حجب المكالمات عبر الإنترنت: حين تغربل شركات الاتصالات المحتوى

حجب المكالمات عبر الإنترنت: حين تغربل شركات الاتصالات المحتوى

الأحد 07 آب 2016

إن حاولت الآن إجراء مكالمة صوتية باستخدام واتساب على أي شبكة 3G أو 4G في الأردن، ستظهر لك رسالة مفادها: «مزود خدمتك لا يدعم مثل هذه المكالمات على واتساب».

تدخلت هيئة قطاع الاتصالات لوقف قرار شركات الاتصالات بفرض رسوم جديدة على التطبيقات التي تقدم خدمة المكالمات عبر الانترنت. فرح العملاء، لكنهم لم يعرفوا أن شركات الاتصالات حجبت هذه الخدمات بهدوء على شبكات الـ 3G والـ 4G.

تمتلئ حسابات شركات الاتصالات الثلاثة (زين، أورانج، أمنية) على مواقع التواصل الاجتماعي، بتغريدات عملاء يشكون عدم توفر الخدمة؛ تغريدات تُركت وحيدةً بلا جواب. وإن اتصلت بقسم خدمة العملاء، يتنقل بك موظف الخدمة بين تفاسير أولها عطل خاص بخطك، بدليل أنه هو يستطيع إجراء هذه المكالمات، أو أن العطل مصدره تطبيق واتساب نفسه، أو يحاول انهاء المكالمة بإعادة توثيق المشكلة لدى قسم المتابعة. وبذلك تكون شركة الاتصالات قد ربحت خمسة قروش جديدة ثمنًا للمكالمة.

في أي مؤتمر اتصالات أو تقرير مالي لشركات الاتصالات في الأردن، يحضر بقوة خطاب الشركات القائل بأنها لن تستطيع الاستثمار بالشبكة وتطوير جودتها أو توسيع مداها في حال استمر تدني أرباحها الناتجة عما يسمى بالخدمات الفوقية (Over the Top Services, OTTs). يستخدم هذا المصطلح للإشارة إلى التطبيقات التي قد تقدم خدمات منافسة لها، كالمكالمات والرسائل النصية. في تصريح لحبر، يقول يوسف مطاوع، المدير التنفيذي لدائرة الهندسة وتكنولوجيا المعلومات في شركة زين، إن «هذه الخدمات غير متوفرة» على شبكة الـ3G وال4G. كما أكدت المتحدثة باسم فيسبوك (الشركة المالكة لواتساب)، لحبر أن السبب ليس عطلًا تقنيًا من شبكة واتساب.

«قطاع الاتصالات في الأردن في خطر»، يقول مطاوع، خصوصًا وأن سعر الجيجابايت في الأردن أقل من سعره في أي مكان آخر. «كيف لهذه التطبيقات أن تجني أرباحًا دون أن تتكبد أي رسوم لبناء أو ترخيص لشبكة الإنترنت التي بنيناها نحن؟»، يتساءل مطاوع.

عالميًا، تخوض شركات الاتصالات معارك لاقتسام جزء من أرباح التطبيقات التي تسري على شبكاتها. لكن مبادئ حيادية الإنترنت وحماية حقوق المستخدم والحفاظ على التنافسية تسيطر على هذه النقاشات التي تجري مع مؤسسات المجتمع المدني وهيئات تنظيم قطاع الاتصالات.

هذا هو الجزء الأول لمقال من جزأين نتناول فيه صلاحية حجب شركات الاتصالات للمكالمات عبر الإنترنت في الأردن. في هذا الجزء نتساءل: ما قانونية الصلاحيات التي تمنحها شركات الاتصالات لنفسها في تنظيم أو حجب ما يسري من الداتا داخل شبكتها أو حجب بعض خدماتها؟ وأين الأردن من النقاش العالمي حول مبدأ حيادية الإنترنت؟ أما في الجزء الثاني، فسنسأل: كيف تفسر الأرقام في ميزانيات شركات الاتصالات في الأردن سبب الخسائر التي تكبدتها خلال السنوات الأخيرة؟

