رأي

تعديلات قانون الجرائم الإلكترونية وأسطورة «يحدث في الدول المتقدمة»

الأحد 23 كانون الأول 2018
مواطن يرتدي قفصًا كرتونيًا للاحتجاج على قانون الجرائم الإلكترونية خلال مظاهرة قرب الدوار الرابع في عمان، 6 كانون الأول، 2018. تصوير ريم المصري.

تروج شخصيات الدولة تعديلات قانون الجرائم الإلكترونية، التي تغلظ العقوبات وتقدم جرائم مثل خطاب الكراهية ونشر الإشاعات والأخبار الكاذبة، على أنها تسير على النهج الدولي في ضبط وسائل التواصل الاجتماعي، بحسب هذه الشخصيات. ظهرت هذه السردية تقريبًا في كل خطاب تلفزيوني ومقال رأي يدافع عن تعديل القانون من اللحظة التي طرحته فيها حكومة المُلقي في الجزء الأخير من عام 2017. فمثلًا، وصف وزير العمل السابق، نضال القطامين، التعديلات بأنها «ومضات مُضيئة» تقتدي بالجهود التي تبذلها ألمانيا وبريطانيا في مكافحة خطاب الكراهية على السوشال ميديا. أما مدير التحرير السابق لوكالة بترا الرسمية، فيصل الشبول، فشدد على أنه علينا «أن نقتدي بالمجتمعات والدول المتقدمة علينا تكنولوجيًا وديمقراطيًا وحضاريًا في مواجهتها لسلبيات هذه الثورة [في السوشال ميديا]». أما الرزاز، فقبل أن يسحب القانون، أكد في اجتماعه مع مؤسسات المجتمع المدني بأن كل دول العالم تتجه نحو ضبط هذا الفضاء «لأنه عم بصير في ابتزاز وتقييد للحريات الشخصية».

تردد الدولة ومسؤولوها خطابًا مجتزئًا وانتقائيًا يصور تعديلات القانون بأنها تعديلات عصرية تسير على خطى الدول الديمقراطية، خاصة في تبرير تجريم اغتيال الشخصية العامة ونشر خطاب الكراهية والأخبار الكاذبة و الإشاعات. قد تكون الدولة مُحقة بأنه في العامين الآخرين، ومع ظهور النزعات اليمينية المتطرفة في الولايات المتحدة والدول الأوروبية وانتشار خطاب المُعادي للاجئين وجرائم الكراهية، تفجر نقاش يُراجع قُدسية «حرية التعبير» ويشير للحاجة إلى تشريعات مُنظمة للخطاب العُنصري. لكن استيراد نتائج هذا النقاش دون النظر إلى سياقه قد يعكس صورًا مخلة عنه.

في هذا المقال، أحاول مراجعة النقاشات حول تنظيم خطاب الكراهية والتشهير بالشخصيات العامة في بعض الدول التي يستحضرها مروجو القانون وتعديلاته، مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا. لا نُراجع تشريعات هذه الدول في محاولة لترويج توجهاتها كممارسات فُضلى، فهي ليست فوق النقد ولا هي بالضرورة تقدمية، ولكن لمراجعة السياقات السياسية والاجتماعية التي تتجاهلها النخب المُروجة لتبرير تعديلات قانون الجرائم الإلكترونية المنطلق من عقلية أمنية.

