ما هو الخطأ في ما قالته الوزيرة؟

الأربعاء 01 شباط 2017

إن كنت قد ولدت قبل تسعينيّات القرن الماضي، فلربما أنك ما زلت تذكر زمنًا لم تكن فيه خدمة الهاتف الخلوي موجودة. ولعلك تذكر أيضًا الجهاز الأسود الصغير الذي كان يرتديه رجال الأعمال لتلقّي أرقام الهواتف الأرضية التي تحاول الاتصال بهم. حصلت الشركة الأردنية للنداء الآلي «مرسال» على رخصة حصريّة لتقديم خدمة إظهار رقم الهاتف على جهاز البيجر منذ عام 1988. وبعدها بست سنوات، حصلت شركة فاست لينك على أول رخصة حصريّة للهاتف الخلوي، وفعَّلت في العام 1998 خدمة إظهار رقم المتصل على الهاتف. في ذلك العام رفعت شركة مرسال دعوة قضائية تطالب فيها «شركة الاتصالات الأردنية» (قبل خصخصتها إلى أورانج) بتعويض الضرر المادي الذي لحق بها جرّاء سماحها لشركة فاست لينك أن تقدم نفس الخدمة التي تقدمها مرسال. ردّت محكمة الاستئناف الدعوة لأنها رأت في طلب التعويض مخالفة لشروط الاتفاقية.

أستعيد هذه القصة، لأن النقاش الدائر، حاليًا، حول من يتحمل خسائر ميزانية الدولة وتدني أرباح شركات الاتصالات في الأردن يرجعنا عشرين عامًا للخلف. شركة فاست لينك التي اعتنقت تطوّرات الهاتف الخلوي حينها، ولم تأبه، كشركة ربحية، لتبعات هذه التكنولوجيا على شركة مرسال، هي ذاتها إحدى شركات الاتصالات التي تقاوم اليوم تطوّرات التطبيقات وتحمّلها مسؤولية تدني أرباحها. الفرق بين تلك القصة ونقاش اليوم الدائر حول إنقاذ قطاع الاتصالات، هو أن شركات الاتصالات والحكومة اليوم تتحالفان معًا لتحميل المواطن مسؤولية خسارة شركات الاتصالات والعجز في الميزانية عن طريق فرض ضرائب على تطبيقات لم تساهم ببنائها لا الحكومة ولا الشركات.

هذه المحاولة لفرض رسوم إضافية على تطبيقات مكالمات الصوت ليست الأولى. وقد سبق أن تصدّت هيئة تنظيم الاتصالات لهذا الاقتراح في المرة الأولى. لكن الفارق اليوم هو أنه وبعد تخبّط حكومي في محاولة تغطية عجز 450 مليون دينار من الموازنة، انضمّت وزارة الاتصالات إلى صف شركات الاتصالات لمحاولة تبرير هذه الضريبة كونها تضرب عصفورين بحجر واحد؛ أولًا، إنقاذ عجز الحكومة، وثانيًا زيادة أرباح قطاع الاتصالات. وقد أوضحت الوزارة في اجتماعها الذي عقدته بداية هذا الأسبوع (يوم السبت 28 كانون ثاني) أن 75% من هذه الضريبة المقترجة سيذهب لخزينة الدولة والباقي للشركات.

في خطوة غير معهودة دعت وزارة الاتصالات المواطنين المهتمين والمجتمع التقني الرافض لهذه الضريبة إلى اجتماع في وزارة الاتصالات لتفسير تفاصيل الضريبة ومبرراتها. الحلول المقترحة الأخرى كان من بينها فرض ضريبةٍ تصاعديةٍ على البطاقات حسب الاستهلاك، أو فرض ضريبةٍ عاليةٍ على الخطوط الشهرية.

حسب الوزارة، ما زالت كل هذه السيناريوهات قيد الدراسة، وقد دعت في نهاية الاجتماع المجتمع المدني والمواطنين إلى التقدم وإبداء اعتراضاتهم وملاحظاتهم بما يخص هذه الضريبة. في هذا المقال ألبّي دعوة وزارة الاتصالات وأقدّم ردًا على بعض الأفكار التي تُتداول لتبرير خيار الضريبة على خدمة المكالمات الصوتية التي تقدمها تطبيقات واتساب وفيسبوك وفايبر.

أولًا، تقول الوزارة: «كما نظّمنا كريم وأوبر علينا تنظيم تطبيقات خدمات الصوت على الإنترنت».

