في الأردن، «اللهو الخفي» يحجب أرشيف الإنترنت

الخميس 30 آذار 2017
خوادم موقع أرشيف الإنترنت

تخيلوا متحفًا للإنترنت؛ هذا هو الوصف الأقرب لموقع أرشيف الإنترنت. من العشرة ملايين كتاب التي يتيحها الموقع مجانًا، وجدنا أكثر من 127 ألف كتابٍ باللغة العربية، معظمها مخطوطات أصلية؛ كتب فقهية وتفاسير قامت بحوسبتها مكتبات في جامعات أمريكية وكندية وأتاحتها على موقع أرشيف الإنترنت. يُشبع الموقع غليل نوستالجيا تصيبنا أحيانًا لمراجعة تغطية المواقع العربية لأحداث كبيرة مثل تغطية اغتيال رفيق الحريري في 2004، أو الرغبة بالرجوع إلى منتديات اختفت وأرشيفها من وجه الإنترنت مثل منتديات أبو محجوب.  

في شهر تشرين الأول من العام الماضي، احتفلت مؤسسة أرشيف الإنترنت غير الربحية، ومعها العالم، بمضي عشرين عامًا على تأسيس موقعها الذي يهدف إلى حفظ ذاكرة الإنترنت والمواد التي وُلدت رقميًا من الاختفاء.

الوحيدون الذين لم يحتفلوا بهذه المناسبة هم مستخدمو الإنترنت في الأردن.

منذ أوائل العام 2016، ومتصفحات الإنترنت تعود للمستخدمين برسالة تفيد بعدم توفر الموقع، بعد ثوان عديدة من طباعة عنوانه (www.archive.org)، بصرف النظر عن الشركة المزودة أو نوع الاتصال.

أُتيح الموقع مرة أخرى في شباط من هذا العام حسب تصريح المسؤول في الموقع كريس بتلر لفريق حبر. في تلك الأثناء وفي فترة دامت أربعة أشهر، من أيلول 2016 وحتى كانون الثاني 2017، حاول فريق حبر تتبع الأسباب التقنية أو التشريعية التي أدت إلى غياب موقع عالمي كهذا عن المستخدم الأردني. وضعنا سيناريوهين لتفسير الظاهرة: الأول هو وجود مشاكل تقنية في ذات الموقع تُعيقنا نحن، ومستخدمي العالم، من النفاذ إليه. أما الاحتمال الثاني فهو حَجب الموقع من قِبل هيئة الإعلام، كما عودتنا، ضمن ممارسة صلاحياتها المدرجة في تعديلات قانون المطبوعات  والنشر عام 2012.

لكن سيناريو ثالث كان ينتظرنا.

كيف يمكننا إثبات حجب الموقع تقنيًا؟

حتى نبدأ البحث في الاحتمال الثاني كان علينا التحقق من عدم وجود مشاكل تقنية في الموقع نفسه (السيناريو الأول). بعد فشل محاولاتنا في الدخول إلى الموقع إلّا عبر استخدام متصفح (TOR) أو عبر استخدام شبكة خاصة افتراضية (VPN) احتجنا لدليلٍ تقنيٍ على الحجب. بالتعاون مع السيتيزن لاب والجمعية الأردنية للمصدر المفتوح، أجرينا عدة اختبارات بدأت في 17 تشرين الثاني 2016 على الشبكة باستخدام برنامج (WireShark). يسجل البرنامج  كل الإشارات الصادرة والواردة إلى الجهاز عند اتصاله بالإنترنت. أظهرت نتائج الاختبار أن الجهاز الذي يحاول الاتصال بموقع أرشيف الإنترنت لا يكمل بنجاح عملية «المصافحة الثلاثية» (TCP handshake) التي تتم عادة عند إنشاء اتصال بين أي جهازين. مما أشار بشكل واضح إلى حجب متعمّد للموقع. (لتفاصيل أكثر تقنية عن الاختبار التقني إرجع الى الملف المرفق)

