طرق مختصرة: هل لُمنا الجهة الخطأ في فضيحة كامبريدج أناليتيكا؟

الثلاثاء 08 أيار 2018

(نُشرت هذه المقالة في مجلة لندن ريفيو أوف بوكس، بتاريخ 5 نيسان/ أبريل 2018)

هنالك حقيقة أكيدة واحدة على الأقل في ما يتعلق بكامبريدج أناليتيكا، لو أن 40 ألف شخصٍ موزَّعين حول ميتشيغان، وويسكنسِن، وبنسلفانيا، غيّروا آراءهم عن دونالد ترمب قبل الثامن من نوفمبر 2016، ووجَّهوا أصواتهم في المقابل إلى هيلاري كلينتون، فإن شركة الاستشارات السياسية الصغيرة هذه، التي تتخذ من لندن مقرًا لها، لم تكن لتصبح موضوعًا لهذا الكم المتلاحق من العناوين الصحفية والتصريحات الصادرة عن رئاسة الوزراء البريطانية. كانت كامبريدج أناليتيكا لتحصد (البيانات)، وتخترق (الحسابات)، وتغسل أدمغة الناس، وتستدرجهم لفخاخ محتواها الشرير، دون أن يثير ذلك أي جلبة، لو أن كلينتون هي التي فازت.

سيتفق من هم وراء هذه المشكلة مع هذا التحليل دون شك، لكن ليس لأسباب منطقية جدًّا. التقرير الذي أعدّته القناة البريطانية الرابعة للأخبار، بمساعدة من جريدتي الأوبزيرفر ونيويورك تايمز، التقط ألكزندر نِكس، المدير التنفيذي لكامبريدج أناليتيكا (والموقوف عن العمل الآن)، وهو يتفاخر أمام شخصٍ، ظنّ أنه قد يكون زبونًا، بالاجتماع «عدة مرات» مع ترمب، وبأنه العقل المدبر لاستراتيجية حملة ترمب الانتخابية بأكملها. يُلمّح نِكس إلى أن الـ40 ألف صوت تلك قد انتُزعت بطريقة علمية من كلينتون وسُلّمت إلى ترمب بفضل الإعلانات الموجَّهة للفرد (micro-targeted advertising) وبعض الرسائل التي تستدرج الجمهور للقيام بفعل ما. «لقد أثْرَت بياناتنا استراتيجية [الحملة] بأكملها» يقول نِكس، بغرور سمسار عقاري يقول بأن الطلب على التشطيبات من طراز حقبة ما في أوجِها هذه الأيام.

صحيحٌ أن شركة كامبريدج أناليتيكا وُظفت لتعمل على حملة ترمب، إلا أن ذلك لا يعود بالضرورة لدهائها الميكافيللي. كان ستيف بانون، مدير حملة ترمب، عضوًا في مجلس إدارة الشركة آنذاك، وغالبًا طرح عليها عقدًا لتحليل بعض البيانات لكي تبقى الأمور ما بين الأصدقاء. عندما جذبت الشركة الانتباه لأول مرة في الإعلام البريطاني بدايات عام 2017، وصفتها التقارير بأنها على علاقة وطيدة بحملة مغادرة [الاتحاد الأوروبي]. في أحد التقارير الاستقصائية العديدة حول المسألة، كتبت كارول كادوالِدِر من جريدة الأوبزيرفر في شهر مايو من عام 2017 قائلة: «إن ما يحصل في أمريكا، وما يحصل في بريطانيا مترابطان. خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (Brexit) وترمب مترابطان. بريطانيا وصِلات إدارة ترمب بروسيا مترابطات. وكامبريدج أناليتيكا هي البؤرة التي نستطيع من خلالها رؤية هذه الروابط وهي تعمل».

