قطاع تكنولوجيا المعلومات في الأردن: إنقاذ بتدوير المبادرات

الأحد 17 نيسان 2016

من بين ٦٠٠٠ خريج من برامج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الجامعات الأردنية بشكل سنوي، يتعين ١٨٠٠ منهم فقط، ٦٠٠ منهم في قطاع تكنولوجيا المعلومات.

ظلت هذه المعلومة تتكرر على مدار اليوم في قاعة فندقية كبيرة اجتمع فيها قرابة ١٥٠ شخصًا، منهم أكاديميون من أقسام تكنولوجيا المعلومات في جامعات أردنية، ومدراء وموظفون في شركات من قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وبحسب اللافتات الكبيرة التي دُمغت زواياها بعلامة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID، كان عنوان تلك الورشة التي عقدت في الثاني والعشرين من آذار الماضي، «تغيير مهارات الأردن»، ضمن مشروع «برنامج تشجيع التنافسيّة الأردني» بقيادة جمعية شركات تقنية المعلومات والاتصالات «إنتاج».  

ركزت الورشة على التنمية الاقتصادية في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والدعوة لخطة عمل لردم الفجوة بين «العرض» و«الطلب»، بالإشارة إلى مهارات خريجي الجامعات الأردنية مقابل احتياجات القطاع الخاص. واتجهت معظم أصابع الاتهام في الورشة نحو الجامعات الأردنية. فبحسب أحد المتحدثين، من العلامات «المفزعة» لحال «العرض» الذي تنتجه الجامعات، أن يتنافس الفليبيني والهندي مع الأردني في دول الخليج لتدني مهارات الخريج الأخير.  

لكن أيًا من المتحدثين لم يقل لنا كيف وصل للنتيجة التي تحمّل تدني مهارات خرّيجي الجامعات الأردنية المسؤولية عن تدهور القطاع، ولم نسمع أيًا من الأسباب البنيوية الأخرى التي كانت عاملًا في هذا التدهور.

ضمن «برنامج تشجيع التنافسية»، أطلقت شركة مايكروسفت العام الماضي مركز تدريب يستهدف طلبة السنة الأخيرة في الجامعات، وسيمنحهم البرنامج الفرصة «لإطلاق العنان لإبداعاتهم وتطوير تطبيقات الويندوز». كما أطلقت شركة إنتل برنامجًا تدريبيًا للطلاب في ٢٠١٥. كل ذلك بتمويل من البرنامج الذي أطلقته USAID عام ٢٠١٣ بميزانية ٤٥ مليون دولار لتوفير٤٠ ألف وظيفة جديدة وجلب ٧٠٠ مليون دولار من الاستثمارات الأجنبية للأردن، وزيادة الصادرات الأردنية في قطاعات مستهدفة: تكنولوجيا المعلومات والطاقة النظيفة والقطاع الصحي.

«جامعاتنا تقتل الإبداع»، يقول سامر حمارنة من شركة روبيكون، من منصة اجتمع عليها سبعة من ممثلي شركات كبيرة في قطاع تكنولوجيا المعلومات في الأردن. وصف حمارنة التغييرات المفاجئة والسريعة التي طرأت على التعليم المدرسي والعالي باستحداث مساقات عديدة لتكنولوجيا المعلومات بأنها تتبع لـ«نظام الفزعات»، كونها ظهرت في اللحظة التي أطلق فيها الملك تعبير «نظم معلومات» إلى العامة قبل خمسة عشر عامًا. أما الرئيس التنفيذي لدائرة الهندسة وتكنولوجيا المعلومات في زين، يوسف مطاوع، فطالب بإغلاق الجامعات مؤقتًا إلى أن تُرفع جودة التعليم فيها، لأن ما تخرّجه الآن بائس، على حد تعبيره.

