حجب مواقع الشركات: «انتصار لكرامة الأردنيين» أم تخبط في تفسير القوانين؟

الجمعة 24 حزيران 2016
الأردن حجب مواقع

تفاجئ محمد رمضان، مدير تطوير الأعمال في شركة «كريف» (CRIF)، بعدم قدرته الدخول على موقع شركته العالمي، ليكتشف أنه حُجب بقرار من محافظ عمان، خالد أبو زيد، يوم الإثنين الماضي.

«كريف» هي إحدى الشركات التي أُدرجت ضمن قائمة حجب أصدرها المحافظ لمجموعة شركات توفر خدمة النفاذ لقواعد بيانات قضائية ومالية. وتجمع الشركة، التي رعى حفل إطلاقها عام ٢٠١٥ رئيس الوزراء السابق عبد الله النسور، معلوماتٍ من البنوك عن التاريخ الائتماني لعملائهم، مثل معلومات عن تسديدهم للقروض أو مستحقات بطاقة الشراء الإلكترونية، وهي معلومات تستخدم لإنتاج تقارير تقييم أداء للعملاء واقتراحات للبنوك عن أفضل نسب فائدة ومدة تسديد، بحسب رمضان.

ما يجمع هذه الشركات هو أنها تبيع لعملائها النفاذ إلى قواعد بيانات أو تقارير مالية خاصة بالمواطنين («كريف» و«المفتش» و«سر»،) أو بيانات التشريعات القانونية وتعديلاتها والأحكام الصادرة من محاكم جنائية ومدنية مثل («قسطاس» و«عدالة»)، أو بيانات لها علاقة بالتاريخ الجرمي للمواطنين مثل («qBank»).

تأتي حادثة الحجب هذه لتضيء على المشاكل البنيوية في قرارات تنظيم المواقع الإلكترونية، والتوسع في تفسير وتطبيق الصلاحيات الإدارية المعطاة سواء لمحافظ العاصمة أو لهيئة الإعلام، دون اللجوء إلى المحاكم القضائية في تنظيم أعمال الشركات.

قراران متناقضان بدون مقدمات

بعد يومين من قرار الحجب، صدر قرار بإعادة تشغيل كل هذه المواقع. بحسب أمجد القاضي، مدير هيئة الإعلام، فقد تشكلت لجنة في وزارة الاتصالات لوضع شروط إعادة تصويب المواقع. لكن محمد داوود، مدير شركة «قسطاس» يقول إنه تم رفع الحجب عن المواقع قبل أن تخاطِب هذه اللجنة شركتَه.

أما وزارة الاتصالات، فأصدرت بيانًا صحفيًا بعد أن رُفع الحجب عن المواقع، تشرح فيه أن هذا القرار جاء بعد أن تبين أن المواقع تعمل بصفة قانونية وتجمع «بيانات غير سرية ومعلنة ومتاحة»، في إشارة إلى المواقع التي تقدم بيانات قانونية. وتذكر وزارة الاتصالات أنه تقرر تشكيل لجنة لتحديد آلية ضبط إجراءات حجب المواقع الإلكترونية التابعة للشركات خلال ٣٠ يومًا من نشر البيان، أي بحلول ٢٢ تموز.

رحلة قرار الحجب سارت بمخاطبة محافظ عمان، خالد أبو زيد، لهيئة الإعلام، التي خاطبت بدورها هيئة تنظيم قطاع الاتصالات، التي مررت القرار لشركات الاتصالات لتنفيذ أوامر الحجب. لكن الجهة الوحيدة التي لم تتم مخاطبتها هي أصحاب المواقع المحجوبة كما صرح محمد رمضان، الذي تفاجئ بحجب موقع شركة «كريف»، على الرغم من أنها لا تنشر على الموقع أيًا من المعلومات الائتمانية التي تجمعها ولا تقدمها لعملائها من خلاله. ويؤكد محمد داوود، مدير شركة قسطاس، كذلك أنه لم تتم مخاطبة شركته «لا عند إصدار قرار الحجب ولا عند إعادة تشغيل الموقع».

