الترانزستورات والطريق إلى المستقبل

الإثنين 29 شباط 2016

في العام 1965، كتب جوردن مور، والذي سيُصبح لاحقا أحد مُؤسّسي شركة «إنتل» العملاقة لصناعة الإلكترونيّات والحواسيب، مقالا علميّا يتنبأ فيه بأنّ عدد «الترانزستورات» التي يُمكن وضعها على شريحة «السليكون» سيتضاعف كلّ عام، الأمر الذي من شأنه، كما أكّد مور آنذاك، أن يُحدث عبر الزمن تطوّرات تقنيّة هائلة وغير مسبوقة في صناعة الإلكترونيّات.

يُصنع الترانزستور من مواد شبه موصّلة ما يجعله قادرًا من خلال التفاعلات الإلكترونيّة التي تجري في رقاقة السليكون على تنظيم الإشارة الكهربيّة المارّة به، وما هو أهمّ من ذلك، إعادة تكبيرها. أي أنّ ميزته الرئيسيّة تتمثّل في كونه «يُضيف» طاقة جديدة إلى الدارة الكهربائيّة الكليّة بدون الحاجة لزيادة الجهد الداخل إليها من مصدر الجهد (مُكبّرات الصوت أو السمّاعات هي ربما التجسيد الأمثل والأبسط لمنطق عمل الترانزستور، حيث يُمكن من خلال جهدٍ كهربائيّ بسيط الحصول على إشاراتٍ صوتيّة عالية).

هذه الميزة، بالمعنى  التقني، لها نتيجة حاسمة: زيادة عدد الترانزستورات المُثبّتة على سطح شريحة السليكون يعني ببساطة أنّ هذه الشريحة ستكون قادرة مع الوقت على القيام بعمليّات مُعالجة أكثر تعقيدًا بفعل الطاقة الإضافيّة التي باتت تختزنها. ومن هُنا، كان السعي لتطوير المُنتجات الإلكترونيّة مُرتكزًا على تصغير حجم الترانزستور ليُتاح تركيب عدد أكبر منه على شرائح السليكون، وبالتالي خلق أجهزة إلكترونيّة جديدة أكثر كفاءة وتطوّرًا وأقل كلفة وأصغر حجمًا بطبيعة الحال.

يُمكن رؤية تجسّد عمليّة التصغير هذه زمنيًا وبشكلٍ واضح في تاريخ الصناعة الإلكترونيّة في انتقالها من إنتاج الكمبيوترات العملاقة التي كانت تقوم بوظائف مُحدّدة في الستّينيات إلى ابتكار أجهزة «التابلت» و«الآيفون» الصغيرة التي تقوم في أيّامنا هذه بوظائف لا حصر لها، ويُمكن رؤيتها أيضا في الفارق المهول في عدد الترانزستورات المُركّبة على شريحة السليكون الواحدة والتي ازدادت من بضعة مئات في ذلك الزمن إلى بضعة مليارات الآن.

ستلعب شركات التكنولوجيا في المستقبل القريب، الدور الذي لعبته شركات النفط مطلع القرن بالنسبة للدول الكبرى، كأدوات لتحقيق النفوذ والثروة

تُجادل «الإيكونوميست» البريطانيّة أن تنبّؤ مور الذي أثبت صحّته إلى حدٍ بعيد خلال العقود الخمسة الماضية يواجه الآن تحديا كبيرًا لخّصته بقصّة أسطوريّة طريفة. تقول القصّة أن مُخترع الشطرنج كان رجلا عبقريّا. قدّم لعبته إلى ملكه الذي وقع في سحرها فسأله أن يطلب مُكافأته بنفسه. طلب الرجل أن تُوضع له في أوّل مربّع من رقعة الشطرنج حبّة قمح وفي الثاني حبّتان وفي الثالث أربع حبّات، وهكذا دواليك حتّى المربّع الرابع والستّين. استغرب الملك طلبه المتواضع وأمر له به. في البداية كانت الحبّات التي تُنثر على الرقعة قليلة، لكنّ الملك سرعان ما اكتشف أنّ وضعه للحبّات على هذا المنوال سيتطلّب منه ما يزيد عن موارده الغنيّة كلها من القمح عند الوصول إلى المربّع الأخير. مُعضلة الملك الذي لم يكن يعرف أنّ كلّ نموّ «أُسّي» يصل في النهاية إلى «نقطة حرجة» في النهاية، هي ذاتها المُعضلة التي تُجابه صنّاع الإلكترونيّات اليوم: عند مرحلة مُعيّنة يُصبح تصغير حجم الترانزستور عمليّة غير مُجدية لأنّ تكلفة التصغير هذه تُصبح أعلى من سعر المُنتج الإلكتروني نفسه بسبب الاستثمار المُكلف الذي تتطلّبه التكنولوجيّات الحديثة التي تعتمدُ عليها (أعلن فريق علميّ في جامعة «ساوث كارولينا» في الولايات المُتّحدة الأمريكيّة مّؤخّرًا أنّه ابتكر ترانزستورات جديدة تعمل بطاقة الألياف الضوئية ما يعني زيادة قدرتهم على تصغير حجمها بصعوبات وتكاليف أقل).

