فيسبوك: نحن وسؤال الخصوصية الكبير

الإثنين 16 نيسان 2018
مارك زوكربيرغ في جلسة الاستماع أمام الكونغرس الأمريكي. مصدر الصورة: أسوشيتد برس، تصوير: أندرو هارنيك.

منذ ولادته، بوصفه موقعًا للتواصل الاجتماعي في غرفة سكنٍ جامعي تابع لجامعة هارفارد الأميركية قبل 14 عامًا، كان الفيسبوك، ولا زال مساحة مثيرة للجدل. أولى السقطات في مسيرته كانت متعلّقة بالفكرة المؤسسة للموقع نفسه، حيث تقدّم ثلاثة طلاب من هارفارد بدعوى قضائية ضد زميلهم، مارك زوكربيرغ، بتهمة سرقة فكرة فيسبوك منهم. انتهت القضية بتسوية مالية، دفعت لهم بموجبها شركة فيسبوك عشرين مليون دولار نقدًا، ومليونًا آخر على شكل حصص في الشركة. على أن تلك لم تكن سوى بداية أزمات متلاحقة سيعايشها الموقع الذي بلغ عدد مستخدميه الآن أكثر من ملياري إنسان.

في عام 2006 غيّر فيسبوك إعدادات الصفحة الرئيسة، الـ«News feed»، جاعلًا بعض معلومات المستخدمين الخاصة، مثل وضعهم العاطفي، متاحةً للعموم. حدث ذلك دون إخطار المستخدمين وأخذ موافقتهم المسبقة. لاحقًا، علّق فيسبوك على هذه الخطوة معتذرًا، عقب احتجاج وغضب عدد من المستخدمين: «لقد أخطأنا في هذه أيضًا، وأخطأنا أكثر في عدم توفيرنا أدوات التحكم اللازمة لمستخدمي تلك الخاصية».

وفي عام 2007 عاد الموقع ليثير الجدل من جديد بإعلانه عن برنامج «بيكون» الذي جعل من نشاطات المستخدمين خارج فيسبوك، مثل إعجابهم بالصفحات الخارجية، متاحة على الصفحة الرئيسة ليراها سائر أصدقائهم، ودائمًا دون موافقة المستخدمين المسبقة. مرّة أخرى، اعتذر فيسبوك، ثم ألغى البرنامج بعد أقل من سنتين عقب رفع أحد المتضررين دعوى قضائية انتهت بتغريم الموقع نحو عشرة ملايين دولار.

وفي عام 2009 نبّه اتحاد الحريات المدنية الأميركي إلى خطورة الاختبارات القصيرة «Quizzes» التي تظهر لمستخدمي الموقع على الصفحة الرئيسة وتجمع بياناتهم الخاصة. أشار الاتحاد إلى أن تلك الاختبارات التي يبنيها مطوّرون من خارج الموقع لا تخضع لأي رقابة تكفل حماية المعلومات التي يجري حصدها، ما يفتح الباب لاستخدامها بطرق قد تضر بالصالح العام. وهذا ما حصل فعلًا.

الشهر الماضي، نشرت صحيفة الجارديان البريطانية القصة الكاملة لما سيعرف بفضيحة «كامبريج أناليتيكا». كشفت الصحيفة أن أحد مطوري الاختبارات القصيرة تلك، قام فعلًا ببيع ما جمعه من معلومات عن أكثر من خمسين مليون مستخدم لفيسبوك لشركة تحليل البيانات «كامبريدج أناليتيكا». ازداد الأمر سوءًا عندما تبيّن أن الشركة كانت تعمل لصالح مرشح الانتخابات الأميركية في حينه، دونالد ترمب، ما عزّز الشكوك بسلامة العملية الانتخابية ككل. دخل العالم في حالة من الهياج وانتشرت الدعوات لمحو التطبيق وإلغاء الاشتراك. بقي زوكربيرغ، لأيام، غائبًا عن المشهد قبل أن يقرر أن يتقدم طوعًا للإدلاء بشهادته أمام الكونغرس ودون أن يجري طلب ذلك منه رسميًا.

تشير جلسة الكونغرس إلى فشل فيسبوك مرة أخرى في الالتزام بتعهداته  للمستخدمين.

على الدوام كان شعار فيسبوك «امض سريعا وحطم الأشياء» وهو الشعار الذي مثّل استراتيجية زوكربيرغ جعل فيسبوك إمبراطورية رقمية على المستوى الدولي. كانت الأولوية للإسراع في التطوير، والتقدم والتوسع حتى لو تضمن المنتج النهائي أخطاء وعيوبًا. لذا، تواصلت في فيسبوك قفزات التطوير التقني للمنتجات الرقمية الجريئة والخلّاقة، ولكن المليئة بالثغرات والعيوب أيضًا. ترافق ذلك مع قفزات مالية وصلت بعوائده إلى نحو أربعين مليارًا، مع أنها لم تكن قد بلغت المليار في العام 2009. لكن توالي السقطات التقنية وتنامي الانتقادات حول عدم احترامه أو جديته في التعامل مع خصوصيات المستخدمين دفعت بفيسبوك إلى تغيير استراتيجيته وشعاره.

