كيف أغلقت الحكومة الأمريكية أكبر موقع لمشاركة الملفات في العالم

الثلاثاء 26 تموز 2016
الصورة مأخوذة من الصفحة الرئيسية لموقع «كيك آس تورنتس»

بقلم إلياس غرول، ترجمة دعاء علي

(نشر هذا المقال على مجلة فورين بوليسي في ٢٢ تموز ٢٠١٦).

قبل اعتقاله الأسبوع الماضي، كان آرتم فاولين أحد أعمدة عالم القرصنة. فموقع هذا الأوكراني ذي الثلاثين سنة، «كيك آس تورنتس» (KickassTorrents)، كان الأكثر شعبية لمشاركة الملفات بشكل غير قانوني في العالم، كما كان الموقع التاسع والستين من حيث الشعبية على الإنترنت، ويجذب أكثر من ٥٠ مليون زائر في الشهر. ونتيجة لكل هذا، فقد تسبب موقع فاولين لاستوديوهات إنتاح الأفلام وشركات الموسيقى بخسائر تفوق المليار دولار، بحسب السلطات الأمريكية.

في حركة دولية متزامنة، ألقت الشرطة البولندية القبض على فاولين، فيما استحوذت محكمة فيديرالية في شيكاغو على سبعة عناوين للموقع على الإنترنت، وأغلقتها. «بوسع المجرمين الإلكترونيين الهرب، لكن ليس بوسعهم الاختباء من العدالة»، تقول النائب العام المساعد ليزلي كالدويل معلنة ما أسمته نصرًا كبيرًا في الصراع ضد القرصنة. إذا أدين في جميع التهم، يواجه فاولين حكمًا قد يبلغ ٢٥ عامًا من السجن.

إلا أن الاحتفالات كانت سابقة لأوانها. فبينما يقود عنوان الموقع، Kickass.to، إلى إشعار من الحكومة الأمريكية بالاستحواذ عليه، برزت يوم الجمعة (١٥ تموز) عدة مواقع بديلة، تزعم أنها تحتضن نسخًا احتياطية من ملفات «كيك آس تورنتس». فمع إغلاق الموقع الأصلي، بدأت محاولات القراصنة المبتكرين في تملّك اسمه اللامع بفتح مواقع مقلدة، تحمل الاسم ذاته وتدّعي استضافة العديد من ملفاته.

إذًا، بينما يُظهر اعتقال فاولين والتحقيقات في إمبراطوريته المقرصنة مدى إصرار القضاء الأمريكي على ملاحقة المجرمين الإلكترونيين، فإنه يظهر كذلك الطبيعة العبثية لمكافحة الجريمة الرقمية.

جوزيف فيتزباتريك -المدعي العام المساعد عن المقاطعة الشمالية في ولاية ألينوي الأمريكية الذي رفع القضية- رفض التعليق سوى بما جاء في ملفات القضية العلنية، وما يتعلق بصعوبات المحاكمة في قضايا يظهر فيها الشخص المستهدف بالتحقيق فجأة عقب اعتقاله.

في السنوات الأخيرة، كثفت الحكومة الأمريكية ملاحقتها للجرائم الإلكترونية كالقرصنة وإباحية الأطفال، لكن درجة من العشوائية دمغت العديد من قضاياها الأكثر بروزًا. فحين أغلقت سوق المخدرات الإلكتروني سيلك رود (Silk Road) على سبيل المثال، ما لبثت المواقع المقلّدة بالظهور، واتبعت الملاحقات القانونية لمشغلي هذه المواقع نمطًا مماثلًا: يلقي القبض على المشغلين، تغلق مواقعهم، ويخرج غيرهم لملء فراغهم.