وسط هذا السياق المعقد، لا بد أن الأخبار الأخيرة أتت كخاتمة محبِطة، خاصة لعملاء كامبريدج أناليتيكا الغافلين؛ أولًا، لا يوجد هنالك دليل قاطع على تقديم كامبريدج أناليتيكا لخدمات استشارية لأي من الفاعلين الرئيسيين في استفتاء الاتحاد الأوروبي عام 2016. تبجّح نِكس في البداية في مقالةٍ بأن الشركة كانت على صلة [بالاستفتاء]، إلا أنه اعترف أمام لجنة [مجلس العموم البريطاني] للديجيتال، والثقافة، والإعلام، والرياضة في فبراير من هذا العام أن من كتب مسودة المقالة كان «مستشار علاقات عامةٍ مفرط في حماسته بعض الشيء». علينا، بالتحديد، محاولة فهم الكيفية التي «يترابط فيها البريكزت وترمب»، إلا أن ذلك يتطلب تحليلًا سوسيولوجيًّا واقتصاديًّا؛ فالعملية لن تكون بقدر بساطة (أو إثارة) الكشف عن غرفة تحكّمٍ سريّة.

ثانيًا، لا يوجد هنالك دليل -ولا يمكن أن يوجد- على أن الشركة رجّحت كفة ترمب في الانتخابات (ولو استخدمنا نفس الحجة، أيضًا، لا يمكن إثبات أنها لم تفعل ذلك)، رغم أن الشركة تدّعي عدم تدخّلها، ولا عجب في ذلك. إلا أن انتفاء الدليل هذا يظل صعب التصديق على كلينتون؛ [التي] تحدّثتْ عن «جهود كامبريدج أناليتيكا في البروباغندا الضخمة التي أثّرت على مسارات تفكير الناخبين» في مقابلة لها ضمن تقرير للقناة الرابعة البريطانية. غير أن تحليل البيانات يعدُّ جوهريًّا في الحملات السياسية المعاصرة. في النهاية، فضّلت كلينتون دراسة بياناتٍ عن ميتشيغان من على كرسيّها المريح بمكتب حملتها في بروكلين على أن تزور الولاية حقًّا، بالرغم من رجاءات ديمقراطيّي الولاية الفزعين إليها بقضاء بعض الوقت هناك في الأسابيع الأخيرة. لو أن النتائج اختلفت قليلًا، لكان هنالك، بلا شك، مقالات مديحٍ زائدٍ منبهرةٍ بالتكنولوجيا المتقدمة لتحليل البيانات التي كانت وراء انتخاب رئيسة أمريكا الأولى.

للفضيحة بُعدان، لكن كليهما لا يتعلقان بالانتخابات حقًّا. الأول هو «اختراق البيانات» الذي ضَمِنَ نفاذ حملة ترمب لخمسين مليون حساب على فيسبوك دون موافقة المستخدمين. حدث هذا عن طريق استغلال تطبيقٍ بسيط اسمه  thisisyourdigitallife (هذه حياتك الرقمية)، والذي يشبه تطبيقاتٍ مرَّت على العديد من مستخدمي فيسبوك. تطبيقات مثل هذه تظهَرُ في شريط أخبار المستخدم (newsfeed) على أنها اختبار شخصية، تخرج عنه نتائج تافهة نسبيًّا من الممكن مشاركتها مع الأصدقاء. ألكسندر كوغان، الأخصائي النفسي في جامعة كامبريدج، صمّمَ thisisyourdigitallife بهدف اختبار نظريات حول نمذجة الشخصيات بناء على «إعجابات» الفيسبوك. 270 ألف شخص فقط استخدموا التطبيق، إلا أنه أيضًا جمع بيانات عن أصدقائهم؛ مما يعطي لمحة عن كيفية عمل فيسبوك، لا عن دهاء كوغان.

