«إنترنت الأشياء»: التقنية مقابل الخصوصية

الأربعاء 10 أيار 2017

في السويد، قبل نحو عامين، وجدت شركة البرمجيات الدقيقة «إيبي سينتر» حلًّا لما اعتبره مديرها «فوضى» تعدّد الكلمات السرية في حياة الأفراد في العصر الرقمي. موظفو الشركة السبعمئة، تمكنوا بفضل هذا الحل من الدخول إلى مبنى الشركة واستخدام الطابعة، وربما شراء القهوة دون استخدام كلمات السر أو البطاقات الممغنطة. لقد استبدلوا كل ذلك بشريحة صغيرة، لكنها تحتاج إلى جراحة في معصم اليد لتوضع أسفل الجلد. بإشارة من اليد ستفتح الأبواب، وتعمل الآلات.

زار مراسل بي بي سي للتكنولوجيا الشركة، وخضع، هو أيضًا، لتلك الجراحة البسيطة. يعتقد روري سيلان جونز أنها مسألة وقت قبل أن تحلّ هذه الشرائح محلّ أجهزة مراقبة النشاط في معاصم اليد، فيت بيت، أو بطاقات البنك أو المرور الممغنطة. «سنعتاد على أن نصبح معزّزين» يقول جونز. «كل شيء بات ممكنًا، سواء أصبح مقبولًا ثقافيًا أم لا أن تضع شريحة إلكترونيّة أسفل جلدك».

تمر المستشارة في قطاع التكنولوجيا ماري فارل على هذه القصة بوصفها «أكثر من قصة حول التكنولوجيا والخصوصية وكيف أننا جميعًا سنخصع لمثل تلك التطورات». في مقالة في صحيفة الغارديان البريطانية، تعتبر فارل إن «هذا الخبر يلخص قصة السلطة والقوة، من يملكها، ومن لا يملكها، وكيف تستخدم». إنها قصة «إنترنت الأشياء»، تقول الخبيرة، حيث الأجهزة، لا الأفراد، هي محور الإنترنت.

لدى ظهور الشبكة العنكبوتية للوجود وحتى سنوات قليلة مضت، كان محتواها  ككل يدور حول الإنسان. الإنترنت هي بالمجمل منتجنا نحن. المعلومات المتوفرة على الشبكة، هي في الحقيقة من الإنسان، وللإنسان، وحول الإنسان. كانت الشبكة تمثل إلى حد بعيد «إنترنت الإنسان».

لكن الحال لم يعد كذلك.

فقبل أكثر من عشر سنوات، كان عدد سكان الأرض يزيد قليلًا عن ستة مليارات إنسان، فيما كان عدد الأجهزة والآلات الموصولة بالإنترنت نحو نصف مليار. كانت تلك حقبة «إنترنت الأفراد»، وفق ما تلاحظ دراسة مبسّطة لشركة سيسكو للتكنولوجيا. لكن بحلول العام 2007 والإعلان عن أول هاتف ذكي ومن ثم التسابق في إنتاج مختلف أنواع الأدوات الموصولة بالإنترنت، قفز عدد الأجهزة الموصولة بالشبكة من نصف مليار إلى نحو 12 مليار جهاز، في حين لم يبلغ عدد سكان الكوكب سبعة مليارات إنسان، وبذلك ارتفعت نسبة الأجهزة للبشر لتصبح أكثر من جهازٍ تقريبًا لكل إنسان. وبعد أقلّ من ثلاث سنوات، وفق تقدير شركة سيسكو، سيبلغ عدد الأجهزة الموصولة بالإنترنت نحو خمسين مليار جهاز. تلك اللحظة التي تغدو فيها أعداد الأجهزة والأشياء على الإنترنت أكبر بكثير من أعداد الأشخاص تسمى حقبة «إنترنت الأشياء».

تعدك تلك الحقبة بالبيت الذكي، حيث تعمل أجهزة التكييف والتبريد في غرفة نومك تبعًا لمجسّات خاصة تشعر بوجودك لتقلل من حجم الطاقة المستهلكة، وحيث تدرك ثلّاجتك ما عليك أكله وترسل معلوماتها إلى أداة أخرى في معصم يدك أو هاتفك فتقيس مدى نشاطك وحاجاتك الغذائية. وحيث يمكن لسيارتك أن تتواصل مع السيارات الأخرى، ومع الطريق وأبراج الطقس وحتى محل التصليح، لتجنّبك أقصى ما يمكن من المفاجآت غير السارة. إنها الأشياء، تنقل البيانات فيما بينها، تحلّلها وتتخذ القرارات بناء عليها وبالنيابة عنك. إنها «الحكمة» كما يخلص المختصون.

لكن هل حقًا نحتاج إلى تلك الحكمة؟ وما الذي عليك «مقايضته» في مقابل الحصول عليها؟ الإجابة ببساطة: بياناتك الخاصة.