بعد سنة من اعتلائه العرش، أطلق الملك عبد الله الثاني مبادرة لتنمية سوق قطاع تكنولوجيا المعلومات وجعله «اقتصادًا نابضًا بالحياة وموجّهًا نحو التصدير وقادرًا على المنافسة دوليًا»، حسب موقع المبادرة التي سميت «Reach». خلقت هذه الخطة تغيرات بنيوية أولها إضافة تخصص الإدارة المعلوماتية إلى تخصصات التوجيهي، وخلق مساقات دراسية جديدة في نظم المعلومات الإدارية والتقنية في الجامعات الأردنية.

من 0.Reach 1 إلى Reach 2.0 إلى Reach 3.0، هكذا كان يعاد تمديد وتعديل المبادرة لتحقق مبتغاها. لكن بعد خمسة عشرة عامًا على إطلاقه، ألغت وزارة التربية والتعليم مسار الإدارة المعلوماتية وأطلقت Reach 2025 في محاولة أخرى لإنقاذ القطاع.

«ليس عليّ كجامعة أن أخدم احتياجات الشركات، بل احتياجات خطة وطنية شامة»، قال عميد جامعة اليرموك. كما يوضّح أنه لم يكن من المنطق، بالنسبة له على الأقل، لوم الهوّة بين «العرض» و«الطلب» على الجامعات وحدها، فمعايير الاعتماد الوطنية والدولية تحكم المناهج، التي لا يمكن تغييرها كل «أربعة أشهر» حسب متطلبات السوق.

إذا وضعنا جانبًا خطاب الورشة المثقل بلغة السوق الحر، ونظرنا بعمق إلى ما تمت مناقشته، سيبدو أنه دار الحديث مطوّلًا عن مريض يجب إنقاذه، دون أن يحدَّد المرض أو تُعرف أعراضه. فلم يتطرق أحد إلى تفاصيل واقع سوق تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الأردن، رغم أنه يكاد لا يمر مؤتمر استثماريّ إلا ويتم الحديث فيه حول أهمية البلد كمحور تكنولوجيا المعلومات في المنطقة.

تشخيص الأعراض وخطة إنقاذ القطاع

يقول إبراهيم الصفدي، مدير شركة لومينوس التدريبية المدعومة من مؤسسة التمويل الدولية (IFC)، أن مشكلة القطاع تكاد تكون مشكلة «أمن وطني»، مشيرًا إلى أن ٦٣٪ من خريجي الجامعات الأردنية من تخصصات تكنولوجيا المعلومات ظلوا عاطلين عن العمل، أو ما مجموعه ٣٠,٠٠٠ خريج على مدار آخر أربع سنوات. في المقابل، لا تتوفر أرقام تعبّر عن حجم الشواغر التي تنتظر خريجي الجامعات المحلية. لكن نسبة مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي (بالاعتماد على أرقام دراسة «إنتاج» والبنك الدولي) تخبرنا بالتغيّرات التي طرأت على حجم هذا القطاع في آخر خمس سنوات. ففي ٢٠١٤، ساهم السوق بما يقارب ٥٪ من الناتج المحلي الإجمالي، بحسب الدراسة، أي قرابة ثلث االنسبة التي تظل تتكرر على ألسنة المسؤولين عند الحديث عن القطاع.

إذن، ما الذي تستند عليه الرغبة في تركيز جهود إنقاذ القطاع في تعديل مناهج أنظمة المعلومات في الجامعات؟ وهل أجريت دراسات تقييم أشارت إلى أثر المناهج في خلق أزمة البطالة في القطاع بأثر رجعي، وأخذت بعين الاعتبار عند وضع خطة “برنامج تشجيع التنافسية”؟

احتوى الملف الذي قدم لكل مشارك في الورشة، على نموذج لوثيقة معايير مهنية أو ما يسمى (Occupational Profile)، تحدد المهارات والكفاءات التعليميّة والمسمّيات الوظيفية لوظيفة «مبرمج/ة كمبيوتر». هذه الوثائق، ومثلها لوظائف أخرى، طُوّرت بناء على استطلاع أجرته «إنتاج» لمعرفة المهارات التي يفتقدها خرّيجو الجامعات الأردنية. من هذه الوثائق، تتوقع أن تكون المهارات التقنية على رأس قائمة المهارات التي اشتكت شركات القطاع من شحها، ولكنها أتت في المركز الثالث بعد اللغة الإنجليزية والمهارات الحياتية مثل التفكير الناقد وحلّ المشكلات.