«امض سريعا مع بنية تحتية مستقرة» بات شعار فيسبوك الأقل إثارة، انطلاقًا من العام 2014. أعلن زوكربيرغ في مؤتمر فيسبوك 8 أن التريث في التطوير وإتقان المنتج أولى من الإسراع في الإنتاج على حساب الجودة. لكن جلسة الكونغرس تشير إلى فشل فيسبوك مرة أخرى في الالتزام بشعاره وتعهده للمستخدمين.

مارك زوكربيرغ أمام الكونغرس

السؤال الذي راود كثيرين هو ما هي حدود التأثير الذي يمتلكه الكونغرس في هذا الشأن؟

ليس إلى الحد الذي قد يتخيله البعض، وفق ما يمكن فهمه من مداخلة النائب في الكونغرس فرانك بولون خلال جلسة الاستماع. أعلن بولون عن تشاؤمه حيال ما يمكن أن ينتج عن مثل تلك الجلسات، ملمحًا إلى تحالف أعضاء جمهوريين في الكونغرس مع قطاع الشركات الكبرى، أو ما يعرف بـ«Corporate America»، وإصرارهم تعطيل أي تحرك جاد لتنظيم قطاع التكنولوجيا في البلاد.

تؤيد الإفصاحات المالية حول نشاطات الضغط السياسي لفيسبوك ما ذهب إليه النائب الديمقراطي. خلال العام الماضي أنفق الموقع نحو 12 مليون دولار على بناء التحالفات داخل الكونغرس. يعتبر الرقم كبيرًا إذا ما قورن بما كان فيسبوك ينفقه قبل 8 سنوات، حين لم يتجاوز إنفاقه لهذا الغرض نصف مليون دولار.

تداور على مساءلة زوكربيرغ نحو مئة عضو في الكونغرس ممثلين عن ثلاث لجان: الطاقة والتجارة النيابية التي يرأسها العضو الجمهوري جريغ والدون، لجنة التجارة في مجلس الشيوخ برئاسة جون ثون، ولجنة العدل، التي يعد ديان فينستين أبرز أعضائها عن الحزب الديمقراطي، وهؤلاء جميعًا سبق أن تلقوا تبرعات من شركة فيسبوك في حملاتهم السياسية.

بمتابعة وقائع الجلسات، بدا أثر النفوذ السياسي لفيسبوك واضحا على طبيعة النقاش ونوعية الأسئلة والمداخلات التي أجراها الأعضاء. بدت الأسئلة عامة وفضفاضة، وكان واضحًا غياب الإلمام التقني بموضوع الجلسة لدى غالبية الأعضاء. بعض التعليقات ذهبت باتجاه مغازلة الموقع ومؤسسه، مشيدة بدوره في «تعزيز التواصل بين الأفراد والمجتمعات» وشاكرة له تطوعه للمثول أمام الكونغرس دون أن يجري طلب ذلك إليه، ومكتفية بمطالبته بمزيد من الحذر لدى التعامل مع بيانات المستخدمين.

«جلسة الاستماع لزوكربيرغ كانت عارًا (..) لقد كانت مصممة لتفشل»

لم تركز مداخلات النواب على حقيقة أن فيسبوك كان على اطلاع بتسريب معلومات مشتركيه منذ 2015 وأن إدارته فضّلت الصمت وعدم إبلاغ المستخدمين بتعرّض بياناتهم للانتهاك. لم يتوقف المشرعون الأميركيون مطولًا أمام واقع أن زوكربيرغ ما كان ليعتذر ويتقدم بشهادته لولا انكشاف الواقعة من قبل صحيفة الغارديان، التي تعرضت لتهديد من قِبل محامي فيسبوك لثنيها عن النشر. لا شك أن الفرق بين شهادة زوكربيرغ وشهادة بيل غيتس قبل نحو عشرين عامًا يبدو هائلًا. في شهادته أمام مجلس الشيوخ، دخل بيل غيتس في نقاشات تفصيلية دقيقة ومرهقة مع مشرعين، ومحامين وممثلين عن وزارة العدل للبحث في خرقه لقانون منع الاحتكار الأميركي. كان أثر الجلسات جسيمًا إلى الحد الذي دفع غيتس للتنحي عن منصب إدارة الشركة لاحقًا والتفرغ لمنظمته الإنسانية رفقة زوجته.