علمتْ فيسبوك بأمر thisisyourdigitallife، إلا أنها توهَّمتْ بأن البيانات وُجهتْ نحو البحث الأكاديمي فقط. أيّ مستخدمٍ اطّلع على الشروط والأحكام (ومن منا يفعل ذلك أصلًا؟) كان سيظن الشيء نفسه. ما لم يعرفه أيّ أحدٍ قبل بداية الشهر (الماضي) هو أن كوغان كان يمرّر تلك البيانات مباشرة إلى كامبريدج أناليتيكا، والتي استخدَمَتْها بدورها لمصلحة بانون. جاء هذا كله في جريدة الأوبزيرفر على لسان كريستوفر وايلي، كاسر الصمت من داخل كامبريدج أناليتيكا. ظهرت المقالة تحت عنوان يقول: «لقد صنعتُ أداة حرب ستيف بانون النفسية».

كُسرت العديد من القواعد. يَفترض قانون الخصوصية امتلاك الأفراد حقّ معرفة الغاية التي تُستخدم من أجلها بياناتهم قبل أن يوافقوا على أن تجمعها وتخزنها جهة ما. كان كوغان وكامبريدج أناليتيكا متكتِّمَيْن وغير صادقَيْن. لكن رغم أنهما لم يلتزما على الأغلب بكل حرفٍ من الشروط والأحكام خاصتهما، وربما خالفا قانون حماية البيانات، فالمؤكد أن أحدًا لن يستغرب من اكتشاف حقيقة أن البيانات التي جُمعت في مكان ما، تُنقَل لكي تستخدم في مكان آخر. يعدُّ استخدام البيانات بطرقٍ مبتدعة (وسرية)، فعليًّا، المبدأ الحاكم للاقتصاد الرقمي؛ ما أطلقت عليه شوشانا زوبوف اسم «رأسمالية الرقابة»، وما أسماه نِكْ سرنتشيك «رأسمالية المنصة».

من الجدير بالتذكُّر أن الإنترنت على مدى التسعينيات اعتُبر تهديدًا للرأسمالية بقدر ما هو فرصة. كانت نابستر1 المثال الأيقوني على ذلك. لمّا كانت المعلومات وفيرةً، وسرّية المرء هي القاعدة، لم يكن من الواضح أين تكمن الأرباح. إن التغيير الذي حصل، كما استطلع زوبوف وسرنتشيك بطرق مختلفة، هو أن الإنترنت بات يُعامل على أنه أداة رقابة ذات إمكانات توسع عالمي؛ بات يُقدم خدماتٍ أرخص وأفضل، أو مجانية، بشرط تتبّع «المستخدم» في كل شيء يفعله، ومربوطًا بهويّته [الحقيقية] خارج الشبكة. الخسارات الفادحة التي تكبدها عمالقة التكنولوجيا -والتي ما يزالون يتكبّدونها، في حالة أوبر- في سنواتهم الأولى هي جزء جوهري من هذه الاستراتيجية. يجب أن يُجذب الناس لاستعمال خدمةٍ، والاستمرار في استعمالها، بأي وسيلة كانت، لكن هذه القدرة [على جعلهم يستمرون في استعمالها] لا تتحول إلى أرباح إلا بعد مرور الوقت.

القول إن مستخدمي فيسبوك يوافقون على كل الأشكال التي يستخدم، أو قد يستخدم، فيسبوك بياناتهم فيها، هو تحوير للمنطق الحاضر هنا. ومن قبيل ما سبق، فإن القول إن قارئي جريدة الغارديان يوافقون على كل الأشكال التي تستخدم فيها الغارديان بياناتهم (التي يودعونها في الموقع كل مرة يزورونه فيها) هو سوء فهمٍ للمرونة المتأصلة في طبيعة البيانات ذاتها. إن قيمتها واستخداماتها المحتملة تظهر بعد أن يجمعها المرء، لا قبل ذلك.