وللإجابة عن الشق الأول من التساؤل، أعدّ مركز بيو الأميركي للأبحاث استطلاعًا لعدد من الخبراء في حقل التكنولوجيا حول فوائد ومضارّ هذه «الموجة الثالثة» للإنترنت وهل نحتاجها حقًّا؟ كان السؤال الذي طرح على أكثر من 1500 مستطلعٍ هو: مع تزايد الأجهزة الموصولة بالشبكة والقابلة للارتداء، مثل ساعة اليد التي تراقب النشاط البدني، وغيرها من الإكسسوارات والأجهزة المتصلة بالإنترنت في بيوتنا، هل تعتقد أن إنترنت الأشياء سيكون له فوائد على حياتنا بحلول العام 2025؟

الغالبية الكاسحة من المستطلعين أجابت بنعم، فيما أجاب أقل من عشرين بالمئة بلا. يعتقد المتفائلون أن تزايد تلك الأجهزة في حياتنا بما تحمله من بيانات خاصة عن نشاطنا وعاداتنا وميولنا، وقدرتها على التواصل فيما بينها لاتخاذ القرارات بالنيابة عنا سيرتقي نوعيًا بحياة البشر. سيقلّل، حد الإلغاء ربما، اعتماد الأفراد على الحدس والتخمين لصالح القرارات المبنيّة على البيانات، والتي تتصف بمستوىً عالٍ من الدقة. سيقل حجم الوقت المستهلك في اتخاذ القرارات، وستكون تلك الأدوات أكثر قدرةً على معالجة المواقف التي يمر بها الأفراد والمجتمعات وصولًا لحلها.

لكن ما تبدو أنها أقلية في ذلك الاستطلاع تعتقد أن ثمة حدودًا للمنفعة التي يمكن تحصيلها من الأجهزة والأدوات الإلكترونية. فتزويد علبة الحليب في ثلاجتك الذكية بمجسات تخبرك أثناء تواجدك في المتجر بقرب انتهائها لشراء واحدة جديدة، قد يخدمك، لكنه لن يغيّر حياتك. آخرون يعتبرون أن مثل هذه الأدوات الإلكترونية القابلة للارتداء لن تعدو كونها «ألعابًا في يد الأثرياء».

وهنا يبدو أن سؤال الخصوصية هو الأكثر إلحاحًا مما سواه، في عالم يتطوّر باتجاه تنازلنا عن بياناتنا لصالح أشياء يراد لها أن تدير حياتنا نيابة عنّا.

«لن يكون هناك خصوصية بالمطلق. ولا حتى في الأدغال» يقول الأستاذ في الجامعة التكنولوجية في ماليزيا وأحد المستطلعين، نيك واردين. «لا أحب ذلك. لكن الناس أظهرت على الدوام استعدادها لمقايضة أرواحها مقابل كوبون لتوفير خصم بدولار».

في مقالتها السابقة الذكر في الغارديان، ترى فاريل، أن إنترنت الأشياء القائم على الجمع الأقصى لبياناتنا ومعلوماتنا الشخصية، سيحوّلنا إلى «محاصيل تنتظر الحصاد، وأخطار محتملة يجب التحكم فيها». ففي وقت يتزايد فيه تراجع استجابة الحكومات لطلبات الحصول على المعلومات حول سياستها العامة، وفي وقت تبني فيه الشركات أنظمة معقدة من الملكية تخفي من خلالها أرباحها الحقيقية وهوية مالكيها، نقرر نحن الأفراد طائعين مختارين تعرية أنفسنا تمامًا والتبرع بالكشف عن أدق تفاصيل حياتنا ورغباتنا وميولنا، تقول الخبيرة. بشكل أدق، نحن عراة أمام نفوذ السلطة والمال. لذا، تشدد فاريل على أهمية اعتبار الخصوصية حقًا وليس مجرد «سلعة للرفاهية».

أظهر الناس على الدوام استعدادهم لمقايضة أرواحهم مقابل كوبون لتوفير خصم بدولار.

على أن الملفت في الأمر، أن الأفراد يتبرعون بمعلوماتهم معتقدين أنهم لا يملكون خيارًا آخر. يظنون أنهم، على نحو ما، مجبرون على ذلك، كما يمكن استنتاجه من استطلاع لجامعة بينسلفينا الأميركية. نتائج الاستطلاع وجدت أن غالبية الأميركيين لا يفضّلون كشف معلوماتهم الخاصة للشركات مقابل الخصومات أو خلافه، لكنهم يعتقدون أن تلك الشركات تملك تلك المعلومات على أي حال. وهو ما يجعلهم أقلّ ترددًا في مقايضة معلوماتهم الخاصة جدًا بالخصومات على المشتريات أو مقابل تحميل تطبيقات لا يغيّر غالبيتها كثيرًا في مجرى حياتهم. يبدو الأمر وكأنه إما أن تقبل بالتنازل طواعية عن خصوصيتك لصالح التطبيقات والخدمات الإلكترونية الأخرى أو تحتفظ بها لتخسر قدرتك على التواصل مع مجتمع يعتمد بالكامل على تلك التطبيقات والخدمات.