خطاب الكراهية

كانت 2016 السنة الأولى التي شن فيها الأمن الألماني مداهمات في 16 ولاية ألمانية لملاحقة جماعات أطلقت خطاب كراهية مُمنهج ضد اللاجئين السوريين. بعد أن فتحت ألمانيا أبوابها للاجئين السوريين عام 2015، تنامى خطاب الكراهية على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل جماعات يمينية متطرفة نعتتهم «بالإرهابيين والمُغتصبين»، وارتفعت معه جرائم الإعتداء على طالبي اللجوء في ألمانيا إلى أن وصلت عشرة جرائم كراهية يوميًا في عام 2016. من أشهر الأمثلة على هذا الخطاب كان الهجوم على اللاجئ السوري، أنس دوماني، بعد نشره صورة سِلفي مع الرئيسة آنجلا ميركل، تولد عنها أخبار كاذبة في بعض المواقع عن ارتباطه بجماعات إرهابية وتفجيرات برلين في 2016. فيسبوك كانت المنصة الأكثر احتضانًا لهذا الخطاب، وبحسب دراسة من جامعة وورويك الألمانية، فقد كان لخطاب الكراهية ضد اللاجئين المنتشر على فيسبوك تحديدًا علاقة مُباشرة بانتشار جرائم الكراهية في مُدنٍ تولد لدى بعض سكانها قناعة بأن اللاجئين السوريين هم سبب تردي أحوالهم الاقتصادية.

قد تكون الدولة مُحقة بأنه في العامين الآخرين (..) تفجر نقاش يُراجع قُدسية «حرية التعبير» ويشير للحاجة إلى تشريعات مُنظمة للخطاب العُنصري. لكن استيراد نتائج هذا النقاش دون النظر إلى سياقه قد يعكس صورًا مخلة عنه.

ألمانيا التي يلاحقها ذنب إرث الهولوكوست يُجرم قانون عقوباتها «بث الكراهية ضد أي مجموعة قومية أو عرقية أو أي مجموعة سكانية عن طريق إجراءات العنف العنصرية» ويعاقب عليه بالحبس من ثلاثة أشهر إلى خمس سنوات. ورغم وصف منظمة المادة 19 لهذه المواد بالإشكالية والفضفاضة، إلا أن عبر تاريخ تطبيقها في القضاء الألماني، تشكلت مراجع ومعايير حذرة جدًا لتقييم «عدم قانونية» الخطاب، كإثبات النية، والضرر الواقع على الأرض، وعلانية هذا الخطاب.

لم تكن المعايير الحذرة في تطبيق القانون كافية للحد من خطاب الكراهية على وسائل التواصل الاجتماعي ضد اللاجئين، فقدمت حكومة ميركل مشروع قانون «إنفاذ القانون على الشبكة»، المعروف اختصارًا بـ«نِتزدِج» (Netzdg) في منتصف 2017، ولكن هذه المرة انتقلت من تجريم صاحب الخطاب إلى وضع مسؤولية قانونية على شركات مواقع التواصل الاجتماعي وتغريمها بـ50 مليون يورو إن فشلت في التعامل مع «خطاب الكراهية» وحذف المحتوى «غير القانوني» على مواقعها خلال 24 ساعة من التبليغ عنه. القانون الذي سرى منذ اليوم الأول من 2018، كان صادمًا للشركات والحقوقيين على حد سواء. فلطالما احتمت شركات مواقع التواصل الاجتماعي خلف سردية أنها وسيطة للمحتوى، لا تملك السيطرة عليه، وأنها أدت مسؤولياتها عندما طورت قواعد استخدام لضبط المُحتوى، ولا يجب أن تكون مسؤولة قانونًا عن المحتوى الذي تعتبره الدول «غير قانوني».

أما الحقوقيون، فانتقدوا الصلاحيات التي منحها القانون للقطاع الخاص. فأرباحه ستكون بوصلته الوحيدة في الحُكم على «قانونية» أي خطاب واتخاذ قرار بإزالته أو إبقائه. كما لا يُجبر «نتزدج» شركات مواقع التواصل الاجتماعي على وضع آلية للطعن في قرارات هذه المواقع من قبل المُستخدمين الذين حُذفت منشوراتهم.