النزاع على تعريف الـOTTs

تعزو شركات الاتصالات انخفاض إيراداتها إلى ظهور تطبيقات جديدة نافستها في الخدمات التي تعودت دائمًا على أن تكون المقدم الوحيد والحصري لها، مثل المكالمات الصوتية والرسائل النصية. وتشمل شركات الاتصالات في هذا التعريف أحيانًا خدمات أخرى تزعجها على الرغم من أنها لا تنافسها مباشرة، لأنها تتطلب من شبكتها جودة وسعة داتا عالية، مثل تطبيقات بث الفيديو (YouTube أو Netflix) أو خدمات بث الصوت (SoundCloud)، أو خدمات الراديو الرقمي (Spotify وPandora) التي يتزايد الطلب عليها من قبل المستخدمين. أما تعريف هذه الخدمات في هيئات تنظيم قطاع الاتصالات في الهند والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، فكان أوسع لأهداف تنظيمية. إذ شمل أي محتوى أو خدمة أو تطبيق يقدم للمستخدم عبر خدمة الإنترنت، بدءًا بتطبيقات المحادثة كواتساب وسكايب، مرورًا بخدمات البث التلفزيوني أو الموسيقي، وانتهاءً بأي موقع الكتروني.

ما قانونية الصلاحيات التي تمنحها شركات الاتصالات لنفسها في تنظيم أو حجب ما يسري من الداتا داخل شبكتها أو حجب بعض خدماتها؟

يتسع المصطلح ويضيق لما يغطيه من التطبيقات والخدمات حسب الغرض السياسي والتنظيمي له. بالنسبة لشركات الاتصالات، فالغرض الأساسي من المصطلح هو تبرير رغبتها في تقاسم أرباح هذه التطبيقات معها، بتمييزها عن باقي المحتوى وإعطائه دلالة «الركوب» المجاني على الشبكة الأساسية بتسميها «خدمات فوقية». أما في الأردن، فقد تقلص النقاش حول تنظيم الـOTTs ليدور حول تعريف هيئة تنظيم قطاع الاتصالات وشركات الاتصالات الأردنية لـ«تطبيقات التراسل عبر الإنترنت»، أو كل ما ينافس خدمة الصوت والرسائل النصية مثل واتساب وفايبر وتيليغرام.

ما آلية تنظيم هذه الخدمات في الأردن؟

بهدوء، قررت شركات الاتصالات توثيق وتسعير التطبيقات التي توفر مكالمات عبر الإنترنت، وبهدوء حجبت هذه الخدمات على شبكاتها، بعد أن تدخلت هيئة تنظيم الاتصالات لمنع المحاولة الأولى. يؤكد الرئيس التنفيذي لهيئة تنظيم قطاع الاتصالات بالأردن، غازي الجبور، في حديثه مع حبر، أن الهيئة لا تتدخل في الأسعار التي تضعها شركات الاتصالات على خدماتها، ولكنها تتدخل في أسس التسعير، خصوصًا إن أخلت بمبدأ التنافسية. كان إعلان أحد الشركات في الجريدة هي الطريقة التي علم عبرها الجبور بقرار شركات الاتصالات بـ«توثيق» والاشتراك بخدمات المكالمات عبر الإنترنت.

بحسب للمحامي راكان بيبرس، المتخصص في قانون الاتصالات، فإن المدخل الوحيد لهيئة تنظيم قطاع الاتصالات للتدخل بقرارات الشركات التجارية هي حماية مصالح المستهلكين. يعتقد بيبرس أنه عندما تتفق شركات الاتصالات جميعها على رفع سعر خدمة معينة، أو حجب خدمة معينة، فهي تفرض احتكارًا غير مباشر على السوق لأنها لا تترك للمستخدم خيار التنقل بين شركة وأخرى.

سألنا هنا يوسف مطاوع عن الأساس القانوني التي استطاعت من خلاله الهيئة التدخل لوقف قرار رفع الأسعار، فكان رده: «كانت جلسة ودية، ونحن بالآخر من أهل البلد».

المدخل الوحيد لهيئة تنظيم قطاع الاتصالات للتدخل بقرارات الشركات التجارية هي حماية مصالح المستهلكين.

