حيادية الشبكة ما بعد ترامب: أن يصبح الإنترنت «كاتالوچ تلفزيون»

الإثنين 24 نيسان 2017
internet-wires

قبل أن يلتقط العالم أنفاسه لاستيعاب نتائج الانتخابات الأمريكية، بادرنا ترامب مصدرًا القرار تلو القرار، ليدفع باتجاه إلغاء التأمين الصحي الشامل، انحيازًا لشركات التأمين، ويفتح طريقًا لأنابيب البترول على حساب ماء الشرب للأمريكيين الأصليين، والآن، يعيد النظر في قانون «الطاقة النظيفة» الذي يقيّد انبعاثات غازات الدفيئة في محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم.

وكما لم يسلم الماء والهواء من قرارات ترامب المنحازة للشركات، لن تنجو، كذلك، شبكة الإنترنت.

ضمن هذه السلسلة من القرارات يأتي اختيار دونالد ترامب للجمهوري أجيت باي رئيسًا لهيئة الاتصالات الفيدرالية (FCC). فباي  مثل معظم الجمهوريين، كان ساخطًا على القرارات التي أصدرتها الهيئة لحماية حياد الإنترنت خلال فترة إدارة أوباما، ووصف هذه القرارات «بالغلطة» التي هزت سوق الإنترنت العريض أو الـ«broadband». تلك «الغلطة» وضعت حدودًا قانونيةً لنفوذ مزودي خدمة الإنترنت في الولايات المتحدة في التحكم بالمحتوى الذي يمرّ عبر شبكتهم بهدف زيادة أرباحهم.

اتُخذ أول هذه القرارات في 2010 عندما أعلنت الهيئة قواعد مبادئ الإنترنت المفتوح، ثم في 2015 عندما أعادت تعريف شبكة الإنترنت كـ«مرفق عمومي» في قانون الاتصالات الأمريكي. وآخرها كان في تشرين الأول من العام 2016 عندما أُلزم مزودو الإنترنت بأخذ موافقة صريحة من المستخدم قبل بيع أو مشاركة أو استخدام أيٍ من بيانات التصفح المتعلقة به أو أنماط استهلاكه للداتا.

مع كل قرار من هذه القرارات، كان باي يبكي قوانينَ السوق المفتوح ويجرّم تدخل الحكومة في تنظيم اقتصاديات الإنترنت والتضييق على تنافسية سوق الاتصالات. الآن، وقد انتقل من عضو في هيئة الاتصالات الفيدرالية -عندما مرّت هذه القرارات- إلى رئيس للهيئة، يمكن القول أن إزالة اللوائح الضامنة لحياد الإنترنت صارت مسألة وقت.

كيف يؤثّر هذا علينا؟

لكي نفهم تبعات هذا المسار على مستخدمي الإنترنت في الشرق الأوسط والعالم، علينا أولًا فهم تبعاته على السوق الأمريكية، أكبر أسواق العالم.

في سنة 2005 طرحت هيئة الإتصالات الفيدرالية الأمريكية أربعة مبادئ لضمان إنترنت «مفتوح». تضمنت هذه المبادئ حماية حق المستخدمين في الوصول لما يختارونه من محتوىً قانوني على الإنترنت، لكن دون أي تفاصيل إضافية عن الممارسات الممنوعة. عدم التحديد هذا فتح المجال أمام مزوّدي الخدمة لكي يتلاعبوا بجودة بروتوكولات معينة، طالما لا تستهدف محتوىً بحد ذاته. المثال الأكثر شهرة على هذا هو ما قامت به شركة كومكاست عام 2007 من إبطاء بروتوكولات مشاركة الملفات (Peer-to-Peer) من أجل عرقلة مشاركة مواد محمية بموجب حقوق الملكية، حتى وإن تضررت بذلك شركات تستخدم تقنية التورنت لتوزيع محتوى قانوني. مثل هذه الحادثة وغيرها قادت إلى إعادة صياغة هذه المبادئ في سنة 2010 لتتضمن عدم تمييز مزودي الإنترنت ضد أي نوع من أنواع المحتوى وبأي شكل كان.

في العام 2014، تحدّت شركة فيرايزون (Verizone) هذه القواعد الجديدة في دعوى رفعتها ضد الهيئة أمام القضاء الأمريكي. حكم القضاء لصالح شركة فيرايزون استنادًا إلى كوْن مزودي خدمة الإنترنت مصنفين كمزودي معلومات لا كمرافق عامة كالكهرباء والهاتف الأرضي. لتجاوز هذه العقبة، أعادت الهيئة عام 2015 تصنيف شبكة الإنترنت من «شبكة معلومات» إلى «مرفق عمومي»، يكون دور مزودي الإنترنت فيها تمامًا مثل دور مزودي قطاع المياه والكهرباء، أي مجرّد موفّرين للخدمة لجميع مشتركيهم بشكل متساوٍ دون تفضيل مسارٍ على آخر مقابل تكلفة أعلى. هذا القرار تم انتقاده بشدة من قبل أجيت باي عندما كان عضوًا في الهيئة، وقد تعهد حينها بأن يبذل ما بوسعه لإلغاءه والعودة إلى مبادئ العام 2005.