توافقت نتائج الحجب مع ما صرح به كريس بتلر، المسؤول في موقع أرشيف الإنترنت لحبر: «وصلتنا تقارير من مستخدمين مختلفين أولها في شباط 2016 وثانيها في آذار من العام نفسه بعدم تمكّن المستخدمين من الدخول إلى الموقع في الأردن. حاول أصحاب الشكاوى الدخول إليه من جميع شبكات شركات الاتصالات (أمنية، زين وأورانج) إلّا أنهم لم يتمكنوا». يُكمل كريس أنه وبعد تواصل الموق مع الهيئة في كانون الأول من العام الماضي، أصبح الموقع متاحًا مرة أخرى في آخر كانون الثاني من هذا العام.

أجرينا اختبارًا ثانيًا على الشبكة عندما أُتيح الموقع مرة أخرى، وأظهرت النتائج إكمال عملية المصافحة الثلاثية (TCP handshake) بنجاح، وإمكانية إرسال واستقبال الحزم الإلكترونية بين خادم الموقع والجهاز المتصل محليًا. أكد ذلك أن الموقع كان محجوبًا وتم رفع الحجب عنه.

الموقع محجوب مركزيًا، لكن من حجبه ولماذا؟

في تشرين الثاني من 2016، أي في الوقت الذي كان الموقع ما يزال محجوبًا، توجهنا بمجموعة من الأسئلة إلى ثلاث جهات حسب الترتيب الذي تمر به عملية الحجب عادة: هيئة الإعلام تصدر قرارًا بالحجب إلى هيئة تنظيم قطاع الاتصالات التي بدورها تُرسله إلى شركات الاتصالات لتنفيذه.

نظرًا إلى أن شركات الاتصالات أعلم بشبكتها وأكثر حرصًا على تطبيق قرارات حجب المواقع لتجنب تعرضها للمسؤولية قانونية، افترضنا أنها ستكون الأقدر على تزويدنا بجواب منطقي لتفسير حجب الموقع من شبكتها. تواصلنا مع شركتي أورانج وزين في تشرين ثاني الماضي. أبدت موظفات العلاقات العامة في الشركتين حماسة للتعاون مع الإعلام. بعد أن أرسلنا أسئلتنا بشكل رسمي، توقفت «أورانج» عن الرد على محاولات حبر العديدة للوصول إلى تفسير. أما موظفة شركة «زين» فكان ردها بعد إلحاحنا المتواصل أن  «الموظف المسؤول عن الحجب في إجازة عائلية، وليس هناك من يحل محله للإجابة عن السؤال». تجاهلت الموظفة استفساري التالي: «ماذا لو جاءكم أمر بحجب موقع أثناء إجازة الموظف؟».

قد تكون أسباب تأخر شركات الاتصالات على أسئلتنا بيروقراطية بحتة تضيع من خلالها استفسارات الإعلام غير الدعائية؛ لكننا لم نكن وحدنا من تتجاهله. يخبرنا بتلر، أن الموقع حاول التواصل مرارًا في نيسان 2016 مع شركات (أمنية وزين وأورانج) لتفسير الشكاوى التي وردتهم دون الحصول على أي رد منهم. حاول الموقع أيضًا التواصل مع وزارة الاتصالات ومركز تكنولوجيا المعلومات الوطني ليجد التجاهل نفسه.

أما هيئة تنظيم قطاع الاتصالات، فعلى الرغم من فاعلية المكتب الإعلامي بالتواصل مع حبر إلا أن إجابتهم لنا كانت تخص سؤالًا آخر لم نسأله: «هيئة تنظيم قطاع الاتصالات ليست الجهة المُصدّرة للقرارات بل هي جهة تنفيذية لقرارات حجب المواقع الصادرة من قِبل هيئة الإعلام المرئي والمسموع، كما أن الهيئة لا يصلها المسببات التي استوجبت حجب تلك المواقع، والأمر ذاته ينطبق على موقع أرشيف الإنترنت».

