تجني الشركات المال؟ وإلى أي حد ستذهب هذه الخدمة في استغلال حزن البشر؟ ربما ستباع المحادثات لشركات التسويق أو سيروج الروبوت لمنتجات دعائية دون وعي من الأشخاص المتعرضين للخدمة.

    للوهلة الأولى، قد نرى أنه من المستحيل أن يتحقق سيناريو كهذا لشدة غرابته، لكن بلاك ميرور ينجح في إقناعنا بإمكانيته وسهولة وجود خدمة كهذه في حياتنا. وفي المقابل، تضعنا الحلقة أمام السؤال: كيف لنا أن نعلم أن الأشخاص الذين نتواصل معهم عبر الإنترنت حقيقيون، إن كان من الممكن بكل سهولة بناء روبوت ذكي يجيب ويتقمص الشخصيات وكأنه نفس الشخص؟

  • White Bear – عز الدين الناطور

    ليس من الغريب أن تعجب بشيء ما دون أن تحبه. حلقة White Bear في سلسة «بلاك ميرور» أفضل مثال، لن تحب الطريقة التي تتلاعب فيها بمشاعرك، لكن بالتأكيد ستعجب بالمعالجة الذكية والأسئلة التي تطرحها حول مفهوم العقوبة والهوس الحديث بالتصوير وربما أشياء أخرى لم أنتبه لها أنا مع أنني شاهدتها ثلاث مرّات في ظرف يومين.

    تشاهد سيدة فاقدة الذاكرة تسيقظ يومًا ما وهي تجلس على كرسي وأمامها تلفاز عليه شعار يرسل إشارة صوتية مزعجة، تنزل السيدة من الغرفة وتحاول أن تعرف أين هي، تجد صورتها مع صورة شخص آخر لا تعرفه، وفي إطار الصورة وضعت صورة أخرى لفتاة صغيرة، تحمل تلك الصورة وتنزل إلى الشارع فتجد شخصًا مقنعًا يحمل بندقية وعلى قناعه ذات الشعار الذي كان على التلفاز، وبعد ثوانٍ يبدأ باطلاق النار عليها، وخلفها العشرات ممن يحملون هواتف ذكية ويطاردونها ويحاولون تصويرها، ثم ستجد السيدة التي ستعرف أن اسمها فيكتوريا من يساعدها في الهروب ممن يطارها وأثناء ذلك تبدأ تدريجيًا باستراجاع ذاكرتها.

    عليك أن تتمهل في إطلاق الأحكام أثناء مشاهدتك للحلقة، فالمسلّمات غير موجودة، وفي لحظة ما ستدرك أنك ستخدع لكنك لن تعرف متى وكيف، والنهاية لن تحمل لك إجابات، النهاية ستعيدك إلى نقطة البداية من جديد، وهذا ما أزعجني، رغم أنه فعل عبقري.

    أحببت الحلقة لسبب بسيط أنها تتحدث عن تساؤلات تهمّني، فلسفة العقوبة كمثال، وأحببت أكثر النقاشات التي أثارها فيديو الحلقة على موقع يوتيوب. تحاول الحلقة أن تحوّل الضحية إلى جلاد أو الأدق تحاول أن تحول «الضحية» إلى عقوبة يومية، لكنك وإن كنت تؤمن أن «العين بالعين والسن بالسن» ستجد أن مفهوم العقوبة التي تحاول الحلقة طرحها مبالغ فيها، وربما لا، لكنك على الأقل ستعيد التفكير بمفهومك للعقاب.

    كصحفي، يعمل أحيانًا مع فئات مهمشة تعمل في أوضاع نفسية صعبة ويحاول قدر الإمكان أن يحصل منهم على ما قد يساعدهم في توصيل قصصهم بما يستحقونه، أصر دائمًا على أن يكون لديّ محتوى بصري لأنني أؤمن بقوته وتأثيره على المتلقي وأهمية توثيق الأحداث، لكنني لم أفكر يومًا أن تتحول «الكاميرا» أو التصوير إلى عقاب. هل يمكن أن تكون كذلك؟ ربما، الحلقة تثير هذا السؤال بطريقة ذكية، وبصدق جعلتني أعيد التفكير بالتصوير والتوثيق بشكل عام، لأن خيطًا رفيعًا يفصل ما بين أن يخدم التصوير الإنسان أو يقتله.