رفض محافظ عمان التعليق لحبر على قرار الحجب، مقترحًا التوجه للحديث مع وزارة الاتصالات. أما أمجد القاضي، فقال لفريق حبر إن هيئة الإعلام أصدرت قرار الحجب بعد أن خاطبها المحافظ، لأن المواقع المعنية سببت الضرر للمواطنين وخالفت أحكام قانون المطبوعات والنشر، على حد قوله.

من يقرر الحجب في الأردن؟

منذ أن صدرت تعديلات قانون المطبوعات والنشر في ٢٠١٢ لتنظيم المواقع الإخبارية، توسعت صلاحية إصدار أوامر حجب المواقع التي كانت محصورة في المدعي العام، لتشمل مدير هيئة الإعلام الذي مُنح سلطة إدارية لإصدار أوامر حجب للمواقع الإخبارية غير المرخصة التي سمّاها القانون «المطبوعة الإلكترونية». يعرّف القانون المطبوعة الإلكترونية بأنها «موقع إلكتروني له عنوان محدد على الشبكة المعلوماتية ويقدم خدمات نشر، بما في ذلك الأخبار والتقارير والتحقيقات والمقابلات والتعليقات، ويختار التسجيل في سجل خاص». وبناء على ذلك، فإن المواقع الثلاثمئة التي حجبت في ٢٠١٣ بعد نفاذ فترة تصويب أوضاع المواقع، وغيرها من المواقع التي تحجبها الهيئة لليوم، تصنف كمطبوعة إلكترونية إخبارية.

بالنسبة للقاضي، فقد اندرجت مواقع الشركات هذه والخدمات التي تقدمها تحت تعريف القانون فأصبحت من المطبوعات الألكترونية التي خُوّلت الهيئة بحجبها، لا لعدم اقتنائها ترخيصًا من الهيئة، بل لإضرارها بالمواطنين.

يقول المحامي خالد خليفات، مدير وحدة سند القانونية في مؤسسة حماية حرية الصحفيين، أن لهيئة الإعلام صلاحية وقف أو حجب مطبوعة فقط فيما يتعلق بحصول المطبوعة الإلكترونية على الترخيص أو عدمه، إذا اندرج الموقع تحت تعريف المطبوعة الإلكترونية، وأي قرار حجب لأي سبب آخر كالإضرار بالمواطنين يجب أن يكون ضمن قرار قضائي. «أعتقد أن قرار هيئة الإعلام بحجب مواقع شركات مثل هذه المواقع قابل للطعن»، يقول خليفات.

على الرغم من إعادة تشغيل موقعه، يستغرب محمد رمضان أن تكون هيئة الإعلام، الهيئة المتخصصة في قضايا المطبوعات، هي الجهة التي أصدرت قرار الحجب. أما محمد داوود، فيستغرب أن تكون للمحافظ صلاحية حجب المواقع بالأساس، وأن لا يخاطب مكتب المحافظ الشركات المعنية للاستفسار عن الخدمات التي تقدمها قبل إصدار قرار الحجب. «لم نستطع الوصول للمحافظ فخاطبنا وزارة الاتصالات»، يقول داوود. «خاطبنا أيضًا وزارة العدل ودائرة قاضي القضاة، الذين هم بالمناسبة جهات تستخدم البرنامج [قسطاس]».

صلاحيات المحافظ وخصوصية المواطنين

النصوص الوحيدة التي تنظم صلاحيات المحافظ هي قانون منع الجرائم ونظام التشكيلات الإدارية في وزارة الداخلية، بحسب المحامي ليث النصراوين. تنص المادة ١٠ من نظام التشكيلات الإدارية على أنه من واجب المحافظ «المحافظة على الأمن والاستقرار والسلامة العامة وسلامة الافراد وممتلكاتهم واتخاذ الإجراءات الوقائية اللازم لذلك، والمحافظة على النظام العام والآداب العامة وتأمين راحة العامة». لكن  المحافظ توسع في تفسيره للأمن العام، بحسب النصراوين، ليلاحق لشركات مسجلة لدى الصناعة والتجارة أبرمت اتفاقيات شرعية مع وزارة العدل والمجلس القضائي الأردني. يكمل النصراوين بأن على المحافظ أن يراقب الممارسات والتصرفات والسلوكات التي قد تفضي إلى جريمة، ولا يجب أن تتسع صلاحياته للمراقبة على قوانين أخرى سمحت لهذه الشركات بالعمل. يؤكد محمد داوود أن «قسطاس» أبرمت اتفاقيات مع وزارة العدل والمجلس القضائي ودائرة قاضي القضاة قبل إنشائها. أما شركة «كريف» للمعلومات الائتمانية، فنشأت حسب قانون البيانات الائتمانية بموافقة من البنك المركزي الأردني وطبقا لأحكام قانونًا المعلومات الائتمانية، ونظام شركات المعلومات الائتمانية.