بعد تطبيق القانون، أعلنت فيسبوك وتويتر تعيينهما لمئات الموظفين في دائرة تحرير المحتوى في كل منهما، وحذفهما لمئات المنشورات المُخالفة للقانون الألماني في النصف الأول من 2018. رأت مجموعات حقوقية أن شركات التواصل تمادت في حذف المحتوى الذي اعتبرته غير قانوني. فمثلًا، تفاجئت المُمثلة الكوميدية صوفي باسمان بحذف تويتر تغريدة لها سخرت من خوف الجماعات اليمينية من المهاجرين، وإعلان الشركة لمُتابعي المُمثلة الـ14 ألف بأن هذه التغريدة خالفت القانون. بالنسبة لهذه المجموعات الحقوقية، من المُخيف أن تلعب شركات مواقع التواصل الاجتماعي دور «الحكم»، خاصة وأنها تمنع محتوى يسمح القضاء الألماني به.

لم تمضِ ثلاثة أشهر على تطبيق القانون قبل أن تعلن ميركل نية الحكومة الألمانية مُراجعته ليعالج المشاكل في تطبيقه. أعلنت الحكومة أنها ستجعل القانون مُحفزًا لشركات التواصل الاجتماعي لتشكيل لجنة مستقلة لإدارة المُحتوى تضم حقوقين ومحامين من أصحاب الاختصاص، وأن القانون يجب أن يُجبر الشركات على وضع آلية اعتراض على قرارات الحذف من قبل المستخدمين.

نظرت دول أوروبية أخرى بعين الترقب إلى تداعيات قانون «نتزدج» في ألمانيا، خاصة وأنه الأول من نوعه الذي يُجرم مواقع التواصل. ثم انتقلت عدوى «نتزدج» إلى فرنسا وبريطانيا في 2018 بصيغ مختلفة تجمع بين وضع مسؤولية قانونية للشركات وانخراط الحكومة في تنظيم المحتوى في هذه الشركات. إذ طلب إمانويل ماكرون من فيسبوك أن تكون أكثر جدية في محاربة «خطاب الكراهية والأخبار الكاذبة والبروباغاندا الإرهابية»، وأن توفر الوسائل لضبط هذا النوع من الخطاب بإشراك المُشرعين الفرنسيين في وضع معايير مُحددة، بالتعاون مع فريق محتوى فيسبوك، للتعامل مع الخطاب «غير القانوني».

من الجدير بالذكر أنه بالمقارنة بالقانون الألماني، يُجرم قانون النظام العام البريطاني «خطاب الكراهية» العرقية بمعايير مختلفة عن الكراهية الدينية أو الجنسية. إذ يشترط في الكراهية العرقية أن يُثبت الادعاء أن النية من النشر كانت إشعال الكراهية العرقية، وثانيا أن يُقدم دليل لاحتمالية تسبُب المحتوى بحادث اشعال كراهية عرقية ضمن الظروف السياسية والاجتماعية لوقت نشر الخطاب. أما الكراهية الدينية أو الجنسية، فتخضع لمعايير أضيق، وهي أن يكون الخطاب مرتبط بتهديد واضح (لا إهانة فحسب)، بالإضافة إلى إثبات نية صاحب الخطاب في إشعال الكراهية الدينية أو الجنسية. مع ذلك، لم يكن هذا القانون كافيًا للحد من خطاب الكراهية المُنتشر ضد اللاجئين في أعقاب قرار بريطانيا بالخروج من الاتحاد الأوروبي (البريكزيت)، لذا أعلنت وزارة الفضاء الرقمي والثقافة والإعلام والرياضة البريطانية في أيلول عن نيتها تأسيس جهة تنظيمية خاصة بالإنترنت تجعل من الشركات الوسيطة للمحتوى وخاصة السوشال ميديا مسؤولة قانونيًا عن المحتوى الذي تنقله، لتمشي على خطى ألمانيا. ولكنها لم تنشر الخطة المُقترحة لحين كتابة المقال.