نظرًا لإدارته عملًا إلكترونيًا إجراميًا بملايين الدولارات سنويًا عبر موقعه المحظور، فإن فاولين لم يكن حذرًا بما فيه الكفاية. فقد أدار صفحة لمعجبي «كيك آس تورنتس» على فيسبوك مستخدمًا عنوان بريد إلكتروني على آبل. وبعد تلقيهما إشعارًا بذلك، سلّمت شركتا آبل وفيسبوك الحكومة الأمريكية معلومات حساب فولين. ومن هناك، تتبع المحققون مسارًا من فتات الكوكيز الرقمية (ملفات تعريف الارتباط) التي تركها فاولين ليثبتوا إدارته للموقع، وفقًا للشكوى المرفوعة عليه.

يمر فولين حاليًا بإجراءات ترحيله من بولندا، وقد يُحبس لمدد تصل إلى خمس سنوات بتهم التعدي على حقوق الملكية الفكرية وعشرين أخريات بتهم غسيل الأموال.

جاء اعتقال فاولين كتذكير جيد للمجرمين الإلكترونيين بضرورة عدم خلط الحسابات الشخصية بالأنشطة غير القانونية. كما يُظهر هذا الاعتقال أن آبل -رغم نزاعها العلني مع الحكومة الأمريكية حول المعلومات المشفرة لإرهابيي سان برنادينو- تسلّم القضاء معلومات مستخدميها بشكل روتيني.

ورغم أن «كيك آس تورنتس» كان عملًا مدرًا لأرباح هائلة بالنسبة لفاولين، إلا أن التورنت يشكل أيضًا العمود الفقري لحرية حركة المعلومات على الإنترنت. إحدى العرائض على موقع Change.org طالبت بإطلاق سراح فاولين، معتبرةً أن اعتقاله يمثل «هجومًا آخر على حرية وحقوث مستخدمي الإنترنت حول العالم».

تسمح التورنتات للمستخدمين بتنزيل ملفات كبيرة الحجم بسرعة عالية عبر صلات القرين للقرين (peer-to-peer connections). فعوضًا عن الاتصال بخادم مركزي وحيد لتنزيل أغنية أو فيلم، فإن بنى القرين للقرين تسمح للحواسيب بتنزيل أجزاء من الملفات تستضيفها حواسيب أخرى في الشبكة، وهو ما يتم بسرعة أعلى بكثير. وتستخدم التورنتات عادة لتنزيل ملفات كبيرة الحجم كالفيديوهات الإباحية والمسلسلات التلفزيونية وبرامج الحاسوب. هذا التصميم التفاعلي يمنح فكرة أوضح عن كيفية عمل هذا النظام. أضف عددًا كبيرًا من «البذور» (seeds) وسترى كيف يصبح نقل البيانات سريعًا جدًا في شبكة واسعة من الحواسيب.

رغم أن موقع مشاركة الملفات «ذا پايرت باي» (The Pirate Bay) معروف بشدة باستخدامه التورنتات لمشاركة الملفات، إلا أن «كيك آس تورنتس» تفوق على هذا الموقع السويدي السنة الماضية ليصبح أكثر مواقع التورنت شعبية في العالم. وقد غيّر الموقع مكان تسجيل عنوانه مرات عديدة -من الصومال إلى كوستاريكا- هربًا من السلطات.

مواقع مشاركة الملفات هذه هي بعبع صناعة الترفيه، التي شنت حملة قانونية مكلفة للضغط من أجل محاربة هذه المواقع، غالبًا دون طائل. ما يزال حجم المعلومات المحمية بموجب حقوق الملكية الفكرية على الإنترنت هائلًا، لكن الأفلام والأغاني الجديدة عادة ما تتوفر على مواقع التورنت فور إطلاقها.

هذه البيئة الحاضنة لمشاركة الملفات تخلق عبئًا ماليًا ضخمًا على الفنانين الساعين لكسب المال لقاء عملهم. ورغم أنه ليست كل الملفات التي تتم مشاركتها عبر التورنتات محمية بموجب حقوق الملكية الفكرية، إلا أن دراسة عام ٢٠١٠ وجدت أن ٩٩٪ من الملفات التي نشرت عبر البت تورنت (BitTorrent) خرقت أحد هذه الحقوق.