المحافظ اعتبر، في حديث مع وسائل إعلام أخرى، أن ما تقوم به هذه الشركات من نقل المعلومات الخاصة بالأردنيين وأرشفتها و«المتاجرة بخصوصيتهم»، هو «خرق للحياة الخاصة للأردنين والمنشآت العاملة في المملكة»، سيتسبب في «التشهير بهم والإضرار بمصالحهم وأعمالهم، والذي قد يفضي لتعثرهم بحرمانهم من الحصول على التمويلات والتسهيلات التجارية».

بحسب المحامي خالد لخليفات، فإن المواقع التي توفر خدمة القوانين وقرارات الأحكام القضائية لا تنتهك الحياة الخاصة للمواطنين، فعلى جميع التشريعات والأنظمة والقوانين أن تكون عامة. أما الأحكام القضائية «فبمجرد أنها أصبحت قطعية فهي ملك للعامة، يجوز نشرها وتداولها والاستفادة منها ودراستها، سواء من قبل قانونيين أم غير قانونيين»، يقول خليفات.

أما فيما يتعلق بخصوصية المعلومات الائتمانية، فقد أنشئت شركة «كريف» وفقًا لقانون المعلومات الائتمانية الذي يعطي العميل حق الحصول على تقرير ائتماني مرة سنويًا، وحق الطعن في صحة المعلومات المزودة عنه والتعديل عليها. بحسب القانون نفسه، على البنك الحصول على تصريح خطي من العميل قبل طلب تاريخه الائتماني. لكن محافظ البنك المركزي وجه تعميمًا للبنوك في نهاية عام 2015  بأن تزوِد البنوك شركة «كريف الأردن» بالمعلومات الائتمانية للعملاء دون حصولها على تصريح اطلاع مسبق من قبلهم.

المادة ٨ من قانون المعلومات الائتمانية تحظر أن تقدم الشركة أي معلومات ائتمانية أو أن تصدر أي تقرير ائتماني يخصّ العميل إلا بعد التحقق من وجود تصريح اطلاع صادر عنه لمقدم الائتمان»، لكنها تعفي مقدم الائتمان من ذلك «بنكًا أو شركة تأمين أو أي جهة أخرى يوافق عليها المحافظ [محافظ البنك المركزي]». كما أن قانون البنوك ينص في المادة ٧٤ على أن شرط موافقة العميل الخطية لا يؤخذ به إن كانت المعلومات المتداولة «لازمة لتعلّقها بسلامة العمل المصرفي وذلك فيما بين البنوك والبنك المركزي، ومنها المعلومات التي تخص مديونيات العملاء أو الشيكات المرتجعة بدون تسديد».

ما زال الجدل قائمًا حول انتهاك الحيز الخاص والمتاجرة بالمعلومات الشخصية وقانونية مشاركتها، ليس في الأردن وحده، ولكن حول العالم. بحسب المحامي ليث النصراوين، فحتى وإن كانت هذه الشركات تعمل بشكل غير قانوني خارج الاتفاقيات وتنتهك خصوصية المواطنين، فهذه جريمة يجب أن تحال إلى القضاء لا إلى قرارات إدارية. عادت المواقع الست للعمل، لكن تفاصيل حجبها تسلط الضوء الخلل في محاولة تنظيم المواقع الإخبارية الإلكترونية عندما يتسع تفسير معنى «المطبوعة الإلكترونية» ليشمل مواقع الشركات، كما تضيء على الأزمة التي يسببها تداخل السلطات التشريعية والتنفيذية، حين يُسمح للأجهزة الإدارية بإصدار الأحكام بناءً على اجتهادها الخاص في تفسير القوانين.