بحسب الناقدين لسياسة الهيئة خلال فترة إدارة باراك أوباما، وعلى رأسهم أجيت باي، فإن لوائح الهيئة لا تخدم الصالح العام. فهم يحاججون بأنها تحارب التنافسية والابتكار وتقيّد الشركات في مساعيها لتقديم خدمات جديدة وزيادة أرباحها التي، وبحسبهم، سيعاد استثمارها في تطوير الشبكات. يردد أصحاب هذا الادعاء أن الزمن الذهبي للإنترنت كان في عصر لم تكن فيه أي قيود قانونية تحكم توفير خدمات الولوج إلى الإنترنت، لكن ما يتناساه هذا الطرح هو أن الحاجة لفرض هذه القيود لم تأت من فراغ، وإنما أتت بعد أن بدأت الشركات في التمييز بين أنواع المحتوى لجني الأرباح بشكل آذى الابتكار. ومن الأمثلة على هذا الإضرار بالابتكار ما حصل مع شبكة «نيتفلكس»، التي كانت إحدى ضحايا تمييز مزودي خدمات الإنترنت، عندما قرّرت الشركات المزودة للخدمة تبطيء بروتوكول بث الفيديو الخاص بنتفليكس، وطالبت نيتفليكس بدفع مقابل لضمان جودة البث لمستخدميها في 2014، ولولا تدخل هيئة الاتصالات والحملة من أجل فرض حياد الإنترنت، لاستمرّ هذا التمييز.

هذا التغيير في طبيعة عمل الإنترنت يهدد وجود الإنترنت كما نعرفه، وهو غير مقيّد بالدول المتطورة وحدها، حيث أن ممارسات مناقضة لمبادئ حياد الإنترنت في انتشار مستمر في الدول الفقيرة أيضًا كما في الدول الغنية. ومن الأمثلة على هذا توقيع شركات چوچل وفيسبوك اتفاقيات مع مزوّدي الخدمة في بعض الدول الفقيرة لتوفير خدمات هذين الموقعين مجانًا للمستخدمين مقابل أن تدفع هي تكاليفها. خدمات مثل (Facebook Zero) و(Google Free Zone) تجد ترحيبًا واسعًا في أنحاء كثيرة من العالم لأنها «مجانية»، إلا أنّها في الواقع تعمل على قتل أي منافسة للشركتين في الأسواق الناشئة، وتعطي للشركات العملاقة أفضلية، أكبر بكثير، من تلك تنالها بعض الشركات في العالم الأول.

قد يعتبر البعض معارضة خدمات الإنترنت المجاني مغالاة في الدفاع عن حياد الإنترنت، لكن الجمعيات الحقوقية في دفاعها عن نفسها تعزو هذه المعارضة إلى أمرين، الأول هو أن هذه الشركات الكبرى عندما توفر نسختها الخاصة من شبكة الإنترنت فإنها إنما تقدم شبكة منتقاة وغير مفيدة، في مقابل استغلال بيانات الفقراء للتجارة بها. والثاني هو أن هذه الخدمات المجانية تضعف المواقع والخدمات المحلية الناشئة والتي لا تمتلك القدرة على منافسة هذه الشركات الكبرى.

قد يقول البعض «فخار يكسر بعضه»، فلماذا علينا أن نهتم بالقرارات الداخلية الأمريكية؟

تستضيف الخوادم (servers) في الولايات المتحدة معظم مواقع العالم، ولذا لا يمكن اعتبار القرار مجرد «شأن داخلي». تشعب الشبكة وتداخلها واتفاقيات التعاون المبرمة بين مزوّدي الخدمة حول العالم ستنشر عدوى تقسيم الإنترنت إلى مسارات بطيئة وسريعة. تخيلوا مثلًا أن على موقعٍ إخباريٍ ناشئ من المنطقة العربية أن يدفع لمزوّدي المحتوى ما تدفعه شركة عالمية بحجم شبكة السي إن إن (CNN) حتى يكون له نفس فرص الوصول.

إذا صدق أجيت باي، المحامي السابق لشركة فيرايزون للاتصالات، ورئيس هيئة الاتصالات الفيدرالية اليوم، بخططه المستقبلية لطي صفحة حيادية الإنترنت، ستصبح الشبكة ملعبًا حصريًا للشركات الكبرى القادرة على الدفع مقابل المسار السريع. وقتها، سيُقنن المحتوى ويُحدد سلفًا، وستصبح الشبكة أشبه بكاتالوج التلفزيون. أما حرية التعبير فستصبح مشكلة بنية تحتية تتحكم بها شركات الاتصالات التي ندفع لها مقابل خدمتها. ولكن في تلك الحال سندفع لها أكثر من أجل الحصول على أقل.