«جلسة الاستماع لزوكربيرغ كانت عارًا» كتب زافير تيشاوت، المرشح السابق لحكم ولاية نيويورك في صحيفة الغارديان. انتقدَ تيشاوت بحدة تصميم وإدارة الجلسة وحصر الوقت لكل عضو بخمس دقائق. «لقد كانت مصممة لتفشل، لتنقذ زوكربيرغ بعد ساعات من وصوله إلى واشنطن» علّق الكاتب على الغاية من الجلسة مشيرًا إلى أن الأعضاء الجادين لم يتمكنوا من طرح الأسئلة بأريحية، كما لم يتمكنوا من الرد على إجابات زوكربيرغ المراوغة خلال خمس دقائق.

زوكربيرغ بدوره بدا مرتاحًا، هادئا وواثقًا من نفسه. ورغم أنه لم يخجل من تكرار الاعتراف والاعتذار عن «خطأ» الموقع في عدم اتخاذ ما يلزم من إجراءات حمائية للحيلولة دون تسرّب بيانات المستخدمين، إلّا أنه لم يُجب عن أكثر من أربعين سؤالًا، محيلًا أمر الإجابة لأعضاء فريقه، وفق إحصاء لوكالة رويترز. واحد من بين كل ثلاثة أعضاء في الكونغرس ممن وجهوا أسئلة لزوكربيرغ لم يتلق إجابة على استفسار بحسب الوكالة.

وفي حين لم يتردد مؤسس فيسبوك في إبداء استعداده التعاون مع المشرعين الأميركيين للوصول إلى صيغة قانونية مُرضية للطرفين يجري من خلالها تنظيم القطاع، إلّا أنّه لم يقطع أي التزام بتغيير سياسة الموقع لتعزيز الإجراءات الحمائية لخصوصية المستخدمين. وفي الوقت الذي لوّح فيه نواب بنيتهم السعي لفرض تشريع لإعادة تنظيم القطاع، حذّر زوكربيرغ من أن الخطوة قد لا تؤذي كبريات الشركات ممن تمتلك المصادر المالية والبشرية الكافية للتكيّف، بقدر ما ستلحق الأذى بالشركات الناشئة ذات التمويل الشحيح والكوادر العمالية المتواضعة العدد.

خلاصة الجلستين يمكن إجمالها في بضعة نقاط؛ غياب الإجماع بين أعضاء الكونغرس على شكل التحرك الواجب اتخاذه تجاه فيسبوك، وانعدام التوافق على أهمية صياغة تشريع جديد لتقييد عمل شركات التكنولوجيا وأهمها غوغل وفيسبوك. أمّا لجهة فيسبوك، فيمكن القول أن تحرك زوكربيرغ جاء استدراكًا لصمته عقب انكشاف أمر تسرب بيانات المستخدمين. تهاوي أسهم الموقع في الأيام الأولى للأزمة بالتوازي مع الحملة التي شنتها وسائل الإعلام التقليدية ضده لا شك وضع الشاب الثلاثيني تحت ضغط هائل من قبل المساهمين في الشركة. وهذا قد يفسر مبادرته للإدلاء بشهادته أمام الكونغرس لتحسين صورته وقطع الطريق على حملات مقاطعة الموقع.

بياناتنا معروضة للبيع

الضجيج حول فيسبوك يخفي خلفه حقيقة أن خصوصيات المستخدمين في العصر الرقمي باتت هي المادة الأساسية للربح في مختلف الصناعات وليست محصورة في فيسبوك. والإعلام، الذي يعيش أزمة مالية حادة مع انخفاض عدد زواره وإعلاناته لصالح فيسبوك، ليس استثناء من ذلك.

ترتكز البنية الحديثة للاستثمار الإلكتروني على تحليل بيانات المستخدمين، تحركاتهم على الصفحات وتفضيلاتهم في القراءة، والمشاهدة، والاستماع أو التسوق لاستهدافهم بالإعلانات والمحتوى المصمم الأنسب لهم. فيسبوك يمارس هذه المهمة بشكل روتيني على صفحاته، وهو الأمر الذي ناقشه أعضاء الكونغرس بإسهاب. كان السؤال على الدوام، هل يعي المستخدمون أن فيسبوك يجمع بياناتهم؟ وهل لديهم القدرة على الحد من قدرته على ذلك؟ الشركة تؤكد أن الأمر عائد تمامًا للمستخدمين. من الناحية النظرية هذا صحيح تمامًا، إذ عبر إعدادات الخصوصية على فيسبوك، بوسع أي مستخدم أن يتحكم بقدرة الموقع على جمع بياناته لأغراض الإعلان. لكن هل بوسع المستخدم الطلب إلى فيسبوك بالتوقف عن حصد البيانات أصلًا؟ تهرب زوكربيرغ من الإجابة على ذلك أكثر من مرة، ملمّحًا إلى صعوبة الأمر بالنظر إلى أن البيانات هي الوسيلة الأساسية للتعرف على المستخدم وتجويد الخدمة التي يتلقاها.

