على الإنترنت، أنت صُرة من النقود

الخميس 24 آب 2017

«على الإنترنت، لا أحد يعرف أنك كلب».

جاء هذا العنوان في كاريكاتير نشرته مجلة النيويوركر عام 1993، يظهر فيه كلبان، أحدهما يجلس خلف شاشة كمبيوتر ويستخدم هذه العبارة -بتعابير وجه تنم عن الرضا- واصفًا الإنترنت لكلب آخر يجلس بجانبه على الأرض.

لعشرات السنوات بعد انتشاره، كان هذا الكاريكاتير يحضر في أي لقاء أو حوار يحاول تفسير ماهية الشبكة. كان ذلك منطقيًا. لامركزية الشبكة وانتشارها كمساحة حرة سمحت للمستخدمين بممارسة الحق في أن يكونوا مجهولي الهوية. لكن رسام الكاريكاتير لم يعلم حينها أنه بعد 25 عامًا من نشره ستكون الحكومات والشركات قد سلبت حقنا في المجهولية على الشبكة، الأولى تحاول أن تخترق خصوصيتنا تحت ذريعة محاربة الإرهاب، والثانية تنظر إلى هوياتنا والدفين من أفكارنا ورغباتنا كفرص لجمع المزيد من الأرباح.

عام 2012، كشفت الوول ستريت جورنال أن موقع أوربتز السياحي يُظهر لمستخدمي أجهزة آپل نتائج بحث لغرف فنادق أعلى سعرًا بـ 30% مما يظهره لمستخدمي أجهزة الويندوز. لم تنكر شركة أوربتز حينها أن خوارزميات الموقع لا تعامل جميع المتصفحين سواسية، لأنها تفترض أن مستخدمي آپل على استعداد لدفع 20-30% أكثر من مستخدمي الويندوز.

انتشر الإنترنت، وكسر سلطة لصقة التسعير الورقية باستبدالها بلواصق رقمية، وخوارزمية تُحدثها تلقائيًا، لا تحتاج إلى موظف يستبدلها واحدة واحدة

تُعلمنا اقتصاديات السوق المفتوح أن أسعار السلع تتغير حسب العرض والطلب: سعر تذاكر الطيران ترتفع كلما اقترب وقت الإقلاع وقلت المقاعد الفارغة، وسعر جريدة اليوم في الصباح ينخفض في المساء لتدني قيمة أخبارها بعد مرور وقت عليها. لكن اليوم، ومع إحاطتنا بأجهزة تنتج معلومات عنا من جنب وطرف، نعرف القليل جدًا عن الطرق التي تستثمر بها الشركات ما ننتجه من بيانات عن شخوصنا، وأماكن عملنا، وصداقتنا ومشاعرنا تجاه الأشياء لجني الأرباح وتسعير الخدمات والمنتجات. نعرف القليل جدًا عن كيف حوّلت فيسبوك تلك الـ«لايك» التي وضعناها على منشورات أصدقائنا إلى بضعة قروش.

كسر سلطة التسعيرة الورقية

في بداية القرن التاسع عشر وقبل اعتماد نظام  بطاقة السعر الملتصقة بالسلعة، كان ثمن السلعة في متاجر التجزئة يعتمد على مهارات مساومة المشتري والبائع، فعندما كان يسأل المشتري عن ثمن سلعة، يرد البائع بسؤال «ما هي قدرتك؟». في الولايات المتحدة، وجد أصحاب متاجر البيع بالتجزئة المنتمين إلى جماعة الكويكرز الدينية لا عدالة في المساومة كأساس للتسعير، فضلًا عن الكلفة الباهظة للتدريب الذي يخضع له موظف البيع لإتقان مهارة المساومة حتى يحقق أقصى أرباح ممكنة من كل زبون. لصقة السعر كان قد قدمها أحد تجار الكوكيرز في ولاية فيلادلفيا الأمريكية في 1861، جون واناميكر، بوضعها على جميع بضاعة متجره مع شعار «إن كان الجميع سواسية أمام الله، فالجميع سواسية أمام السعر». من ذلك الحين ولمدة 150 عامًا اعتُمِدت لصقة السعر كآلية لتحقيق العدالة «السعرية» بين المواطنين.