  • The Waldo Moment – براء حسنية

    برأيي، تُعتبر هذه الحلقة واحدة من أفضل الأعمال التلفزيونية في رصد ومُتابعة تطورات الأساليب الإعلامية وعلاقتها المُباشرة مع السياسة، وفيها تجسيد قريب جدًا لبعض الأحداث المُشابهة التي حصلت في الواقع، لتُعرض في سياق فريد من نوعه. تتمحور أحداث الحلقة حول كوميدي يُدعى «جيمي سلاتر» والذي يبتكر شخصية تدعى «والدو» وهو عبارة عن شخصية كرتونية يقوم «جيمي» بتحريكها، وبالإضافة لتحريك الدُب يقوم جيمي بإنطاق «والدو».

    لوالدو برنامج تلفزيوني يقوم باستضافة السياسيين والشخصيات العامة، يعتقد الضيوف لوهلة أنهم في برنامج للأطفال حتى ينهال عليهم «والدو» بالشتائم والإهانات التي تتسبب في إحراجهم أمام المُشاهدين، بعد إحدى الحلقات التي يستضيف والدو فيها «ليام مونرو» وهو أحد المُرشحين في الإنتخابات، يقوم بإهانته على الهواء مباشرة، بعد الحلقة في جلسة من جلسات العصف الذهني بخصوص البرنامج تُقترح فكرة أن يُشارك «والدو» في الانتخابات كمُرشح ضد «ليام مونرو»، هذا الأمر الذي عارضه «جيمي» وبرر موقفه بأنه لا يريد أن يكون جزءًا من السياسة، ولكن هذا الأمر لم يمنع المنتج من فعل ما يريده وفعلًا قام بإشراك «والدو» كمُرشح في الإنتخابات، وتقوم حملة والدو، أساسًا، على إهانة المرشح الآخر وسبّه.

    الخوف كان انطباعي بعد مشاهدة الحلقة، الخوف من البشر الذين يمكن لهم أن يقادوا بكل سهولة، وصولًا إلى اتباعهم لشخصية كرتونية، وسماحهم لها بأن تسيّر حياتهم، وتكوّن آرائهم، كذلك الخوف من مستقبل السياسة، التي لا نرى منها اليوم سوى اللون الأسود. كيف سيكون شكل المُستقبل عندما تزداد الفجوة بين الناس وبين السياسيين؟ في نهاية المطاف، لم يستمع الناس لكلام «والدو» إلا لأنهم يكرهون السياسة والسياسيين، والذين يظهرون غالبًا على هيئة فاسدين أثرياء يرغبون في المزيد من جمع الثروات على حساب الناس.

  • White christmas – سفيان الأحمد

    تبدأ هذه الحلقة كالعادة بزجّ المشاهد في الأحداث دون تمهيد، رجلان في مطبخ منزل بارد قصي. يدخل البطلان في حوار حول الأسباب التي وضعتهم في هذا المكان. يشرح مات لبوتر عن «هوايته» أو وظيفته الليلية في توفير الدعم النفسي والتوجيه للشباب للتعرف على الفتيات، وظيفته التي يمارسها باستخدام مهارته في «التحكم بالعقول». كمثال على عمله، يسرد مات قصة مساعدته لهاري الخجول في التعرف على فتاة؛ وهي القصة التي تنتهي بشكل درامي مفاجئ، لتبلور بوضوح استحالة تفهم الطبيعية البشرية من خلال نظرة فحصية بعيدة عن التجربة المباشرة، وهي نتيجة مهمة تدور حولها أحداث الحلقة بشكل متكرر.

    يستمر مات في الفضفضة لبوتر محاولًا كسب ثقته، فيحدثه عن طبيعية عمله في تدجين العقول، ولا يقصد مات العقول الحية بل المستنسخة لزبائن يريدون خلق نسخة مطابقة لعقلهم لإدارة شؤون حياتهم. قد تكون تلك العقول غير حقيقية لكنها شبيهة جدًا بالنموذج البشري مما يجعل بوتر يعترض على أخلاقية تدجين تلك العقول. تدفعنا تلك القصة إلى التفكير أيضًا بأخلاقية تدجين عقولنا نحن في سبيل خلق بيئة مريحة لنا كما تفعل ألغوريثمات الفيسبوك والسوشيال ميديا، فتنقلب الآية من تدجين الآلة إلى تدجيننها نحن.

    في تلك اللحظة يبدأ بوتر بسرد قصته، مما يسوقنا أعمق في أغوار الطبيعة البشرية وكيف تخطئ الصواب في الكثير من الأحيان. بوتر اقترف جريمة وتسبب بأخرى، في وضع نفسي نستطيع تفهمه وضغط لا نستطيع تجاهله، لكن ما نكتشفه لاحقًا عن التحقيق معه وعقابه على تلك الجريمة يكشف لنا أن منظومة الأخلاق التقليدية بمفاهيمها عن الجريمة والعقاب تعجز عن التعامل مع معطيات تكنولوجية ليست بعيدة جدًا عن واقعنا.