أثناء الصخب المحيط بترمب وكامبريدج أناليتيكا، وُصِفَ هذا الواقع الرأسمالي الفجّ، وبشكل غريب، على أنه «حصد للبيانات». لكن لو أن تصميمَ تطبيقٍ لجمع بيانات الناس دون معرفتهم الواعية يعدّ «حصدًا للبيانات»، فإن هذا ينطبق على الكثير من الأنشطة الأخرى. عن طريق توفير نفاذٍ مجاني إلى شبكة الإنترنت في المترو البريطاني، فإن هيئة النقل في لندن، بذلك، تجمع البيانات (أُنشئت شبكة الواي-فاي بهدف تزويد الهيئة ببيانات حية عن تحرّكات المسافرين). جمعت الهيئة البريطانية الحكومية للخدمات الرقمية بيانات عدد من المواطنين عن طريق التلاعب بتصميم المواقع الإلكترونية الحكومية (التطبيق الشائع للاختبار المبني على نموذجين (A\B) يعني أن يرى كل مجموعة من المستخدمين تصميمًا مختلفًا لنفس الموقع، بالإضافة لجمع البيانات عن الكيفية التي يؤثر بها هذا التغيير على عدد النقرات والزمن المستَغرَق على كل صفحة). تجمع أوبر ما يتخطى بيانات الرحلات بكثير (يستمر التطبيق بجمع البيانات عن سلوك الراكب بعد أن تنتهي رحلته، إلا أن المستخدمين يستطيعون إيقاف هذه الخاصية الآن). ولوحات الإعلان الرقمية الجديدة في ميدان البيكاديلي [في لندن] تَجمعُ البيانات (إنها تحتوي على كاميرات تحلّل تعابير وجوه المارّة من جموع الحاضرين).

أما الوجه الثاني للفضيحة فأقذر، لكنه الأقل أهمية. حتى وإن صدقنا الفكرة التسويقية التي تروجها كامبريدج أناليتيكا (وهو احتمال يضعف مع الأيام)، فإن الشركة تحب أن تعمل بطرق قذرة. التقطت كاميرا القناة الرابعة نِكس وزميله مارك تيرنبول وهما يناقشان آلياتِ استدراجٍ جنسية، وابتزازٍ، ومكافحةِ استخبار، على نحوٍ ينتمي إلى حبكات جيمس بوند أكثر مما هو إلى السايكوميتريكس (علم القياس النفسي)2. بدت الملاحظات الجانبية -مثل أن المرشح مجرّد «دمية» بالنسبة لفريق الحملة، وأن «الحقائق» أقل أهمية من «المشاعر»- كأنها ثانوية عندما التُقطت على الكاميرا المخفية، إلا أنها لا تختلف جوهريًا عن بواكير همجية قادة مرحلة «حزب العمال الجديد»3 من أمثال أليستر كامبل، وفيليب غولد، وبيتر ماندلسِن. ولا يوجد أي سبب لاعتبار وسائل حزب العمال التنبؤية في تحليل البيانات لحملة 1990 -من مجموعات نقاش مركّزة واستفتاءات- أقل تزويدًا بالمعلومات أو أقل إفادة مقارنة بالسيكوميترية المؤتمتة (automated psychometrics). من المدهش بحقٍّ أن محقق القناة الرابعة استطاع الإبقاء على ملامحه الجادة أثناء تباهي نِكس بأن شركته «تعمل في الظل»، وأثناء قولِهِ الختامي لـ«زبونه»: أتطلع لبناء علاقة سرية وطويلة الأمد بيننا.

إذن، أمامنا سوءُ استخدامٍ للبيانات جذبَ انتباه مكتب مفوض البيانات (ICO) عن وجه حق، صاحبَتْه ثرثرة دعائية شطحت لتصل إلى عوالم فانتازيا المافيا قبل أن تنسحب سريعًا عند أول إشارة لخطورة المسألة. الجانب الأول من المسألة ليس أمرًا جديدًا بالضبط؛ فقد كشفت الوول ستريت جورنال عام 2010 أن تطبيقات فيسبوك (كالتطبيق الذي  صممه كوغان) تجمع بيانات بشكل روتيني لمصلحة معلنين وشركات تتبُّعٍ عبر الإنترنت دون موافقة المستخدم. نظرًا لتحكم فيسبوك الكبير باتجاهات الاهتمام العالمي (ما يزيد على ملياري مستخدم نشطٍ في الشهر يقضون ما معدّله 50 دقيقة على الموقع يوميًّا)، فإنه من الحتميّ أن ينطلق تجّار الانتباه4 أفواجًا للبحث عن الفتات المتبقي، مثلما تجتذب الأحداث الرياضية الكبيرة مرابحي البطاقات.