وعند محاولتنا الرجوع إلى السؤال الأصلي: «هل قامت هيئة تنظيم قطاع الاتصالات بإرسال قرار حجب لموقع أرشيف الإنترنت؟» قابلتنا الهيئة بنفس الإجابة الأولى. سألنا الهيئة، كذلك، إن كان بالإمكان تزويدنا بجميع قرارات الحجب التي مرّت عبرها إلى شركات الاتصالات عام 2016، فكان ردها بأن «الهيئة لا يمكنها الإفصاح عن ذلك نظرًا إلى أن قرارات الحجب مؤقتة وغير ثابتة».

لم يبقَ لدينا في رحلة تتبع قرار الحجب إلا هيئة الإعلام، الجهة الوحيدة المخوّلة قانونيًا بإصدار قرارات حجب لمواقع إلكترونية بعد تعديلات قانون المطبوعات والنشر عام 2012. أكد لنا رئيس هيئة الإعلام، محمد قطيشات، في نهاية تشرين الثاني الماضي بأنه بعد النظر في جميع قرارات حجب 2016، لم يكن أي منها يخص موقع «أرشيف الإنترنت».

لماذا أصبح الموقع متوفرًا من جديد؟

في كانون الثاني وبعد أن بات الموقع متوفرًا من جديد، تواصلنا مع كريس بتلر مرة أخرى. حسب بتلر، تواصل موقع أرشيف الإنترنت مع هيئة الإعلام في كانون الثاني من هذا العام لمحاولة الاستفسار مرة أخرى عن سبب حجبه بعد محاولاته الفاشلة مع شركات الاتصالات في العام السابق، فكان رد الهيئة أنها ستبحث الأمر على الرغم من تأكيدها بأنها ليست الجهة التي أصدرت قرار الحجب. يقول كريس بتلر أن الهيئة تواصلت معه في كانون الثاني معلنة أن الموقع متوفر [الآن] في الأردن، حسب الإيميل الآتي:

سألنا مدير الهيئة محمد قطيشات مرة أخرى عن سبب عودة الموقع في الأردن بعد ما يقارب عامًا من الحجب، لكن قطيشات أكد لنا بأن «الموقع لم يكن محجوبًا على شبكة الهيئة، على الأقل المقدّمة من مركز المعلومات الوطني. تواصلنا أيضًا مع هيئة تنظيم قطاع الاتصالات التي أكدت أنها لم تصدر أو ترسل أي قرار بحجب الموقع، وهذا ما عنيناه في البريد الإلكتروني الذي أرسلناه إلى الموقع ردًا على استفسارهم».

وأما الجملة التي تعلن بها الهيئة بأن الموقع «متوفر الآن» في ذات الرسالة فلم تعنِ بالنسبة لقطيشات «بأن الموقع كان محجوبًا»، حسب ما قاله لحبر. أما عن طلبنا بتفسير التقارير التقنية التي تفيد حجب الموقع وصدفة إتاحة الموقع بعد فترة قصيرة من اتصال موقع أرشيف الإنترنت بهم، فأجاب: «لا أستطيع الإجابة. لم يكن لنا أي يد بحجب أو حتى رفع الحجب عن الموقع، الموقع لم يكن محجوبا من الأساس حسب تقرير لجنة المتابعة».

السيناريو الثالث: اليد الخفية

موقع أرشيف الإنترنت حُجب بصمت على مستوى كامل شبكة الإنترنت في الأردن. وأُتيح بصمت. على الرغم من أن الأسباب التي أتاحت الموقع مجددًا مبهمة، تكمن زبدة القصة في اكتشاف المدى الذي وصلت إليه عبثية آلية حجب أو إتاحة المواقع بشكل عام في الأردن. هذه العبثية بُنيوية، بدأت من تعديلات قانون المطبوعات والنشر عام 2012 التي تقتنع الحكومة بفعاليتها للسيطرة على الإعلام الإلكتروني. لكن إلى الآن، ما يزال نطاق المواقع التي تخضع لقانون المطبوعات والنشر جدليًا لأنه ينافي طبيعة الشبكة التقنية في تحديد ما هو «محلي» أو «عالمي» من المواقع. تتجسد العبثية أيضًا في آلية الحجب التي عالجها القانون: وهي قرار إداري من رئيس الهيئة يعتمد على اجتهاداته الشخصية بتعريف ما يندرج تحت «الموقع الإلكتروني الإخباري». أما حادثة حجب موقع «أرشيف الإنترنت» فتشير إلى الأسوأ من ذلك كلّه: وجود جهة موازية لا تخضع لأي رادار، ذات نفوذ مركزي إلى الشبكة، تقفز فوق صلاحيات الهيئة في الحجب، وواجبات شركات الاتصالات بالتنفيذ، لتمنع موقعًا مركزيًا وتتيحه مركزيًا.