لكن ماذا عن البيانات التي يجري جمعها خارج فيسبوك؟ وجه عددٌ من الأعضاء هذا السؤال لزوكربيرغ. الإجابة أحالها مدير فيسبوك لفريقه.

على أن الأمر ليس سرًا. يعد فيسبوك أكبر متتبعي المستخدمين على الإنترنت حتى لو لم يكونوا مشتركين في الموقع أصلًا. وفق موقع «whotracks.me» المتخصص في رصد ظاهرة التتبع على الشبكة، فإن 29% من المواقع الإلكترونية على الإنترنت تحتوي على عناصر تتبّع خفيّة (Hidden tracking pixel) مملوكة لفيسبوك. ينتشر من يعرفون بالمتتبعين (Trackers)، في كل مكان حول الشبكة العنكبوتية، يجمعون معلوماتنا، عناوين أجهزتنا، تفصيلاتنا في التصفح، جنسنا أو أي معلومات شخصية أخرى ولأهداف لا يمكن حصرها أو معرفتها مسبقًا.

لا تبدو مؤسسات الإعلام حريصةً على توعية قراءها وتزويدهم بالأدوات اللازمة لحماية حقهم بالخصوصية أثناء التصفح.

المعلن من هذه الغايات ينحصر تقريبًا بتحسين تجربة التصفح للمستخدم، و تصميم وتوجيه ما يلائمه من إعلانات ومحتوى. غالبية المواقع الإلكترونية تتبع زائريها لإطالة فترة بقائهم على الصفحات، وهو ما يسمّى عادة وقت الانتباه (Attention Time)، بهدف زيادة حجم الإعلان والعوائد المالية المتأتية عنه. في أحيان أخرى، قد يسمح مالِكو المواقع لطرف ثالث بتتبع حركات المتصفحين، إمّا مقابل المال، أو مقابل خدمة تقديم الإحصاءات والتحليلات لسلوكهم داخل المواقع. عمومًا، لا تتم عملية التتبع دون موافقة المالكين وهو ما يضع الأخيرين موضع المسؤولية عن توعية وإبلاغ المتصفحين بذلك وإعطائهم الحق بتعطيل التتبع، أسوة بما تجري مطالبة فيسبوك به على الأقل!

الغارديان التي نشرت فضيحة تسريب بيانات مستخدمي فيسبوك، والنيويورك تايمز التي تواظب على توعية القرّاء بحقوقهم في الخصوصية، ليسوا استثناء من هذه الظاهرة الملازمة للإنترنت. كان دوك سيرل، الكاتب المتخصص في قطاع التكنولوجيا، قد أشار إلى ذلك في مقال على مدونته. يشير سيرل إلى أن بيانات أي مستخدم منا معرّضة للجمع والتحليل من قبل «المتتبعين» حتى على مواقع مثل نيويورك تايمز.

باستخدام أدوات مجانية مثل «Privacy Badger» يستطيع المتصفحون معرفة من يتتبعهم على أي صفحة على الإنترنت والحد من قدرتهم على ذلك. هذه الأداة جرى تطويرها من قبل منظمة «Electronic Frontier Foundation» المعنية بالدفاع عن الخصوصية الرقمية.

كما فعل الكاتب، قمتُ بمحاولة التعرّف على من يتتبعني على صفحات نيويورك تايمز. وكانت النتيجة أن أربعًا وخمسين شركة كانت تقوم بتتبعي خلال تصفحي لموقع نيويورك تايمز. يشير موقع «whotracks.me» إلى أن معدّل المتتبعين على صفحات نيويورك تايمز يتجاوز الأربعين للصفحة. وهو بحدود الثلاثين لصحيفة الغارديان.

وفي حين أخذ الوعي بالخصوصية على فيسبوك بالانتشار على نحو واسع، شكرًا للسقطات المهنية المتتالية للشركة طبعًا، وبات المستخدمون أكثر وعيًا وإلمامًا بأهمية وكيفية التحكم بإعدادات الخصوصية على الموقع لحماية بياناتهم، لا تبدو مؤسسات الإعلام حريصةً على تسليح قراءها بهذه المعرفة أو تزويدهم بالأدوات اللازمة لحماية حقهم بالخصوصية أثناء التصفح.

وفي وقت يبدو فيه القراء والمتصفحون للمواقع الإلكترونية، بما فيها الإعلامية، في حالة شبه كاملة من التغييب عن حقيقة ما يجري خلف صفحات الإنترنت التي يزورونها، يواصل تجار البيانات، والمستثمرون، وربما ناشرو وسائل الإعلام، والساسة من المتحالفين مع كل هذه الجهات حصد المكاسب على اختلافها دون مراعاة لخصوصيات الأفراد.