«لا نحتاج إلى المزيد من الدراسات» يقول بشار الزعبي، مدير برنامج جسور لضبط المعايير والمهارات، التابع ل«برنامج تشجيع التنافسية». ويتابع أنه في مقابلات «إنتاج» مع مدراء الشركات المحلية في القطاع، صرّح العديد منهم بوجود وظائف لا تجد من يشغلها بسبب تدني الكفاءات، مستحضرًا مثال عزوف شركة HP عن فتح مكتب في الأردن لعدم توفر ١٠٠ موظف.

«إنتاج» نفسها أخبرتنا في ٢٠١٣ أنه بين عامي ٢٠١١ و٢٠١٢، خرجت من السوق الأردني ١٠٠ شركة صناعة برمجيات وحلول إلكترونية، وشركات محتوى وخدمات إضافية وألعاب رقمية، وشركات مزودة لخدمات الإنترنت. حينها، عزا عبد شملاوي، المدير التنفيذي السابق لـ«إنتاج»، تلك الانسحابات إلى «صعوبة المنافسة في سوق الاتصالات، وضعف الإنفاق الحكومي وقلة المشاريع التقنية في السوق المحلية والقرارات الحكومية التي تمس القطاع، ومنها قانون المطبوعات والنشر الذي بدأ يؤثر على شركات محتوى، ومضي الحكومة في تغيير قانون ضريبة الدخل الذي يضمن زيادة في الضريبة على شركات الاتصالات وتقنية المعلومات».

بالنسبة للزعبي، فإن قرار تخفيض ضريبة دخل القطاع وضريبة المبيعات لقطاع تكنولوجيا المعلومات (دون الاتصالات) في الأول من هذا الشهر هي خطوة في الطريق الصحيح لبناء القطاع وتشجيع الاستثمار الأجنبي، أحد ركائز «برنامج تشجيع التنافسية». لكن البنك الدولي نفسه، وهو الداعي الأكبر للاستثمارات الأجنبية، أقرّ بأن هذه الاستثمارات لم تساهم في تطور أو نقل المعرفة الإدارية أو التقنية للشركات المحلية الأردنية في قطاع تكنولوجيا المعلومات في الأردن، فهي إما كانت مستهلكة لسلع وخدمات الشركات الأجنبية أو مروّجة لها. وبحسب تقرير البنك الدولي، في اللحظة التي تخرج فيها الشركات الأجنبية من باب الأردن، يتبخر تأثيرها فيه. ونتساءل هنا إن كان “برنامج تشجيع التنافسية” يضع بين أهدافه تنمية صناعات محلية فرعية في هذا القطاع تجعل منه منتجًا لبرمجيات معينة مثلًا، بدلًا من كونه مستهلكًا، خاصة وأن أكبر إيرادات قطاع التكنولوجيا (دون الاتصالات) في ٢٠١٤ جاءت من بيع الكمبيوترات ومستلزماتها والبرامج (بنسبة ٢٥٪).

يصرّ الزعبي على أن الترويج للأردن كبيئة جاذبة للاستثمار هو من أهم نتائج رفع كفاءات الخريجين، ويضرب مثالًا في شركات أردنية قررت نقل مكاتبها للهند لعدم توفر الكفاءات في الأردن. بالنسبة له، نستطيع أن نتوقع المزيد من قدرة الشركات المحلية على خلق فرص عمل، لكن ليس بما يكفي لاستيعاب ٦٠٠٠ خريج سنويًا.

* في الصورة أعلاه، الملك يتلقي ممثلين عن قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في قصر الحسينية في ١٥ نيسان ٢٠١٥.

تنويه: النسخة الأولى من هذا التقرير أشارت إلى جمعية إنتاج على أنها تقود مبادرة Reach، وتم تصحيح هذه المعلومة لتشير إلى تعاون الجمعية مع المبادرة لا قيادتها لها.