الحياة ما بعد الموت على الإنترنت: أين ستذهب تركتك الرقمية؟

الأربعاء 18 أيار 2016
offline grave

في زمن ما، كانت الأشياء التي تذكرنا بمن رحل هي ما نستطيع لمسه من صور ودفاتر مذكرات وملابس أو حتى النقود والحجارة. وحتى نرث ألبوم الصور المطبوعة، كنا نحتاج إذن أفراد العائلة ممن لديهم الحق والرغبة في تملكه. أما اليوم، فتشاركنا، بالإضافة لأفراد عائلتنا، شركات مثل الفيسبوك وآبل في ملكيتنا لأشيائنا الرقمية.

هل فكرت بمن سيملك حق النفاذ إلى بريدك الإلكتروني أو حساب الفيسبوك الخاص بك بعد مماتك؟  في هذا المقال نحاول عرض ما يمكن ضبطه من حقوق ملكيتنا لورثتنا الرقمية، وحقوق أفراد عائلتنا لها بعد وفاتنا.

حين تكون أنت السلعة

عندما نقدم معلوماتنا الشخصية مقابل خدمة مجانية فعلينا أن ندرك أننا نحن السلعة، وأنه ليس لنا ملكية حصرية على ما نشاركه في هذه المنصات.

إن كان فيسبوك ثالث أكبر دولة في العالم، فإنه كذلك أكبر حائط تذكار رقمي في العالم. حسب الهافينغتون بوست، تم إحصاء ثلاثين مليون حساب تذكاري لأشخاص رحلوا في ٢٠١٢. في ٢٠١٥، أضاف الفيسبوك خيارات للتصرف بما يحويه حسابك من الصور والمنشورات والأحاسيس واللايكات وتنظيم وجودك على خط زمن أصدقائك بعد وفاتك. ليس من بين هذه الخيارات أن تنقل ملكية أشيائك من فيسبوك إلى أي جهة أخرى. فتبقى فيسبوك المالكة لكل ما كتبته من نصوص أو حملته من صور في ملفك.

أول هذه الخيارات كبسة واحدة تجيب بها على سؤال «هل تريد حذف حسابك باللحظة التي يبلغ بها أحد من أفراد عائلتك الشركة بخبر وفاتك؟». كما يختفي وجودك من الحياة يختفي حسابك وتدفن معك صورك ومنشوراتك ولايكاتك. من بين الخيارات الأخرى أن تعطي أحد أصدقائك على فيسبوك صلاحية إدارة حسابك بعد وفاتك دون أن يعرف معلومات الحساب وكلمة السر، أو ينفذ لمراسلاتك الخاصة. يستطيع من خلال هذه الصلاحية أن ينشر من حسابك تفاصيل الجنازة مثلًا أو يرد على طلبات الصداقة. آخر هذه الخيارات، هو صفحة تذكارية لك تنشئها فيسبوك حتى يشارك محبّوك صورك عليها ويدخلوا على موروث صفحتك من الصور والمنشورات من خلالها. وإن لم تخصص وريثًا لها، لا يستطيع أحد تغيير خصائصها.

حتى وإن أردت أن تعطي حسابك لأحد أحبائك قبل مماتك، بحسب تعليمات استخدام فيسبوك لن تستطيع «أن تحول حسابك (بما فيه أي صفحة أو تطبيق تديره) إلى شخص دون موافقة خطية من فيسبوك نفسها». وما يمكن اكتشافه من هذه التعليمات هو أنه رغم أن عائلتك وأصدقائك لن يتمكنوا من الدخول إلى حسابك إذا لم تخوّلهم، فإن شركة فيسبوك تشاركك حقوق ملكية كل الصور والمنشورات على حسابك، وبهذا تكون هي الوريث الوحيد بعدك.

سبقت جوجل فيسبوك بالتحضير للوصية الرقمية في ٢٠١٣ عندما قامت باستحداث خاصية إيقاف حساب جوجل وكل ما يرتبط به من خدمات مثل يوتيوب وبلوجر وغيرها. عن طريق خدمة Inactive Account Manager تستطيع أن تحدد مدة ركود الحساب التي يصنّف بعدها جوجل حسابك بـ«غير فعال». سيرسل لك جوجل رسالة لإخطارك بانتهاء المدة، والتي لن يكون لها نفع إن كنت ميتًا، ولكن تستطيع أن تحدد شخصًا آخر لإخطاره بعدم فعالية حسابك. أما إن أردت أن تدخل شخصًا أو أشخاصًا آخرين إلى تفاصيل حياتك الشخصية بعد مماتك، فتستطيع أن تحدد من سيقوم باستلام إدارة حساباتك بعد مماتك، أو حتى أن تحذفه كاملًا مما لا يعني حذفه من جوجل ولكن تعطيل استخدام الحساب.