علاوةً على ذلك، يواجه هذا التطور بحقيقة عدم وجود بنية آمنة تضمن عمل مليارات الأجهزة الموصولة بالإنترنت دون تعرّضها للاختراق والقرصنة للتحكم بها عن بعد من قبل طرف ثالث، كما يلحظ من يُعتقد أنه قد طوّر مفهوم إنترنت الأشياء، سنجاي سامرا. حتى الآن، لا يوجد لا في الولايات المتحدة ولا في أوروبا منظومة تشريعية متكاملة واضحة للتعامل مع التطور في مجال إنترنت الأشياء. لا يزال بوسع كثيرين الدخول لموقع إنسيكام والوصول إلى كاميرات المراقبة للبيوت حول العالم. بوسعهم رؤية ماذا يفعل أحدهم داخل منزله فقط لأنه لم يضع كلمة سر لكاميراته.

ماذا عنا؟

في الواقع حين يتعلق الأمر بالأجهزة الإلكترونية القابلة للارتداء أو أدوات البيت الموصولة بالإنترنت، لا تتجاوز نسبة من يملكون مثل هذه التقنيات 7% في العالم العربي، وفق آخر تقرير لوسائل التواصل الاجتماعي العربية لهذا العام. لكن 47% من المستجيبين في العالم العربي أكدوا أن لديهم تطبيقات على هواتفهم تسمح لهم بالتواصل مع أدوات إلكترونية أخرى.

الملفت أيضًا، هو أن غالبية المستطلعين أكدوا أن أهمية مثل هذا التطور على صعيد تحسين الأداء والفعالية للخدمات الحكومية، مثلا، لا تلغي بعض الهواجس والقلق. ويعتقد المستطلعون العرب أن تزايد أعداد الأجهزة والأدوات المرتبطة ببعضها وبالإنترنت في حياتنا يزيد من حجم المخاطر التي تمثلها حوادث القرصنة وانتهاك الخصوصية. يقول التقرير أن هذا يعدّ مؤشرًا على وجود «مستوى صحي من الوعي في المنطقة بإمكانات ومحددات «إنترنت الأشياء».

وعلى خلاف نظيره الغربي، يبدو المواطن العربي أكثر حرصًا على خصوصيته، وهو ما يشكل تحديًا لانتشار الظاهرة في الوطن العربي وفق ما يمكن استنتاجه من التقرير سالف الذكر. فنحو 44% من المستجيبين أكدوا إغلاقهم أحد حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي خلال فترة الاستطلاع. ثلث المستخدمين يعطلون خاصية تحديد الموقع لدى استخدامهم لوسائل التواصل. 15% من المستجيبين يضعون معلومات غير صحيحة عن أنفسهم على تلك المواقع. و46% يقولون أن لديهم أكثر من حساب على وسيلة تواصل اجتماعي واحدة، ربما لتمكينهم من التعبير عن آرائهم بحرية أكبر. يعرقل هذا النقص في البيانات الدقيقة عن الأفراد على الشبكة العنكبوتية في العالم العربي، وتحديدًا على وسائل التواصل الاجتماعي، تطوّر وانتشار إنترنت الأشياء في المنطقة، كما يلحظ التقرير.

أما على صعيد الحكومات، فيبدو أن معظم الحكومات العربية مشغولة بالتطورات الحاصلة في مجال الإنترنت. لكنه انشغال بكيفية التحكم والسيطرة على هذا المجال. وهو انشغال بتطوير آليات وأدوات تقنية لا تهدف إلى حماية حقوق الأفراد وحرياتهم وخصوصياتهم على الشبكة، ولكن بالعكس، تهدف للحد من تلك الحقوق والحريات، ولم لا، اختراق تلك الخصوصيات تحت مبررات الإرهاب أو الأمن الوطني، وطبعًا حفظ النظام.

صحيح أن هذه الموجة من الإنترنت ليست جديدة، وأننا فعليًا نعيش الكثير من تفاصيلها حاليًا، لكنها بالتأكيد لا تزال في بداياتها. والسؤال الذي لا نستطيع تجاهله مع مثل تلك التطورات المتسارعة هو، أين تبدأ وأين تنتهي حاجتنا للتقنية، وإن كانت تلك الحاجة لا نهائية فإلى أي مدى تبدو مهمّة؟ هل إلى الحد الذي نقايض فيه خصوصياتنا مقابل الحصول عليها؟ وهل لا زلنا نملك الاختيار بين الأمرين؟