هذه النقطة الحرجة مهّدتْ من بين عوامل أخرى لدخول صناعة الإلكترونيّات إلى مستوى جديد من التطوّر. لم يعد الهمّ الأساسيّ مُنصبّا على زيادة قدرات الترانزستورات في مُعالجة البيانات، بل على استخدام هذه القدرات لتأدية وظائف جديدة في العالم الإلكتروني لم تكن موجودة قبل بضع سنواتٍ فقط. وربّما يُفسّر هذا لماذا ترى اليوم هذا الاستثمار الدؤوب والكبير في مجال ما يُعرف بــ«اللوغاريتمات» وتقنيّات «الذكاء الاصطناعي» كما تتجسّد في الروبوتات والدرونز والسيّارات ذاتيّة القيادة. ولماذا نشهد أيضًا ظهور «إنترنت الأشياء»، كما يتجسّد في الـ«Cloud Computing» وانتشاره على نطاقٍ واسع. فمع هذا التزايد الكبير في عدد الأجهزة الإلكترونيّة الموجودة في كلّ زاوية من حياتنا اليوميّة، أصبح تنظيم تدفّق المعلومات وزيادة القدرة على تخزينها والربط بينها وحلّ الخوارزميّات المُعقدة بغية استخدامها للقيام بعمليّات نوعيّة جديدة أهمّ من زيادة عدد الترانزستورات على شريحة السليكون.

يُخبرنا تاريخ تطوّر التقنيّة الحديثة خلال القرن العشرين أنّ تمتّعنا بالمُنتجات الإلكترونيّة التي نستخدمها على مدار الساعة في أيّامنا هذه مدينٌ بشكل ما للحرب الباردة. كان الصعود الهائل والسريع للاتّحاد السوفييتي كنموذج مُختلف و«غير أمريكي» للتنمية والتصنيع، وقدرته على تحقيق قفزاتٍ علميّة مُذهلة وتحديدا في مجال الفضاء، يدفع أمريكا لإعادة تصميم سياساتها الوطنيّة وبناها المُؤسّسيّة والاستراتيجيّات التي تعتمدها لحشد وتوزيع مواردها بشكلٍ كامل بهدف ضمان موقعها المتفوّق دائما في هذا السباق.

أصبح نهم المستهلكيّن العاديّين في أرجاء العالم هو المحرّك الأساسي للإنتاج وللاستثمار في الابتكارات الجديدة من قبل شركات التكنولوجيا حول العالم.