لمَ كل هذا الغضب؟ يجب أن تُهنَّأ الأوبزيرفر لإصرارها على هذا الموضوع، وقد تدفعنا هذه التغطية الصحفية لو حالفها الحظ إلى نقطة تحوّلٍ في مسألة خصوصية البيانات. إلا أن التفاجؤ والافتتان اللذين تجتذبهما كامبريدج أناليتيكا يشيران إلى سوء تموضعٍ للرعب الناتج في الحقيقة عن شيء أعمق. جزء من ذلك الرعب يجب أن يُلقى على عاتق ترمب والترمبية. حدثٌ فظيع وُلِّدَ بوسائل فظيعةٍ مثله بالتأكيد. لا شك أن دعاة البقاء في الاتحاد الأوروبي في بريطانيا يشعرون بالشيء نفسه حيال البريكزت. من الواضح أن قوىً سرية ومخادعة عديدة تدخّلت حقًّا في سباق الانتخابات الأمريكية. بفضْل تحقيق روبت مولر5 بتنا نعلم أن فيسبوك باع ما مقداره 100 ألف دولار من المساحة الإعلانية للجانِ الإلكترونية الروسية (troll farms)، وأن 126 مليون أميريكي قد يكونوا تعرضوا لـ«أخبار زائفة» روسية على مدى عامي 2015 و2016. هذا إلى جانب إحياء الـFBI لقضية بريد كلينتون الإلكتروني من جديد في لحظة مفصلية من السباق الانتخابي.

من المريح اعتبار كامبريدج أناليتيكا دليلًا قاطعًا [على التلاعب في نتائج الانتخابات]، ويعود جزء من ذلك إلى أنها تبجحت بذلك مرارًا. ساهمَ نِكس وتيرنبول في أحداث 2016 مثل مساهمة «الفابيولَس» فاب توريه، المصرفيّ السابق في بنك غولدمان ساكس، وفريد «ذا شريد» غودوين، الرئيس السابق لبنك RBS، في الأزمة الاقتصادية العالمية للمصارف عام 2008؛ إذ يمثل هؤلاء شخصيات بشعة ينصبّ عليها التحذير والغضب. الاستماع لمثل هؤلاء الرجال وهم يعلنون بفخرٍ افتقارهم للضمير الأخلاقي مطَمئِنٌ، للمفارقة، لدرجة تساعد في تفسير فقدان العالم للتوجيه الأخلاقي. لكن كما حصل في الأزمة المالية، فإن هذا السيرك [الإعلامي] يجازف في تشتيت الأسئلة السياسية والمؤسسية الحقيقية، المتعلقة بشركات مثل فيسبوك في حالتنا هذه، والنموذج الرأسمالي الذي يتحمّل، وييسِّر، بل ويحتفل بالأشكال العديدة والمتطورة لجمع البيانات وتحليلها لدى هذه الشركات.