أما بالنسبة لحجب خدمة المكالمات على الإنترنت، يقول الجبور أنه للآن لم يصله أي شكوى من المواطنين حول الحجب هذه الخدمة. ويكمل «لو تقدم أي من المواطنين بشكوى على حجب هذه المكالمات، سيتم التعامل معها».

ينص قانون الاتصالات أن على شركات الاتصالات تقديم خدمة اتصالات مقابل أجر. بحسب بيبرس، قد تجادل شركات الاتصالات بان الـOTTs هي خدمة اتصالات موازية للإنترنت لا يدفع المشترك مقابلها أجرًا، «لكن في الواقع، فإن الأجر الذي يدفعه المستخدم مقابل اشتراكه في الإنترنت يلبي مطلب القانون».

أما عن محاولة شركات الاتصالات اقتطاع جزء من أرباح هذه الخدمات، فيرى بيبرس أن طرح مطوري التطبيقات المتمثل بأن «من قدم الخدمة هو من يأخذ أجرًا، وشركات الاتصالات لم تشارك في تطوير هذه التطبيقات» طرح وجيه جدًا. بالنسبة للجبور، فعلى شركات الاتصالات بحسب رخصها أن تقدم الصوت والداتا، وليس عليهم التزام تقديم خدمات الصوت عبر الإنترنت (VoIP). نسأل: «لكن خدمات الصوت عبر الإنترنت هي داتا وهي مدفوعة ضمن ما يدفعه المستخدم مقابل الإنترنت»، ويرد الجبور: «هذا هو الجدال الآن».

إن ملكتَ الشبكة، هل تملك صلاحية تنظيم ما يمر بها؟

في الأردن، تخلو النظم التشريعية للاتصالات من حماية مباشرة لمبدأ حيادية الإنترنت، بحسب المحامي راكان بيبرس. لكن برأيه القانوني، على شركات الاتصالات أن تقدم «نفاذًا» كاملًا للإنترنت مقابل ما يدفعه عملاؤها. «اللحظة التي تصنف بها شركات الاتصالات المحتوى الذي يمر في شبكاتها، هي اللحظة تقلل بها من قيمة الخدمة التي دفعتُ مقابلها كعميل».

في السنوات الأخيرة أدت أخبار تعاون شركات الاتصالات مع الحكومات في حجب مواقع أو قطع الإنترنت أو تسخير شبكتها للرقابة غير القانونية على المحتوى إلى صياغة عدد من مؤسسات المجتمع المدني حول العالم لـمبادئ مانيلا كمرجع لعلاقة شركات الاتصالات بالمحتوى الذي يمر عبر شبكاتها. تؤكد هذه المبادئ على دور شركات الاتصالات كوسيط محايد للخدمة لا يفرّق بين في البيانات التي تسير عبر شبكتها إلا بقرار محكمة، لا فقط لتحمي المستخدم، بل تحمي نفسها في الدخول كطرف يحاسَب قانونيًا على ما يمر بشكاتها دون حق. أصرت هذه المبادئ على ألا تختلف علاقة مستخدمي الإنترنت بشركات الاتصالات عن علاقة العميل بمكتب البريد. فكما تدفع مقابل خدمة توصيل الطرد دون أن تتدخل شركة البريد بمحتواه، على شركات الاتصالات التي تعمل كوسيط للمحتوى أن لا تتدخل به.

لم تكن المؤسسات التي تقف خلف مبادئ مانيلا الجهات الوحيدة التي حاولت تحييد شركات الاتصالات عن المحتوى أو الخدمات التي تتوسط الوصول إليه، بل تحاول هيئات تنظيم قطاع الاتصالات نفسها حول العالم الحفاظ على بيئة تنافسية تضمن دخولًا متساويًا للاعبين الصغار الذين لا يملكون نفس الموارد المالية التي تملكها الشركات الكبرى.