هناك مغالطة كبيرة في مساواة تطبيق أوبر وكريم بالتطبيقات التي تقدم خدمات الصوت عبر الإنترنت. تخلط هذه المقارنة شركات تقدم خدماتٍ تجاريةٍ مدفوعة الثمن دون أن تدفع ترخيصًا أو ضرائب، مع تطبيقات مجانية تُقدّم عبر خدمة الإنترنت المدفوعة الثمن والخاضعة للضريبة. أولًا ترخيص أوبر وكريم يعني إخضاعهما لشروط المنافسة العادلة مع التكسي الأصفر والتي تدفعها الشركة نفسها ولا يتحمل كلفتها المواطن. قد ترجع شركات الاتصالات وتقول بأنها تتعرض لنفس المنافسة غير العادلة التي يتعرّض لها التكسي الأصفر كون هذه التطبيقات لا تخضع لنفس رسوم ترخيص الشبكة الذي تخضع له شركات الاتصالات. هنا نرجع لمسلّمة واحدة: شركات الاتصالات هي وسيط يقدم خدمة الإنترنت المدفوعة الثمن والخاضعة للضرائب، وبالمقابل عليها تقديم النفاذ لكامل ما يسري في الشبكة لا أجزاءً منها. إضافة إلى حقيقة أن شركات الاتصالات تمتلك الشبكتين اللتين تنافس إحداهما الأخرى: الإنترنت والهاتف الخلوي.

النقاش حول وضع وتنظيم هذه التطبيقات ليس أمرًا مقتصرًا على الأردن. ما زال الجسم المراقب لهئية الاتصالات الأوروبية يمنع حجب أو تنظيم أيٍ من هذه التطبيقات حتى لا تخل بمبدأ حياد الشبكة، خاصة بعد نتائج استفتاء 2016 الذي خلص إلى أن هذه الخدمات، حتى الآن، لا تشكل منافسًا لمكالمات الهاتف. وفي العام 2015، في الولايات المتحدة، أقرّت هيئة الاتصالات الفيدرالية إدراج تعريف الإنترنت تحت صنف «منفعة عامة» ليصبح تقسيمه لمسارات ربحية وغير ربحية غير قانوني. أما في في الهند، فقد ردت هيئة الاتصالات الهندية العام الماضي اقتراح تنظيم هذه التطبيقات من قبل شركات الاتصالات بعد رفض المجتمع التقني لها.

ثانيًا، تقول الوزارة: «الضريبة اختيارية، وهي فقط لمن يريد أن يستخدم خدمة الواتساب والفيسبوك الصوتية».

تدّعي الوزارة أن هناك ما بين مليون ومليوني مستخدم لتطبيقات الواتساب والفيسبوك في الأردن، وأن هذا الحل اختياري لمن يريد استخدام هذه التطبيقات، معتبرةً أنها استخدامات كمالية. لكن الوزارة توضّح أن الحجب لن يكون على مستوى التطبيق بل على مستوى البروتوكول الذي سيستخدمه التطبيق وهو بروتوكول الـVoIP. هكذا ستقسم شركات الاتصالات الإنترنت إلى بروتوكولات ربحيّة وأخرى غير ربحية. في حجب هذا البروتوكول لن يكون لدى الحكومة وشركات الاتصالات حصة في أرباح التطبيقات الربحية التي تقدم خدمة مجانية للمستخدم فحسب، بل أيضًا سيجنون أرباحًا من تطبيقات غير ربحيّةٍ.

هنا تضرب الوزارة والاتصالات أهم مبدأ من المبادئ التي قامت عليها الشبكة منذ نشأتها: «فرص البيانات المتساوية في النفاذ إلى الشبكة» أو ما يسمى بحيادية الإنترنت. تسمّي الوزارة هذا السيناريو بالحل «المستدام» لإنقاذ القطاع والحكومة. قد يفعل هذا الحل ذلك، ولكنه، على المدى البعيد، سيخنق الفرص الرياديّة والإنسانيّة والتنموية التي يوفرها مبدأ حيادية الشبكة. إن كنت مطورًا لبرامج تستخدم هذا البروتوكول، ستكون الضريبة أول حاجز بينك وبين مستفيديك. وإن كنت مستفيدًا من هذه البرامج، سيحرمك هذا الحجب التطبيقات التي ستطرحها المؤسسات المدنية والشركات غير الربحية التي تستخدم هذا البروتوكول.