تخبرنا حادثة كامبريدج أناليتيكا أن اثنتين من أكبر الفضائح الأخلاقية التي واجهت فيسبوك في السنوات الأخيرة تضمنت أكاديميين. كانت الحادثة السابقة ما سمّيت بتجربة «العدوى العاطفية»، والتي تبيّن من خلالها أن فيسبوك غيّر في شريط الأخبار دون موافقة [المستخدمين] كجزء من دراسة علمية. التعامل مع باحثين من خارج الشركة يعني التخلي عن نزرٍ يسير من السيطرة. إن قابلية فيسبوك للتعاون مع الأكاديميين بالأصل قليلة، وستؤدي هذه الفضائح بمارك زوكربيرغ لأن يتساءل إن كان الأمر يستحق العناء أبدًا. ابقِ كل البيانات داخل شركتك ولن يصعد سؤال الأخلاق إلى السطح. إنّ تعاظمَ حجم ومجال عمل هذه المنصات الضخمة يستبعدُ تدريجيًّا الحاجة لمشاركة بيانات قيّمة مع أي أحد أبدًا.

يُقال أحيانًا إن البيانات هي «نفط» الاقتصاد الرقمي، المورد الذي يغذّي كل شيء. تشبيه آخر يمكن الاستفادة منه هو تشبيه النفط بالخصوصية؛ موردٌ طبيعي مدفون نُهِبَ تدريجيًّا بهدف الربح الخاص، ويصاحبه تبعات خطرة متزايدة على المجتمع بشدة. لو انطبق هذا التشبيه، فإن قوانين الخصوصية وحماية البيانات لن تكون كافية لمحاربة عمالقة التكنولوجيا. إن ما تقوم به فيسبوك هو تدميرٌ للخصوصية بطرقٍ أشد تهورًا بكثير.

مثلما يطالب دعاة حماية البيئة (environmentalists) صناعةَ الوقود الأحفوري بأن «تترك كل شيء تحت الأرض»، فإن المطلب النهائي من سيليكون فالي يجب أن يعادل «ترك كل شيء في عقولنا». إن الشر الحقيقي في موضوعنا هو المنطق الاقتصادي التوسّعي الذي يصرّ على تفحّص المزيد من أفكارنا، وعواطفنا، وعلاقاتنا. أفضل طريقةٍ لإحباطه هي أشد ما تخشاه سيليكون فالي: قوانين منع الاحتكار. عند تفتيتها إلى قطعٍ صغيرة، سيظل باستطاعة هذه الشركات تتبّعنا، لكن من منظورات بائسة لن تستطيع بسهولة (أو بشكل سريّ) أن تتجمّع. عالمٌ مليء بالتجّار المخادعين أمثال كامبريدج أناليتيكا، والذين يفضحون أنفسهم من خلال قذاراتهم في نهاية المطاف، أفضل من عالمِ شركاتٍ احتكارية ضخمة أمثال أمازون وفيسبوك، تحتلُّ وظائف الحكومات بالتدريج، بينما تظل صامتة بشكل مخيف حول ما تفعله.

  • الهوامش

    1- منصّة لمشاركة الملفات الموسيقية بطريقة الند للندّ، ومن ثم واجهت مشاكل مادية وقانونية. أخيرًا تحوّلت إلى منصة موسيقية مدفوعة الأجر (النيويرك تايمز، عن طريق ميديا دي-كودر). [المترجم].

    2- وهو مجال عمل شركة كامبريدج أنالاتيكيا. ويعني حقل علم النفس الذي يُعنى بالاختبار، والحسابات، والتقييم، (المصدر: NCME، مصدر عربي: منشور). [المترجم].

    3- إشارة إلى الفترة من تاريخ حزب العمال البريطاني الواقعة بين 1994 و2010، بقيادة توني بلير وجوردون براون.

    4- Attention merchants، وهو عنوان كتاب لتِمْ وُوْ؛ تجّار الانتباه: من الصحف اليومية إلى السوشال ميديا، كيف يُجمع ويُباع وقتنا وبياناتنا. وفي سياق المقالة، تشير إلى الشركات صاحبة التطبيقات التي تجمع من خلالها بيانات المستخدمين.

    5- رئيس المجلس الأمريكي الخاص بالتحقيق حول التدخّل الروسي في الانتخابات الأمريكية، وهو المدير السابق للـFBI. [المترجم].