وصل النقاش حول تنظيم خدمات الـOTT أشده في الولايات المتحدة عندما أعلنت الهيئة الفيدرالية لتنظيم الاتصالات تغيير تصنيف شبكة الإنترنت من «خدمة اتصالات» إلى «منفعة عامة»، ودعمتها في ذلك محكمة الاستئناف في أوائل حزيران، لتحمي حقوق المستخدم وتحافظ على دور شركات الاتصالات كوسيط. بعد هذا القرار لن تستطيع شركات مثل Verizon أن تعطي معاملة تفضيلية لخدمات بث المحتوى مثل NetFlix أو أن تحجب أو تعبث بسرعة أي خدمة. أما الاتحاد الأوروبي، فأقر قانون حيادية الشبكة الذي لن يسمح لأي من شركات الاتصالات العبث بالخدمات المقدمة سواء بتفضيلها أو حجبها. ووصل الأمر بالهند إلى منع كل اتفاقيات الـZero Rating التي تبرمها شركات الاتصالات مع تطبيقات لتصلها إلى مستخدميها دون الحاجة للاشتراك بالإنترنت مثل تطبيق فيسبوك الـFree Basics.

يؤكد مطاوع أن زين كشركة ليست معارضة لمبدأ حيادية الإنترنت، ولكن يجب أن يطبق بعد تقسيم الإنترنت الى مسارين كل واحد بسعره: المسار المميز الذي يعطيك خدمات الـVoiP وبث الفيديو والراديو والتصفح، والإنترنت «العادي» الذي يعطيك خدمة الفيسبوك والتصفح. يقول مطاوع «نحتاج اليوم إلى تغيير في ذهنية المستخدم الذي تعود أن تكون شبكة الإنترنت واحدة. هذا غلط ويؤذي القطاع والمشغل». لكن عند طرحنا للصعوبة التقنية في التفريق بين تطبيقات الصوت وتطبيقات النصوص نظرًا للاندماج الذي تتعرض له كل هذه الخدمات في تطبيق واحد مثل الفيسبوك، يرد مطاوع «ماذا نفعل إذن؟ خيارنا الآخر أن نرفع سعر الجيجابايت الواحدة».

قدم الجسم المراقب لهيئات الاتصال في أوروبا (Berec) ورقة، في كانون الثاني 2016، توضح أثر هذه الخدمات على الشبكة واستفتى المشرعين الوطنيين في كل دول أوروبا لمعرفة إن كانوا يعتبرون خدمات الـOTT منافسة للخدمات التي تقدمها شركات الاتصالات. القليل من هيئات تنظيم الاتصالات الوطنية اعتبرت أن خدمات وتطبيقات التراسل أصبحت بديلًا لخدمات المكالمات والرسائل التقليدية بناء على معايير التنافسية التي وضعتها الـBerec. مثلًا، لم يعتبر المستخدمون الأوروبيون هذه التطبيقات رديفًا لمكالمات الصوت والتراسل لتدني جودتها بالمقارنة مع خدمات الاتصالات الأصلية.

آلية تنظيم العلاقة بين شركات الاتصالات وما يسري في شبكاتها من الداتا عادة ما تكون ما تكون عبر الاستشارة العامة المفتوحة. فهيئات تنظيم قطاع الاتصالات بالهند والبرازيل والولايات المتحدة طرحت على مواقعها الإكترونية استراتيجيتها في تنظيم مبدأ حيادية الإنترنت وعلاقة الشركات بالتطبيقات، وطلبت من المؤسسات والأفراد التعليق عليها.

يذكر الجبور المفاوضات التي تجري الآن لمحاولة تنظيم علاقة شركات الاتصالات بـ«التطبيقات» على مستوى المنطقة العربية ضمن الشبكة العربية لهيئات تنظيم الاتصالات وتقنية المعلومات (ARAGNET) التي تترأسها الأردن هذه العام. لكنه لا يرى ضرورة لطرح استراتيجية للاستشارة العامة، لأن «ما يهم المواطن هو أن لا يدفع مقابل الخدمات المضافة وهذا ما سيحصل».

أما المحامي ركان بيبرس فيرى أنه إن أرادت الهيئة إصدار قاعدة عمومية على جميع الشركات فعليها أن تخضع للقواعد الخاصة بها، والتي تطلب من أي قرار عام يؤثر على سوق الاتصالات بأكمله بأن يخضع للاستشارة العامة.