ملف: حيادية الإنترنت، والانقلاب عليها

ملف: حيادية الإنترنت، والانقلاب عليها

الأحد 17 كانون الأول 2017

نهاية الأسبوع الماضي أعلنت الهيئة الأمريكية الفيدرالية لتنظيم قطاع الاتصالات (FCC) أن شبكة الإنترنت لم تعد تصنّف بوصفها «مرفق عام». يأتي قرارها هذا بعد نقاش ابتدأته الهيئة قبل قرابة الشهر بشكل رسمي للعودة عمّا أسمته «قرار الإنترنت المفتوح 2015» والذي يضمن مبدأ حيادية الشبكة؛ أي يمنع الشركات المزوّدة للخدمة بتفضيل محتوى على آخر على خدمة النطاق العريض (broadband). إلّا أن هذا النقاش بدأ فعليا منذ بداية العام، مع استلام رئاسة الهيئة من قبل العضو في الحزب الجمهوري الأمريكي آجيت باي القادم من خلفية تتفق مع مصالح الشركات الكبرى، وأحد أعضاء مجلس الهيئة الذين صوتوا ضد تعديلات 2015. أثار القرار ردود فعل واسعة ما بين مؤسسات المجتمع المدني والشركات، والأفراد الناشطين في مجال حقوق المستخدم وحرية الإنترنت.

ما الذي يعنيه هذا القرار؟

في العام 2015، صوّت مجلس الـ(FCC) على إعادة تصنيف خدمة النطاق العريض، وهي تقنية نقل بيانات، من «خدمة معلوماتية» إلى «مرفق عمومي»، في خطوة اعتبرت أساسية لحماية أحد أهم مبادئ شبكة الإنترنت، وهو الحيادية. ترتب على هذا القرار منع أي مزوّد لتلك الخدمة من أن يؤثر على حيادية الشبكة (أي أن يفضل محتوى على آخر) بحيث يتحكّم بسرعة بث مسلسلات نتفلكس مثلًا على حساب شبكة (HBO) لأن نتفلكس دفعتْ أكثر مقابل أن تحصل على سرعة أعلى.

العودة عن تعديلات 2015 تعطي مزودي الخدمة (ISPs) حرية التلاعب بسرعة المحتوى الذي يصل للمستخدم حسب الثمن الذي تدفعه الشركات صاحبة المحتوى. ويقضي هذا على فرصة الشركات الناشئة في الوصول للمستخدمين مثلما هي فرص الشركات الكبرى التي تستطيع أن تدفع مقابل أن تسيّر بياناتها في المسارات السريعة مثلا. ومن المتوقع ألا يقتصر الموضوع على الإسراع والإبطاء، بل لن يعود من الممنوع حجب المواقع أو التضييق على محتوى معيّن، رغم نفي بعض الشركات لهذا.

نتيجة لهذا القرار سيُسمح لهيئة التجارة الفيدرالية (FTC) تطبيق قوانين عدم الاحتكار على مزوّدي النطاق العريض إن قاموا بممارسات غير تنافسيّة، وهي الطريقة الأفضل لحماية المستخدم والمستثمر معًا بحسب باي. يتطلّب القرار أيضًا من مزودي النطاق العريض أن يعلنوا للعامة إن قاموا بحجب أو إبطاء محتوى معين، أو إن وافقوا على عرض من شركة ما لزيادة سرعة محتواها، فقط، دون منع ذلك. وسيتم التأكد من تعامل الشركات مع موضوع الحجب والتسريع بشفافية بالتعاون ما بين الـ(FCC) والـ(FTC)، حيث وقعت الهيئتان مذكرة تفاهم مفادها أن ال(FCC) ستتعامل مع شكاوى المستخدمين المتعلقة بالتزام مزودي الخدمة بالتعليمات الجديدة التي تتضمن الشفافية والإعلان عن سياسة المزود بحجب، أو تفضيل، أو تسريع محتوى على حساب آخر. أما الـ(FTC) فستتعامل مع مساءلة مدى دقة شفافية وصدق المزودين فيما يعلنونه، بالإضافة للتعامل مع أي مخالفات تجارية تبدر منهم. لكنّ رئيسة هيئة التجارة، في تصريح لها لمجلة (Wired)، تقول أن الهيئة هي سلطة تنفيذية وليس تشريعية. أي أن الهيئة لا تستطيع أن تمنع الضرر قبل وقوعه، ولا تستطيع منه حجب المواقع أو التضييق على محتوى الذي قد تقوم به أي شركة مزودة لخدمات الاتصال.

هذا القرار جاء بعد دعوة للاستشارة العامة طرحتها الـ(FCC) حول الموضوع. ومن ردور الأفعال على هذه الخطوة: دعوات بعض مؤسسات المجتمع المدني للمواطنين للتواصل مع نوّابهم وإخبارهم بمعارضة القرار، بالإضافة لسيل هائل من التحليلات التي تحاول تبيان الآثار السلبية الهائلة لهذا التعديل على حرية الإنترنت وتساوي الفرص داخله؛ مثل التطرق لحالة دول لا تحمي حيادية الإنترنت، مثل البرتغال، حيث صار مزودو الخدمات يبيعون الاتصال بالإنترنت على شكل تصنيفات؛ ادفع تحصلْ على اتصال أكبر بمحتويات الشبكة. ومساءلة ما يدعيه آجيت باي وغيره من أن قانون حيادية الإنترنت يؤثر سلبًا على الاقتصاد. ودعوات أخرى لتأجيل البتّ بقانون حيادية الأنترنت لحين التحقيق في شكوك للتلاعب بنزاهة التعليقات على الاستشارة العامة بسبب وجود تعليقات زائفة وآلية (Comments by bots).

بعد تطبيق القرار، ربما سيرى المستخدم الكثير من أفعال التمييز في المحتوى. لكن الأمور لم تحسم بعد. ربما ترفض المحكمة التعديلات التي اقترحتها الـ(FCC)، حيث أن العديد من المؤسسات بدأت بتجهيز نصوص دعاويها القضائية.

حاولنا في هذه المقدمة التعريج على ما يدور مؤخّرًا في الولايات المتحدة بخصوص ما يعرف بحيادية الإنترنت، وقانون الإنترنت المفتوح، وتبعات التغيير عليه. من خلال هذا الملف، نعرض موادًا منشورةً في السابق تشرح مبدأ حيادية الإنترنت وأهميته لجميع الناس.