ضمن هذا التحوّل، أعادت أمريكا صبّ جهودها بشكلٍ أكبر لتمويل الجامعات الأمريكيّة ومُؤسّسات البحث العلميّ ومُختبرات الابتكار وربطها بشكلٍ أوثق بالمصانع العسكريّة الجديدة التي أُنشأت بعد الحرب العالميّة الثانية. وسرعان ما وفّرت هذه العمليّة البنية التحتيّة المثاليّة لازدهار صناعة الإلكترونيّات الحديثة، ليس لأنّها أزالت من طريق هذه الصناعة الكثير من العوائق الماليّة والتقنيّة والتسويقيّة (وهي كثير ومكلفة للغاية في صناعة من هذا النوع بوجه خاص)، بل لأنّها ضمنت لها زبونا دائما وموثوقا لمُنتجاتها اسمه الجيش الأمريكي. شركة «IBM» التي عرّفت العالم بالحاسوب المنزليّ، مثلا، لم تكن لتحقّق أرباحها الأولى التي ساهمت في انطلاقها كعملاق في عالم الإلكترونيّات بدون حصولها على عقود لتوريد أنظمة محوسبة لقاذفات B-52 لسلاح الجو الأمريكيّ. وخلال عقد الستّينيات، في غمرة التنافس على غزو الفضاء مع الروس، كان الجيش الأمريكيّ يستهلك عمليّا أكثر من نصف رقاقات السليكون المُنتجة في العالم وهو ما وفّر لشركات التقنيّة طلبا ضخما على مُنتجاتها وعقودًا مستمرّةً لابتكاراتها التكنولوجيّة المُكلفة. بهذا المعنى، فإنّ نموذج «وادي السليكون» الذي يُمثّل أيقونة التفرّد التكنولوجيّ الأمريكيّ لم يكن ليُوجد في الواقع لولا وجود المصانع العسكريّة الجديدة في كاليفورنيا على مقربة من جامعة «ستانفورد» التي يستضيف حرمها الضخم مقرّات شركات التكنولوجيا الكبرى، ولولا وجود سياسات ومؤسّسات حكوميّة استطاعت توجيه الموارد المُختلفة لتحقيق المصالح الاستراتيجيّة للولايات المتّحدة وعلى رأسها ضمان التفوّق العلمي على الإتّحاد السوفييتي (قد يبدو من المفارقات هُنا أنّ «الانتصار» الأمريكيّ على الاتّحاد السوفييتي مع نهاية الحرب الباردة والذي تم تصويره في أجهزة الثقافة والإعلام على أنّه انتصارٌ للنموذج الفردي الحرّ، لم يكن مُمكنا فعليّا بدون أن تتبنّى أمريكا في بعض المجالات وأكثرها حيويّة سياسات «تخطيط مركزيّ» شاملة لا تختلف في فلسفتها عن نظيرتها السوفييتيّة).

الجديد اليوم في المشهد هو أنّ الصناعات العسكريّة لم تعد مصدر الطلب الأوّل على المُنتجات الإلكترونيّة. فقد أصبح نهم المستهلكيّن العاديّين في أرجاء العالم هو المحرّك الأساسي للإنتاج وللاستثمار في الابتكارات الجديدة من قبل شركات التكنولوجيا حول العالم. «وادي السليكون» أيضا تآكلت مكانته التقليديّة، بعد أن أصبحت السواحل الأسيويّة في الصين واليابان وكوريا الجنوبيّة، تبزّه تقنيّا وتجاريّا كمنصّات نشطة لإنتاج الإلكترونيّات وتصديرها إلى كلّ بقعة في العالم.

هذا التنافس على سوق الإلكترونيات العالمي، والذي يُعتبر أكبر سوق للمنتجات الاستهلاكيّة من حيث القيمة، ربما ينطوي، كما يقول البعض، على نتائج سياسيّة هامّة، حيث ستلعب شركات التكنولوجيا في المستقبل القريب، الدور الذي لعبته شركات النفط مطلع القرن بالنسبة للدول الكبرى، كأدوات لتحقيق النفوذ والثروة. وقد يؤدّي اشتداد المنافسة في هذا السوق إلى إدماج الابتكارات الجديدة أكثر فأكثر في بنية الإنتاج (مثل زيادة الاعتماد على الروبوتات في المصانع)، وإحداث تغيير جذري في تقسيم العمل الدولي بكلّ ما سينطوي عليه من نتائج سياسيّة في خريطة توزيع النفوذ في العالم. جيلنا ربما يكون محظوظا لأّنّه سيشهد في حياته بزوغ هذه الموجة الجديدة من الابتكارات التقنيّة التي ستغيّر من شكل العالم وطريقة إحساسنا به. حتّى ذلك الوقت يجدر بنا تذكّر تلك الترانزستورات التي كانت تثير فضولنا كأطفال حين نراها في الأجهزة الإلكترونيّة من حولنا والتفكير في الطريق الذي رسمته لنا إلى حاضرنا والذي سترسمه إلى المستقبل.