بهذا القرار، سيتحمّل مطورو التطبيقات والمستفيدون منها مسؤولية العجز في الموازنة الحكومية وعدم قدرة شركات الاتصالات على تدارك التغيير الذي فرضه الإنترنت على اقتصاديات الصناعات المختلفة. وستطلب من اللاجئين وذوي الدخل المحدود إغاثة قطاع الاتصالات والحكومة قبل أن يستخدموا تطبيقًا لإغاثة أنفسهم.

ثالثًا، تقول الوزارة: «اليوم المواطن والحكومة وشركات الاتصالات واحد، وبإنقاذ القطاع سننقذ اقتصاد الأردن والأيدي العاملة».

بهذا المنطق ضربت الوزارة قوانين السوق المفتوح التي باتت تحكم القطاع منذ أن خصخصته عام 2000. في نظام السوق المفتوح لا يمكن للمواطن وشركات الاتصالات أن يكونوا واحدًا. كان ذلك السبب الأساسي لنشأة هيئة تنظيم قطاع الاتصالات لتضمن المنافسة العادلة وحقوق المستخدم. فمنذ خصخصة هذا القطاع لم تعد شركات الاتصالات إلا شركات استثمارية بحتة، هدفها الربح كأي شركة استثمارية أخرى تتعامل مع انتشار شبكتها في الأردن بمعادلة القيمة الربحيّة التي يجب أن تخضع لقوانين حماية المستهلك.

تذكرنا الوزارة بميزانية الاستثمارات الضخمة التي تضعها شركات الاتصالات في تطوير الشبكة، وكيف أن تطبيقات مثل فيسبوك وواتساب تركب على هذه الشبكة دون مقابل. تحذّرنا أيضًا من الخوف الذي يعتري القطاع من تسريح شركات الاتصالات لموظفي القطاع إن لم ننقذه كمواطنين. لا ننكر أن شركات الاتصالات استثمرت في بنيتها التحتية، ولكنها استثمرت كما استثمرت غيرها من الشركات الربحية في جودة خدمة مدفوعة. تبقى أرقام الاستثمارات هذه تطوف من حولنا دون تقارير واقعية عن مدى استثمار شركات الاتصالات بالشبكة والأرباح التي تجنيها من انفجار الطلب على البيانات. كيف تفسّر شركات الاتصالات في تقاريرها الماليّة السنويّة، أنه على الرغم من تدني إيرادات إحدى هذه الشركات آخر عامين، ارتفع صافي أرباحها.

لنتجاوز مُسَلّمة أن المستخدم يدفع مقابل الخدمة التي تقدمها شركات الاتصالات بما فيها استثمارات الشبكة الآن، لماذا لم تتفق شركات الاتصالات فيما بينها لإنقاذ القطاع وتخفيض تكلفة الاستثمارت في الشبكة؟ ألم يكن بيد وزارة الاتصالات وهيئة تنظيم قطاع الاتصالات إجبار شركة أورانج مثلًا على تطبيق قرار فك احتكارها لخطوط (ADSL) في 2008، قبل أن تلجأ الشركات الأخرى للاستثمار بشبكات موازية مثل الفايبر أوبتك حاليًا؟ لماذا لا تنفذ الحكومة وشركات الاتصالات حلولًا إبداعيةً أخرى لنشر الشبكة مثل التنسيق بين شركات الكهرباء والماء والاتصالات في مد البنية التحتية وتقاسم تكاليف المد؟

تقدّم وزارة الاتصالات رؤيتها على صفحتها الإلكترونية: «قطاعات اتصالات وتكنولوجيا معلومات وبريد متطورة وآمنة تحسّن نوعية الحياة». أما النقطة الأولى في رسالتها فهي «تعزيز البيئة التشريعية والتنظيمية لأسواق منافسة تشجع الإبداع والابتكار وتقدّم الخدمات والمنتجات بجودة عالية». اقتراح الضريبة على التطبيقات التي توفّر خدمات المكاملات على الإنترنت ما هو إلّا ضربة قوية لهذه الرؤية، واصطفاف من الجهة المسؤولة عن تقديم شبكة تخدم المواطن إلى جانب شركات الاتصالات.

بهذا الاقتراح تفتح الوزارة بابًا خطرًا تستطيع من خلاله شركات الاتصالات فرض رسومٍ على خدمات مجانية لم تساهم بتطويرها. وأخيرًا، هذا الاقتراح هو طبطبة على مشاكل بنيوية وصلت بنا لعجز حكومي هائل، ورمي لمسؤولية هذا العجز في وجه المواطن.