انتشر الإنترنت، وكسر سلطة لصقة التسعير الورقية باستبدالها بلواصق رقمية، وخوارزمية تُحدثها تلقائيًا، لا تحتاج إلى موظف يستبدلها واحدة واحدة. شركة كوكا كولا كانت أول من حاول استغلال تدني كلفة وسهولة تغيير السعر على الشاشات الرقمية. ففي 1999، اقترح مدير شركة كوكاكولا وضع ميزان حرارة على ثلاجات بيع الكولا الفورية لأنه «من العدل فقط»، حسب قوله، أن يتغير سعر علبة الكولا طرديًا مع درجة الحرارة، كون الطلب عليها يتزايد. تراجعت الشركة عن الفكرة بعد أن سلّط الإعلام وزبائن كوكاكولا غضبهم على الشركة.

لم تدرِ الشركة أنها كانت سيئة الطالع حينها. بعد انتشار الانترنت وانتقال الكثير من المشتريات من نافذة البيع إلى شباك المتصفح، اجتاح التسعير المتذبذب للسلع كل متاجر التجزئة الرقمية وخصوصًا مواقع بيع تذاكر الطيران التي تتغير أسعار التذاكر فيها بالساعة. أصبح من المعروف أيضًا أن أسعار التذاكر على المواقع السياحية يوم الأربعاء تصبح أعلى من أي يوم عمل آخر، لأنه اليوم الذي يبدأ الناس فيه بتخطيط عطلة نهاية الأسبوع. وفي مثال آخر، رفعت شركة أوبر أجرة النقل بمقدار 400% خلال إضراب عمال قطارات المترو في لندن.

اليوم، لا يعتمد تذبذب السعر الرقمي على خوارزمية العرض والطلب فحسب، أو استغلال الشركات الأحوال الجوية والسياسية. شركات الطيران مثلًا تريد معرفة إن كان سفرك اضطراريًا لترفع أسعار تذكرة الطيران وهي تعلم أنك ستشتريها بأي سعر. كلما ازدادت البيانات التي نتركها، يتزايد الراكضون خلفها من الحكومات أو السماسرة لربطها وتحليلها وتصنيفها.

في افتتاحيته، يقول تقرير «صعود رأس مال البيانات»، والذي أعده معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) بالتعاون مع شركة أوراكل: «البيانات الآن نوع جديد من رأس المال، وهي على نفس مستوى رأس المال بما يتعلق بتوليد منتجات وخدمات رقمية جديدة». يدعو التقرير جميع الشركات إلى أن تحذو حذو شركات مثل أمازون وجوجل وأوبر في استثمارها في خوارزميات تستخدم البيانات الضخمة للتنبؤ بالسلوكيات الشرائية وتخطيط استراتيجياتها التسويقية. فيسبوك مثلًا وظفت معلومة تحديد عائلتك من أصدقائك حتى تمكّن المعلنين من استهداف عائلة بأكملها، كون العائلة مجموعة مؤثرة على قرارات الفرد.

تقترح أمازون لك الكتب التي قد تريد قراءتها بالنظر إلى تاريخك الشرائي للكتب، أو الاقتباسات التي تحددها من الكتب الإلكترونية إن كنت تستخدم كندل (Kindle)، القارئ الإلكتروني التابع لها، أو تقييمك ومراجعتك للكتب على موقع جود ريدز (GoodReads) إن قمت بإضافة حسابك إلى جهاز الكندل ذاته. لكنها أيضًا تخطط لأن ترسل إليك الكتاب الذي تنبأت خورازميات أمازون بأنك ستشتريه قبل أن تطلبه. ففي 2014، سجلت أمازون براءة اختراع لنظام توصيل المنتجات التي من المحتمل أن يكون الناس بحاجتها في أماكن مختلفة. تصلك السلعة على باب بيتك دون أن تطلبها، وإن لم تكن بحاجتها، تعرض عليك أمازون خصمًا أو من الممكن أن تعطيك اياها دون مقابل.

يبدو أن التسويق التنبؤي هو مستقبل التسويق الذي تطرحه الشركات الكبرى ومتاجر البيع بالتجزئة حتى تحاكي احتياجاتنا الفردية. يساعد هذا التنبؤ الأدوات التي تنتجها وتسوقها الشركات حتى تستطيع جمع أكبر قدر من البيانات عن الهويات (كما في كندل) وحتى الصحة الجسدية (كما في ساعة فت بت FitBit). يجرب متجر كول النمساوي حاليًا التنبؤ باحتياجات المنازل الفردية من البقالة من خلال جهاز إلكتروني بحجم الكف، يسجل أفراد المنزل عبره ما يحتاجونه في جولة الشراء المقبلة. فيمرر الفرد بار كود علبة الحليب عبر الجهاز، لتضاف تلقائيًا إلى قائمة الشراء الإلكترونية التابعة للمنزل. بحسب التقرير، لا يجمع كول فقط معلومات عن المواد التي يحتاجها المنزل، بل أيضًا معلومات عن الأوقات والطرق التي يجمع بها الأفراد قائمة مشتريات البقالة المستقبلية. إذًا، السيناريو المتوقع هو أن يقوم هذا الجهاز بإشعارك أن علبة الحليب الذي اشتريتها قبل ثلاثة أيام قاربت على الانتهاء، وأن لدى كول الآن خضم على علبة الحليب من ماركة معينة. «هل تريدها؟»، يسألك الجهاز. ستكبس نعم، وستصلك العلبة في اليوم المقبل.