يقول كريس بتلر لحبر: «نقدّر جدًا جهود هيئة الإعلام التي تبدو بأنها دفعت باتجاه إتاحة الموقع مرة أخرى على شبكة الأردن». لكن على الرغم من أن الهيئة أرسلت للموقع بريدًا إلكترونيًا تعلن به توفره «حاليًا» تمنى بتلر أن تجيب الهيئة على سؤالهم الذي تبع بريد الهيئة: «لماذا كان الموقع محجوبًا على مستوى عمود الشبكة المركزي؟». يكمل بتلر: «إن حجبت الحكومة الموقع، عليها أن تقول ذلك. وإن ادّعت الحكومة بأنها لم تحجب الموقع، سيكون من المفيد تقديم تفسير للطريقة التي تمّت بها معالجة الأمر من خلال الجهود التي أشارت لها هيئة الإعلام».

تذكرنا هذه القصة أيضا بخلو إجراءات الحجب للمواقع الإلكترونية، من أدنى أسس الشفافية أمام مستخدمي الشبكة والمواطنين. تُبقي شركات الاتصالات وهيئة تنظيم قطاع الاتصالات وهيئة الإعلام القرارات التي تصدرها أو تنفذها بحق مواقع في الأدراج، فلا تعتبر نفسها مدينة بتوفيرها تلقائيًا للمواطنين، دون حاجتنا للسؤال عنها. بالنسبة لعيسى محاسنة، رئيس الجمعية الأردنية للمصدر المفتوح، عدم وضوح إجراءات الحجب «يهدم مبادئ الانفتاح والتبادل الحر للمعلومات التي بنيت عليها شبكة الإنترنت»، ويركز محاسنة، في حديثه لحبر، على حق صاحب الموقع المحجوب بمعرفة الجهة التي أصدرت قرار الحجب، ليتسنى له الاعتراض على هذا القرار، «فمثلا، إذا ما تم حجب موقع شركة ما بشكل خاطئ أو دون سند قانوني، فلها أن تطالب بتعويض عن الخسائر الناتجة عن مثل هذا الإجراء من الجهة التي ألحقت بها الضرر».

لا نعرف نحن، ولا يعرف كريس بتلر ولا يعرف مدير هيئة الإعلام من حجب موقع أرشيف الإنترنت ومن أتاحه بعد عام. ولكن نعرف أن هناك نافذة موازية للحجب، يمارس عبرها «اللهو الخفي» صلاحياته على الشبكة وقد يرسم لنا الإنترنت الذي يريد لنا أن نستخدمه، دون أي مساءلة.

لقراءة تفاصيل الحجب التقنية، اضغط/ي هنا.

*شارك في إعداد هذا التقرير: آدم سفت وجاكوب دالاك (السيتيزين لاب) وبراء حسنية (الجمعية الأردنية للمصدر المفتوح)

  • في الحقيقة تفاجأت بحجبه وبإتاحته، للوهلة الأولى اعتقدت بأنه خطأ من المُتصفحات لدي أو من إعدادات نظام التشغيل، ولكن هذه القصة تُبين لنا استهتار المُوظفين في الإدارات المسؤولة وبأن قراراتهم اعتباطية جدًّا ولا تنم عن ذوق أو احترام أو مهنية.
    وهي أسخف قصة حجب موقع أسمعها (حجب موقع “أرشيف.أورج” وإتاحته مُجددًا بلا تفسير واضح).