انتقاد الشخصية العامة

يتباكى العديد من السياسيين والشخصيات العامة في الأردن على الإهانات والاتهامات التي توجه إليهم عبر السوشال ميديا أو المواقع الإعلامية في الأردن لتبرير العقوبات المغلظة على تُهم القدح والذم والتحقير، أسوة بدول أخرى بحسبهم. لكن هذه السردية تغفل تعامل القوانين والقضاء في هذه الدول مع دعاوى الذم التي يرفعها سياسيون على منتقديهم. فمثلًا، تسعى «الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان» للموازنة بين حرية التعبير من جهة والحق في السمعة والخصوصية من جهة أخرى. إلا أن العديد من القضايا التي رفعها سياسيون ضد مواطنين أو صحفيين في الدول الـ48 الموقعة على الاتفاقية رُدت لأن الاتهامات التي وجهت إليهم إما كانت في خدمة «المصلحة العامة» أو لأن المحكمة أقرت بأن مساحة السمعة التي يستطيع السياسي حمايتها هي أقل بكثير من تلك المتاحة للمواطن العادي.

في 2017 مثلًا، تقدمت قائدة حزب «البديل من أجل ألمانيا» (AfD) اليميني الشعبوي، أليس وويدل، للقضاء بطلب وقف إعادة بث البرنامج الساخر «إكسترا 3»، بعد أن عرض المقدم في برنامجه مقطعًا من فيديو يُظهر وويدل وهي توجه خطابًا لأعضاء حزبها تقول فيه «لن يتم إسكاتنا كديمقراطيين ووطنيين، لأن الصوابية السياسية تنتمي إلى مزبلة التاريخ»، ليعلق المُذيع من بعده قائلاً: «نعم، فلنضع نهاية للصوابية السياسية. العاهرة النازية مُحقة». رفضت محكمة هامبورغ طلب وويدل لمنع بث البرنامج مرة أخرى لأن حرية التعبير في ألمانيا، بحسب الحكم، تشمل السخرية وخاصة عندما توجه إلى الشخصيات العامة التي يجب عليها أن تتحمل «النقد المبالغ فيه».

يظهر اللُبس في الحماية المتوفرة لسمعة الشخصيات العامة في أحكام قضاء الدول الأوروبية بعد مراجعات قامت بها «المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان»، المعنية بتقييم مدى تطبيق الأحكام القضائية لـ«الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان». فمثلًا، قضت المحكمة بعدم شرعية الغرامة المالية، البالغة 30 يورو، التي حكمت محكمة فرنسية على مواطن فرنسي بدفعها بعدما حمل لافتة تقول «نيكولاس ساركوزي، انصرف أيُها الأبله»، ساخرًا من استخدام ساركوزي لهذه العبارة حين رفض أحد المواطنين مصافحته في مهرجان زراعي. استندت المحكمة الفرنسية إلى مادة في قانون حرية الإعلام، تشبه مادة إطالة اللسان في الأردن، تُجرم شتم رئيس الدولة. إلا أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان رأت «أن الأحكام القضائية الملاحقة استنادًا على هذه المادة لها أثر سلبي على أشكال التعبير الساخرة».

في قضية تشهير أخرى أيدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان حُكم المحكمة النمساوية التي غرّمت على مواطنًا نشر تدوينة على موقع مؤسسته عبر فيها عن سعادته للموت المُفاجئ لوزيرة خارجية النمسا، بتهمة التشهير. «الخبر الجيد، أن وزيرة التعذيب والترحيل قد ماتت»، كتب الرجل، واصفًا الوزيرة بأنها «مجرمة مكتبية مثلها مثل الكثيرين في تاريخ الدولة الوحشية»، وأنها كانت «أداة تتوافق مع بيروقراطية ملوثة بالعنصرية»، وأن أي «إنسان بكرامة لن يذرف الدموع على موتها». حرك زوج الوزيرة قضية تشهير ضد صاحب التدوينة، لكن وجدت المحكمة العليا النمساوية بأنها لا يمكن أن تبرر «أحكامًا قيمية مبالغًا فيها دون أساس من الدلائل»، وبناء على ذلك غرمّته بـ1,200 يورو. طعن صاحب المدونة بهذا الحكم أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، التي وجدت بدورها أن «التعبير عن الإهانة في اليوم التالي لوفاة الشخص الذي تمت إهانته يتنافى مع أبسط مستويات اللياقة واحترام البشر ويمثل هجومًا على جوهر الحق في الشخصية».