كيف تتم عملية سمسرة البيانات؟

وأنت تقرأ هذا المقال، أو أي مقال آخر، على متصفح هاتفك أو كمبيوترك، فعلى الأغلب أن ملفات صغيرة  تسمى المتعقبات (trackers) خُزّنت على جهازك، وهي تجمع معلومات عنك حسب ما يقرره الموقع. بعض هذه المتعقبات يعرف بالكوكيز (cookies). بعضها حميد، كتلك التي تجمع معلومات عامة عن حركة المرور على الموقع حسب البلدان، أو مدة قراءة مادة واحدة، أو نوع الأجهزة التي يدخل القراء عبرها للموقع. ومن هذه المتعقبات ما هو ضروري تقنيًا لتشغيل خدماتها، مثلًا لن يستطيع تطبيق خرائط أن يرسم لك طريق وجهتك دون أن يجمع معلومات عن مكانك من خلال تتبع GPS. معظم هذه المتعقبات تحاول أن تميّز هويتك عن ملايين المتصفحين في العالم، عبر معلومات مثل تاريخ تصفحك ومكان سكنك ولغتك وآخر كلمات مفتاحية قمت بإدخالها على متصفحات البحث والتطبيقات التي تنزلها على جهازك. لا شك أنّك تذكر تلك المرة التي ظهرت فيها دعاية على فيسبوك لمنتج أو خدمة كنت تبحث عنها في جوجل؟

تدير هذه المتعقبات جهات ثالثة تسمى سماسرة البيانات، تبيع ما تجمعه من بيانات لشركات مهتمة باستهدافك بإعلاناتها. وُجد مثلًا أن جوجل وفيسبوك وتويتر من أكبر سماسرة البيانات كونها المواقع الأكثر تتبعًا للمقالات التي نقرأها على الإنترنت في مواقع مختلفة. جوجل وحدها، من خلال خدمة Google Analytics وشركتها الفرعية Doubleclick، تتبع أكثر من 70% من متصفحي أكثر مليون موقع زيارة في العالم. وُجد أيضًا أن 70% من التطبيقات التي تحمّلها على موبايلك ترسل معلومات شخصية عنك لسماسرة البيانات، أكبرها شركات التواصل الاجتماعي التي تم ذكرها مسبقًا.

في الواقع، أثناء تحميلك التطبيق والضغط على «أوافق» على سياسة الخصوصية، تكون قد منحت التطبيق موافقتك على جمع هذه البيانات من هاتفك وأعطيته الحق بمشاركتها مع جهات ثالثة.

هناك أيضًا شركات تحاول أن تربط قواعد بيانات وسجلات حكومية عامة، وتشتري بيانات من تجار التجزئة، والمؤسسات المالية، ووسائل الإعلام الاجتماعية وغيرها من المصادر، وتدخلها إلى خوارزميات تحلل إن كنت حاملًا بطفل أم تبحث/ين عن علاقة أم تحاول/ين تخفيف وزنك. ثبت مثلًا أن فيسبوك لا تبيع فقط بيانات مستخدميها بل تشتري بيانات إضافية عنهم من جهات ثالثة، مثل دخلهم السنوي أو أقساطهم البنكية أو عاداتهم الشرائية.

هذه الجهات الثالثة تشمل شركات مثل Experian التي تجمع قوائم لأناس مروا بحدث غيّر حياتهم: أصبحوا آباء جدد، أو امتلكوا منزلًا جديدًا. أما Epsilon، فتعرض قوائم بيانات لأشخاص حسب هواياتهم، مثلًا من منهم يحب أن يقرأ قصصًا عاطفية. أما شركة Datalogic، وهي شركة فرعية من أوراكل، فتشّخص المستخدمين حسب بيانات مشترياتهم التي تعكس حالة صحية أو أي مشاكل شخصية، أو مشتريات مثل حبوب تخفيض الوزن. Acxiom تبيع بيانات تعكس مدى هوس الأفراد بالبحث عن وصفة دواء أو مرض معين لتشخيصهم صحيًا، ولنا أن نتخيّل مدى فرحة شركات التأمين الصحي بمثل هذا النوع من البيانات.