عندما تشتري السلعة الرقمية

يستطيع أهلك وأصدقائك توزيع مكتبتك وألبومات الموسيقى التي اشتريتها فيما بينهم. إلّا أن كل ما تشتريه من كتب على «كندل» أو موسيقى على «آيتونز» فهي الآن ملك لأمازون وآبل وحدها، إلّا إذا صرّحت كصاحب للحساب بنقلها لأشخاص محددين. بعد أن توفي زوجها، طلبت آبل من بيغي ذات الـ٧٢ عامًا أن تحضر أمر محكمة يمكنها من متابعة لعبة أوراق شدة على جهاز الآي باد الخاص بالزوجين. كان الزوجان يستخدمان نفس الحساب لشراء المنتجات من الألعاب والأغاني والتطبيقات ولأن كلمة السر دفنت مع الزوج لم تستطع الزوجة استعمال الحساب.

لن يستطيع أولادك أن يرثوا مجموعة موسيقاك، فلا يمكن نقل الموسيقى التي اشتريتها على آبل من جهاز إلى آخر إلّا إن كانت لدى المقربين منك تفاصيل حسابك. أما أمازون فتقولها لك بالخط العريض في أحكام الشراء «لا تملك أي حقوق ملكية على ما تشتريه من الكتب أو الموسيقى أو البرامج». فأنت عندما تضغط «شراء» على جهاز الكندل، فإن هذا لا يعني أنك اشتريت الكتاب وإنما حصلت فقط على رخصة النفاذ إليه.

التعامل مع الميراث الرقمي

انتحر بينجامين ستاسين ذو الـ٢١ عامًا دون أن يترك رسالة في ٢٠١٠. كممثلين عن ممتلكاته، تواصل أهل بينجامين مع جوجل وفيسبوك لفتح حسابات بينجامين لهم حتى يتمكنوا من معرفة السبب وراء تعاسة ابنهم. سلّمت جوجل حسابات يبنجامين بعد شهور من محاولات الأهل، إلّا أن فيسبوك لم توافق على فتح الحساب إلّا بأمر محكمة في ٢٠١٢. مثل هذه القصص تدعونا للتفكير مليًا بقانونية الإرث الرقمي ومن يقرر من يملك مقتنياتنا الشخصية على الإنترنت.

في ٢٠١٤، أقرت ولاية ديلاوير في الولايات المتحدة قانونًا يسمح لأفراد عائلتك بالنفاذ إلى مقتياتك الرقمية تمامًا بنفس الطريقة التي تعطيهم الحق بممتلكاتك المادية. عرّف قانون ديلاوير المقتنيات الرقمية كالآتي: «النصوص، الإيميلات، ملفات الصوت والفيديو والصور، حسابات المواقع الاجتماعية، الكود، بياناتك الصحية، بيانات التأمين الصحي، كود البرمجيات، البرامج، رخص البرامج، قواعد البيانات، أو أي حسابات أخرى للشخص الراحل». تبع هذا القانون انتقادات كثيرة على حقوق خصوصية المتوفى. وتبعت دالاوير الكثير من الولايات بسن قوانين تسهل عملية نفاذ الورثة إلى ملكيتك الرقمية.

وكما فطنت شركات المحتوى والسلع الرقمية إلى ضرورة التعامل مع حياة حسابات عملائها بعد موتهم، فطنت الشركات القانونية لخدمة التعامل القانوني مع الملكية الرقمية وتنظيم الحياة الرقمية على الإنترنت بعد الوفاة. منها من يعرض حصر إرثك الرقمي وتمثيلك القانوني أمام شركات مثل فيسبوك وتويتر وغيرها. ومنها مَن يعرض خدمة البقاء الرقمي بعد الوفاة بإرسال رسائل صوتية أو نصية أو فيديوهات لمن تحبهم بعد وفاتك.

في زمن ما، كانت فكرة امتلاك الشركة المصنّعة لورق دفتر مذكراتك ما تشاركه على ذلك الدفتر شيئًا خارج المنطق البشري. وإن وقع ذلك الدفتر بين يدي أحد أفراد عائلتك أو أصدقائك بعد مماتك، فسيكون ذلك بسبب حظك العاثر، لا لأن لديهم الأحقية في ذلك الدفتر. الفرق بين دفتر مذكراتك وحسابك على الفيسبوك أنه قد يكون لحسابك قيمة مادية، مثلًا تلك الصفحة التي بنيت عليها آلاف المتابعين لشركتك التي خلفتها لهم. لكن يصبح قرارك أصعب إن كان حسابك الشخصي على فيسبوك هو ما تدير به حساب شركة العائلة التي يتابعها مئات الآلاف.

اليوم، إلّا إن كنت في ولاية ديلاوير، من العسير جدًا على أفراد عائلتك التعامل مع حساباتك الشخصية الرقمية لحاجتهم إلى تصريحٍ من الشركات المالكة لها، خاصةً وأن هذه الشركات قد حسمت الأمر قبل أن تحسمه أنت أو القانون، فبالأساس، كل ما تشاركه على هذه الحسابات هو ملكية مشتركة بينك وبين الشركات نفسها ولكن تعطيك المساحة لتوريثه لأفراد عائلتك، فقط إن كنت قد كتبت ذلك في وصيتك.