وهكذا، حاولت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان الموازنة بين الحق في السمعة والحياة الخاصة، وحُرية التعبير، للسياسيين كما الأفراد العاديين. نذكر هذه الأمثلة لإظهار الجدل الحي والمُتجدد حول تجريم التشهير والمعايير الدقيقة التي تتبناها المحاكم الأوروبية للحكم على التشهير. فاجترار المسؤولين الأردنيين للحديث عن القوانين الأوروبية التي تجرم التشهير يتناسى أنه في 2007، أصدر البرلمان الأوروبي مذكرة تدعو دوله لإزالة عقوبة الحبس لجريمة التشهير، ووضع معايير صارمة وجدية يجب أن يعتمدها القضاء حتى لا يساهم «في خلق ثقافة خوف». لا يعني ذلك التغني بعدالة القضاء الأوروبي، فالبرلمان الأوروبي نفسه ما زال ينتقد الدول التي لم تتجه في هذا الاتجاه بعد. فإيطاليا مثلًا، تحبس ما معدله 155 صحفي سنويًا استنادًا لمادة تجرم التشهير بعقوبة حبس أقصاها ست سنوات إن كانت ضد شخصية عامة أو قاضي أو موظف دولة. وما زالت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تنظر في طعون أحكام توصف بأنها غير عادلة، مثل حكم محكمة ألمانية ضد صحيفة لإحيائها شكوك حول علاقة قائد حزب ألماني بالحكومة الروسية. بالنسبة للمحكمة، فعلى الشخصيات العامة «إظهار درجة أكبر من تحمل الهجوم مقارنة مع الشخصية الطبيعية».

انتقائية النخب الأردنية في التركيز على الدول الأوروبية تظهر أيضًا وهم الخطاب الرسمي بعدم وجود أمثلة من دول جنوب العالم، التي لا توصف عادة بـ«الدول المتقدمة»، لكنها أخذت خطوات جدية نحو  التخلص من العقوبات الجنائية لتهمة التشهير، مثل  كينيا وزمبابوي وغانا. حتى في زمن رئيس جنوب أفريقيا المتهم بالفساد، جاكوب زوما، قضت المحكمة الدستورية عام 2012 بعدم الامتثال لطلب الرئيس بحذف العمل الفني الساخر الذي يُظهر أعضاءه التناسلية من موقع إلكتروني نظرًا لأن «للرقابة الإلكترونية على مواد كهذه هي قيد غير دستوري على حرية التعبير». وفي الهند، ردت المحكمة العليا 300 دعوى تشهير رفعتها رئيسة وزراء إقليم تاميل نادو على منتقديها. في قرارها، ذكرت المحكمة أنه «لا يجوز أن تستخدم تهمة التشهير كأداة سياسية»، وأن على رئيسة وزراء الإقليم «كشخصية عامة أن تواجه النقد».

الأخبار الكاذبة

جرّمت حكومة الرزاز الأخبار الكاذبة والشائعات في التعديلات المقترحة على قانون الجرائم الإلكترونية دون أي حوار وطني حول تعريف الشائعة أو الخبر الكاذب، خاصة مع التباس تعريف الشائعة حتى في منصة «حقك تعرف» المخصصة للرد عليها. فتخلط المنصة بين الشائعات وانطباعات الرأي العام أو الأخبار غير الدقيقة. أما «الأخبار الكاذبة» فقد باتت من أكثر المصطلحات مطاطية، في كل العالم لا في الأردن وحده. فنرى لجان الاستخبارات الأمريكية في مجلس الشيوخ تستخدمه لوصف الأخبار الروسية المُختلقة التي يدعّى أنها أثرّت على نتائج الانتخابات الأمريكية، ويصف بها ترامب منصات إعلامية مثل النيويورك تايمز والسي إن إن عندما تنشر تقارير تكشف فضائح إدارته. مطاطية التعريف وصلت لدرجة أنه بالنسبة لـ42% من الجمهوريين الأمريكيين، أصبحت الأخبار السلبية عن حزبهم تندرج ضمن تعريف «الأخبار الكاذبة».