من المهم أن نعرف أنه لا يوجد شركة واحدة لديها قاعدة بيانات شمولية عن حياتنا ورغباتنا، وأن معظم هذه التصنيفات التي يقوم بها سماسرة البيانات هي نتائج لخوارزميات تحلل البيانات الضخمة وتتنبأ باحتياجاتنا.

تشخيص البيانات والعدالة الاجتماعية

في كتابها «أسلحة دمار الرياضيات: كيف تزيد البيانات الضخمة من اللاعدالة وتهدد الديمقراطية»، تذكر كاتي أونيل أمثلة عديدة عن كيفية تعزيز هذه الخوارزميات لمشاكل بينوية متعلّقة بالعدالة الاجتماعية وبتضييق الدوائر التي نعيش بها وبفرصنا في أخذ قرارات واعية. لا تهدف هذه الخوارزميات إلى التنبؤ بسلوكياتنا فقط، بل إلى توجيهها أيضًا، فعلى سبيل المثال، تذكر شركة Accenture التي تجمع بيانات ضخمة هدفها كالتالي: «نمذجة المشترين في السوبرماركت». حسب الشركة، «سيكون هناك المشترون التلقائيون الذين يشترون من الحلوى المرتبة على رفوف الدفع، وأولئك المهووسين بالصحة والمستعدين لدفع مبلغ مقابل كرنب عضوي». تحاول الشركة أن تعرف مَن مِن المشترين قد يكون مخلصًا لعلامة تجارية معينة، ومن منهم مستعد للانتقال إلى علامة أخرى مقابل خصم ولو قليل. تقول أونيل إن هدف الشركة هو التنبؤ بثمن الكوبونات التي يتعين على شركات معينة تزويدها للمشترين الأكثر استعدادًا لتغيير العلامات التجارية التي يستهلكونها عادة.

تتعمق أونيل في وصف التداخل بين سماسرة البيانات والسياسة والسلطة التي قد تجنيها الشركات نتيجة جمعها بياناتنا. وتذكر أن من ترأس دائرة البيانات الضخمة في Accenture انتقل للعمل في حملة انتخابات أوباما عام 2012 لأنه وثق من قدرته على توظيف مهاراته في ابتداع آليات لتغيير سلوكيات المشترين المترددين إلى تغيير سلوكيات مجموعة المنتخبين المترددين، وهم الذين تراهم أي حملة انتخابية كمجموعة ذات قيمة عالية جدًا لقدرتها في توجيه النتائج النهائية.

الخوارزميات التي تستخدمها الشركات تعزز من التفرقة العنصرية والتهميش ضد فئات معينة

في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2012، درس باحثو فيسبوك كيف تؤثر التحديثات المختلفة على التايملاين على السلوك الانتخابي للأفراد. على الرغم من أن شركات مثل فيسبوك وجوجل وأمازون تركز في حصاد هذه البيانات على جني الأرباح، إلا أن أرباحها تتأثر أيضًا بالقرارات والسياسات الحكومية التي يمكن مثلًا أن تزيد من الضرائب المفروضة عليها أو توقف توسع صفقاتها. «ولهذا نرى أن شركات التكنولوجيا، مثل كل القطاع الخاص في أمريكا، تُغدق واشنطن بمجموعات الضغط وتصب، بهدوء، ملايين الدولارات كمشاركات في النظام السياسي. الآن يحصلون على وساطة لصقل سلوكياتنا السياسية فقط من خلال تغيير خوارزمياتهم»، تقول أونيل في كتابها. أنفقت جوجل في الأشهر الثلاثة السابقة وحدها ما يقارب ستة ملايين دولار على مجموعات الضغط التي تعمل في أروقة إدارة ترامب.

كشفت مجلة «بروببلكا» الاستقصائية في سلسلة تحقيقات لها أن الخوارزميات التي تستخدمها الشركات تعزز من التفرقة العنصرية والتهميش ضد فئات معينة. ففيسبوك تسمح لمعلني العقار الذين يستخدمون منصتها أن يستثنوا فئات من أصول أفريقية أو لاتينية من الوصول إلى إعلاناتهم، وخوارزميات شركات تأمين السيارات في أربع ولايات تظهر أسعارًا أعلى للأمريكان من أصول أفريقية على أقساط التأمين.

كلما تقدمت التقنيات الممكنة لجمع البيانات الشخصية وقلّت تكلفة ربطها وإدراجها ضمن خوارزميات تجارية، تصبح آلية جمع ومعالجة البيانات أكثر هدوءًا وأقل مرئية. يقول سماسرة البيانات أنه لا يمكنهم جعل خوارزمياتهم والأسس المبينة عليها معروفة للعامة، لإنها أساس أرباحهم. لكن معالم الخوارزميات المغلقة تظهر أحيانًا في حوادث تسببت بضرر مباشر، مثل الأب الذي وصله بريد دعائي من شركة تجهيز أدوات مكتبية OfficeMax يقول عنوانه «إلى مايك سيلي، قُتلت ابنته بحادث سيارة». عندما راجع الشركة، وضعت الشركة اللوم على سماسرة البيانات الذين اكتشفوا بأن ابنته توفت في حادث سيارة العام الماضي فصنّفو سيلي على هذا الأساس.

حتى الآن لم تلحق التشريعات المعنية بحماية بالبيانات، حتى في الولايات المتحدة وأوروبا، بتنظيم البيانات الضخمة قانونيًا. ولكن، على الأقل، ما زالت تُقيّد من قبل مؤسسات مستقلة بقوانين حماية البيانات التي تضمن الحد الأدنى من خصوصية المستخدم. مثلًا، لأن الولايات المتحدة هي بلد المنشأ لمعظم سماسرة البيانات، قامت هيئة الاتصالات الفدرالية الأمريكية بإجبار سماسرة البيانات على إعطاء المستخدمين حق معرفة البيانات التي يتم جمعها عنهم من مختلف الأجهزة، وتوفير أدوات تمكنهم من الاعتراض على هذا التتبع. تستطيع من خلال موقع National Advertising Initiative أن تجري مسحًا على عدد المتعقبات التابعة لجهات ثالثة على متصفحك، وتخرج من متعقباتهم التي تُصمم الإعلانات حسب اهتماماتك. أيضًا طورت المتصفحات خاصية «Do Not Track» لإبلاغ سماسرة البيانات في عدم رغبتك في تتبعهم لنشاطاتك التصفحية، وتحميل متعقبات على متصفحاتك تحاول الوصول إلى هويتك. أما في بريطانيا، فصرّحت الهيئة المراقبة على قانونية التجارة بالبيانات بعدم قانونية الاتفاق بين شركة DeepMind التابعة لجوجل، والمجلس البريطاني للصحة في تبادل البيانات الصحية.

في المنطقة العربية، هناك القليل جدًا من المعلومات حول ما يفعله القطاع الخاص (شركات التأمين وشركات الاتصالات والمستشفيات) أو العام ببياناتنا. يعود ذلك إلى ضعف المنظومة التشريعية الحامية لحق المواطن في الخصوصية أمام الشركات المحلية أو العالمية. كما أن مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي والبريد الإلكتروني، أو حتى الأدوات المرحة مثل ساعة الفت بت والتلفزيونات الذكية في المنطقة العربية، يسقطون من منظومة التشريع في بلد المنشأ، التي تحمي فقط السكان أو المواطنين.

تتجه العديد من الحكومات في المنطقة العربية إلى تطبيق نظام بطاقة الأحوال المدنية الذكية التي -إلى جانب إلى جمعها للبيانات العضوية مثل بصمة العين والإبهام- تربط قواعد بيانات التأمين والضمان الاجتماعي وتاريخ المخالفات، مع احتمالية ربط القطاع الخاص بالهوية أيضًا، دون أي معلومات واضحة عن تنظيم النفاذ إلى هذا الكم الهائل من البيانات.

وبالرغم من أن مقولة «على الإنترنت، لا أحد يعرف أنك كلب» بطُلت الآن، علينا، على الأقل، أن نحمي حقنا في خصوصية بياناتنا، سواء من القطاع العام أو الخاص. تشريعات مثل قانون حماية البيانات، مثلًا،  تطور حاليًا لا لحماية خصوصية المستخدمين، بل لفتح أسواق الاستثمار بخوادم البيانات الكبيرة في المنطقة العربية، فتم دفع شركة مايكروسفت لتكون أحد مصممي قانون حماية البيانات في الأردن، وتم استثناء المجتمع المدني.

إن كان هناك أي شيء يمكن أن نفعله الآن، فهو التركيز على قوانين حماية البيانات في منطقتنا العربية، والدفع نحو مطالبة الشركات بممارسة حقنا في الاستعلام عن ما تجمعه من بيانات وطرق استخدامها.  وعلى صعيد آخر، فإن قراءة ما توّفر من سياسات خصوصية التطبيقات التي نستخدمها، واستغلال ما يمكن استغلاله من الأدوات التي تحجب هويتنا مثل متصفحات «تور»، قد تساعدنا أيضًا على المحافظة على ما تبقى لنا من خصوصية.