لا نستطيع النظر إلى تفاصيل تعديلات قانون الجرائم الإلكترونية بمعزل عن المناخ السياسي الذي قُدم فيه وتاريخ وواقع ملاحقة الناشطين وتوقيفهم بالاستناد إلى منظومة تشريعات أخرى كتهم «إطالة اللسان» و«تقويض نظام الحكم».

هذا النقاش حول «الأخبار الكاذبة» لم يُترجم إلى قيود قانونية فعلية في الولايات المتحدة، سوى فيما يتعلق بإجبار الجهة الداعمة للدعايات السياسية على مواقع التواصل الإجتماعي على الإعلان عن نفسها. أما الاتحاد الأوروبي فقد طور ميثاقًا لمحاربة «المعلومات الخاطئة»، موجهًا لشركات التواصل الاجتماعي الذي يعتمد نموذجها الربحي على الدعايات. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أخذ خطوة أكثر صرامة بسن قانون أقره البرلمان الفرنسي في تشرين الثاني. يعطي القانون للمرشحين السياسيين أثناء الانتخابات الرئاسية الحق في التقدم طلب حجب «الأخبار الكاذبة» لدى القاضي في الأشهر الثلاثة السابقة على الانتخابات، ويعطي هيئة البث الوطنية الفرنسية صلاحية وقف قنوات تلفزيونية إذا تعمدت بث معلومات خاطئة يمكن لها أن تؤثر على مصداقية الاقتراع. كان إقرار القانون من المرات القليلة التي تتفق فيها الأحزاب اليمينية واليسارية، حيث وصف أعضاء الحزب الجمهوري اليميني القانون بأنه محاولة لخلق «شرطة تفكير»، فيما وثفه الحزب اليساري بأنه طريقة جديدة للحجب.

أما في الهند، وبعد أن ساهمت فيديوهات ومعلومات خاطئة على الواتساب في مقتل أربع رجال اتهموا بأنهم عصابة تخطف الأطفال، اشتعل نقاش حول الطريقة المثلى للحد من المعلومات الخاطئة والأخبار الكاذبة. كان رد فعل الحكومة الهندية الطلب من فيسبوك، المالكة لواتساب، تتبع «الرسائل الإشكالية»، إلا أنها واجهت انتقادات واسعة من حقوقيين رأوا في ذلك خرقًا لحق المواطنين الدستوري بالخصوصية، ومن تقنيين سخروا من جهل الحكومة بتقنية التشفير التي يقوم عليه تطبيق واتساب، والتي تمنع فيسبوك من تتبع الرسائل الخاصة.

لا نستطيع النظر إلى تفاصيل تعديلات قانون الجرائم الإلكترونية بمعزل عن المناخ السياسي الذي قُدم فيه وتاريخ وواقع ملاحقة الناشطين وتوقيفهم بالاستناد إلى منظومة تشريعات أخرى كتهم «إطالة اللسان» و«تقويض نظام الحكم». لذا، ليس مفاجئًا أن ينظر المشرّع إلى تنظيم التطور التقني والتكنولوجي بعيون أمنية، تقلص هذا التنظيم إلى توقيف وحبس كل من تفوه بـ«خطاب كراهية» أو «أطلق الشائعات والأخبار الكاذبة»، مستندًا كعادته إلى مصطلحات فضفاضة. تطلق الحكومة منصة «حقك تعرف» لتوهمنا بأنه، في خضم ثورة المعلومات، هناك نسخة واحدة للحقيقة، وهي ما تقوله. ومع ذلك، تختبئ خلف أجزاء من الحقيقة حول ما يجري من جدل في دول العالم حول تجريم خطاب الكراهية والأخبار الكاذبة والشائعات، نازعة هذه النقاشات من سياقها، لتبرير النهج السلطوي في ملاحقة هذه التهم.